الجزائر والصراع في مالي

Source: Getty
دراسة
ملخّص
فيما تكاد الأزمة في مالي تصبح كابوسًا أمنيًا وإنسانيًا على المستوى الإقليمي، تتطلّع دول الجوار القلقة إلى الجزائر لقيادة جهود إدارة النزاع.
موارد إعلامية وأدوات ذات الصلة
 

ملخّص

بينما تهدّد الأزمة في مالي بأن تتفاقم وتتحوّل إلى كابوس أمني وإنساني إقليمي مُطبق، تتطلّع دول الجوار التي ينتابها القلق إلى الجزائر لقيادة جهد لإدارة الصراع. فقد كانت الجزائر ترغب باستمرار، في نواح كثيرة، الاعتراف بها كدولة إقليمية قائدة في المنطقة. ومع ذلك، يساور القلق الجزائر من الانزلاق إلى المستنقع الصحراوي، وتبدو متردّدة أو غير قادرة على الحفاظ على الاستقرار في فنائها الخلفي. وبدورها تتساءل البلدان المجاورة والدول الغربية عن الأسباب الكامنة وراء قرار الجزائر بشأن عدم القيام بدور أكثر نشاطاً في مالي.

الأفكار الرئيسة 

  • في أعقاب الانتفاضة التي قام بها المتمرّدون الطوارق العلمانيون في شمال مالي، انهارت الحكومة في الجنوب وغرق جيشها في لجج الفوضى.
     
  • تسعى الحكومة الجديدة جاهدة إلى كسب الثقة الشعبية وتأكيد سلطتها على أراضي مالي.
     
  • تزداد التوتّرات العرقية على نحو خطير في الشمال، حيث عزّزت الجماعات الإسلامية المتشدّدة سيطرتها هناك. وانتقلت جماعة أنصار الدين، على وجه الخصوص، التي يتزعّمها إياد آغ غالي أحد وجهاء الطوارق البارزين، والمدعومة من تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، إلى الواجهة. 
     
  • تتوفّر الجزائر على أكثر من 200 مليار دولار من احتياطيات العملات الأجنبية، ولديها قوات أمن اجتازت اختبار المعارك وتملك خبرة قتالية في مكافحة الإرهاب، إضافة إلى نفوذها في المنظمات الإقليمية والدولية.
     
  • الجهود الدبلوماسية لحلّ الأزمة، ومعها إستراتيجية المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا لاستعادة النظام عن طريق القوة في الشمال، تعثرت على حد سواء ولايزال عليها إثبات وجودها.

النتائج

المشاركة الجزائرية المتواصلة والمتعاونة والصادقة في مالي ضرورية. فالجزائر، التي تعدّ طرفاً أساسياً لنجاح إدارة الصراعات وحلّها في المنطقة، في وضع فريد يمكّنها من التأثير على الأحداث في مالي.
 
يجب أن يحظى تعزيز عملية الانتقال السياسي في باماكو بالأولوية. إذ أن التدخّل العسكري المتسرّع من دون تثبيت النظام في الجنوب أولاً قد يشوّش على الديناميكيات غير المستقرّة في الشمال وتكون له تداعيات وخيمة. ولذا يتعيّن على باماكو أن تحاول تنسيق الإجراءات التي تقوم بها مع جيرانها.
يجب على الجزائر حثّ إياد آغ غالي على قطع علاقاته مع تنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي. فهذا من شأنه أن يسهّل التوصّل إلى تسوية سياسية مع باماكو، ويساعد على إنهاء الصراع.
 
يجب على الجزائر استخدام قواتها العسكرية وقدراتها في مجال مكافحة الإرهاب على طول حدودها الجنوبية. وبذلك تساعد على منع تمدّد الصراع.
 
يجب على الولايات المتحدة أن تساعد في إعادة بناء القوات المسلحة في مالي. إذ تحتاج مالي إلى جيش منضبط قادر على تحقيق الاستقرار في الجنوب، وعلى التهديد بشكل جدّي باستخدام القوة في الشمال. كذلك، يجب على الولايات المتحدة أن تشارك بطريقة تتكامل مع مبادرات الجزائر الأمنية والدبلوماسية، لامنافستها. فيما تكاد الأزمة في مالي تصبح كابوسًا أمنيًا وإنسانيًا على المستوى الإقليمي، تتطلّع دول الجوار القلقة إلى الجزائر لقيادة جهود إدارة النزاع.

النفوذ وعدم الاستقرار في مالي

جاء انهيار النظام القديم في مالي أسرع من كل التوقّعات. فبعد أقلّ من ثلاثة أشهر من اندلاع الأزمة هناك في كانون الثاني/يناير 2012، هُزِم الجيش المالي على نحو مفاجئ وغير متوقّع عندما حاول إخماد تمرّد في الشمال، وقد جرى دحره باتجاه الجنوب على يد مروحة متنوّعة من الجماعات المسلحة التي يجمعها تحالف فضفاض. ودفع انقلاب عسكري جرى في 22 آذار/مارس الرئيس أمادو توماني توري إلى التواري عن الأنظار.
 
خلقت الأزمة في مالي تحدّياً كبيراً بالنسبة إلى الجزائر. ونظراً إلى مكانتها كقوة عسكرية إقليمية، ومعرفتها الوثيقة بديناميكيات الصراع في مالي، من المتوقّع أن تأخذ الجزائر زمام المبادرة في حلّ الصراع. لكن الجزائر المشغولة بعملية انتقال القيادة التي تلوح في الأفق، والتي تواجه سخطاً شعبياً في الداخل، وتخشى من ردّ فعل سلبي محتمل من جرّاء التدخّل العسكري في مالي، كانت أكثر تهيّباً وتردّداً وغموضاً مما يريدها المجتمع الدولي. ويُعزى هذا الموقف أيضاً إلى التزام البلاد الصارم والعنيد بمبدأ عدم التدخّل.
 
ولأن الجزائر تتوفّر على مايزيد عن 200 مليار دولار من احتياطيات العملات الأجنبية، ولديها ميزانية عسكرية ضخمة، وقوات أمن اجتازت اختبار المعارك وتملك خبرة قتالية في مكافحة الإرهاب، ولها نفوذ في المنظمات الإقليمية والدولية، فإن عليها، منطقياً، استخدام قوتها العسكرية ونفوذها السياسي لتعزيز الاستقرار الإقليمي وتنسيق الجهود الإقليمية بصدق لمحاربة الجماعات الإرهابية في منطقة الساحل. في مالي على وجه الخصوص، يمكن استغلال هذه الموارد بصورة جيدة للغاية للتوسّط في الصراع وممارسة الضغط على الجماعات المسلّحة في الشمال. غير أن الموارد العسكرية التي استخدمتها الجزائر حتى الآن لاتعادل قدراتها. وتبدو السياسة الخارجية الجزائرية ممزّقة بين رغبة البلاد في اعتبارها والاعتراف بها كدولة إقليمية قائدة، وبين تردّدها أو عدم قدرتها على استخدام الأدوات المؤثّرة والفعّالة المتاحة لها للحفاظ على الاستقرار في فنائها الخلفي، والمساعدة على استعادة السلام عندما تندلع الصراعات.
 
بدون شك، يعدّ الانهيار المؤسّسي في عاصمة مالي، باماكو، والهزيمة العسكرية في شمال البلاد، نتاج عوامل محلّية ووطنية ودولية متشابكة. فقد أدّت المشكلات "اللعينة" المتمثّلة بتزايد هشاشة الدولة1  التي ضاعفتها الصدمة المدمّرة للحرب الليبية، انفجار المظالم التاريخية المتقيّحة في الشمال، والفراغ السياسي الذي أعقب ذلك في الجنوب. بعد الانقلاب، إلى دفع الجيش إلى إعادة الحكم المدني وتنصيب حكومة مدنية مؤقتة. لكن الإدارة الجديدة مازالت تحاول جاهدة استعادة الثقة الشعبية وتأكيد سيطرتها على المجلس العسكري. وفي الشمال، عزّزت الجماعات الإسلامية المتشدّدة سيطرتها. 
 
كشفت الأزمة في مالي الانقسامات التي تعاني منها البلاد، وألقت بظلالها على جهود السلام الحالية، وعلى أي تدخّل عسكري في المستقبل لإعادة إدماج الشمال في بقية البلاد. وقد تعثّرت المحاولات الدبلوماسية التي بذلت لحلّ الأزمة. فقد عجزت الدول الأساسية التي يمكنها أن تؤثّر على أصحاب المصلحة الرئيسيين في الصراع عن، أو لم تكن راغبة في، التوفيق بين مصالحها وبين تنسيق إجراءاتها. ولذلك تبقى الاتّهامات والاتّهامات المضادّة بشأن التمتّع بالمنافع المجانية والمواقف التي تخدم المصالح الذاتية هي القاعدة. وفي الوقت نفسه، لاتزال التساؤلات بشأن ضرورة وتوقيت وشكل قوة التدخّل المطلوبة في شمال مالي قائمة، كما هو حال التكهّنات بشأن خطوة الجزائر التالية.
 
خلاصة القول أن مشاركة الجزائر المتواصلة والمتعاونة والصادقة، أمر بالغ الأهمية لنجاح إدارة الصراعات وحلّها في مالي. فالقوة الاقتصادية والسياسية التي تتمتع بها الدولة فضلاً عن جهودها لترسيخ مكانتها كدولة قائدة في جوارها، تضعها في موقع فريد يمكّنها من التأثير على الأحداث. وبطبيعة الحال، لاينبغي المبالغة في إمكاناتها. فقد ولّى الزمن الذي كانت الجزائر تمثّل فيه "القومية الثورية في العالم الثالث" ولها "اليد العليا في الزعامة الأخلاقية" منذ وقت طويل،2  إن البلاد غير منسجمة بشكل مريب مع التغيّرات السياسية التاريخية التي تجتاح منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا؛ ومازال سلوكها عنيداً ومواقفها غير شفّافة.3  ومع ذلك، لاتلغي هذه القضايا مزايا الجزائر بوصفها لاعباً أساسياً في الصراع في مالي. وينبغي إشراك القوى الغربية في الصراع في مالي بطريقة تتكامل مع مبادرات الجزائر الأمنية والدبلوماسية بدل أن تتنافس معها.

الأمور تتداعى 

لطالما اعتبر مراقبو مالي الفطنون أن البلد هو الحلقة الأضعف في منطقة الساحل والأكثر عرضة إلى زعزعة الاستقرار على يد الإسلام المتطرف.4  لابل حذّر بعضهم حذّروا من الاستياء الذي يجيش في صدور الماليين إزاء دولتهم الديمقراطية، في ظاهرها، والتي تعاني من خلل وظيفي شديد. فهم توقّعوا استئناف القتال العرقي في الشمال - الأمر الذي أرّق العاصمة مع ظهور حركات التمرّد الانفصالية بين حين وآخر منذ العام 1962 - حتى قبل اندلاع النزاع في ليبيا في شباط/فبراير 2011، بيد أن أحداً منهم لم يكن يتصوّر التسلسل الدراماتيكي للأحداث الذي شهد سيطرة متمرّدي الطوارق على الشمال وانهيار الحكومة في الجنوب. فالطوارق هم من الرعاة البربر الرحّل الذين ضغطوا منذ وقت طويل للحصول على الحكم الذاتي من الحكومة المركزية التي يتّهمونها بسوء الإدارة والتهميش، غير أنهم لم ينجحوا من قبل في زعزعة استقرار الدولة تماماً. ويعزى تفكّك مالي إلى هشاشة التركيبة السياسية فيها، والحوكمة الضعيفة وإهمال المناطق النائية، والتمرّد المستعر في الشمال، والذي تحوّل بسبب الحرب الليبية إلى تمرّد مسلح مكتمل.
 
قبل أن يرتدّ عليه الأمر بنتائج عكسية، وجد أمادو توماني توري، الذي تولّى رئاسة مالي بين عامي 2002 و2012، أن من الملائم اقتصادياً وسياسياً الاعتماد على شبكة فضفاضة من الجهات الفاعلة المشبوهة للاحتفاظ بالسيطرة على الشمال، بدلاً من دفع الثمن الضروري لتوسيع سلطة الدولة لتشمل المنطقة المتمرّدة. فقد استندت إستراتيجيته لمنع المناطق الشمالية الهامشية قليلة السكان والواسعة، كيدال وغاو وتمبكتو (والتي تشكّل ثلثي البلاد من حيث المساحة ولكن فيها 10٪ فقط من السكان) من الانزلاق إلى التمرّد المسلّح، على الاستعانة بالنخب المحلّية الانتهازية والفصائل المسلحة والميليشيات سهلة القياد للقيام بوظائف الدولة. وكان يشتبه على نطاق واسع أيضاً في أن لإدارة توري علاقات مع أنصار سياسيين وأصحاب أعمال مجرمين لهم صلات بتنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي (AQIM)، وهو تنظيم إرهابي إجرامي هجين وعابر للحدود، انبثق عن حركة التمرّد الإسلامية التي قضت عليها الجزائر بين عامي 1992 و1998. 5
 
كان ينظر إلى التعاون بين هذه الجهات باعتباره ينطوي على منفعة متبادلة. فقد استفاد عرّابو توري وحلفاؤه بشكل كبير من الفساد والإيرادات المتحصّلة من النشاط الإجرامي العابر للحدود وسمحوا له بالاحتفاظ بالسلطة القضائية في باماكو في الأماكن غير الصالحة للعيش، وبتحييد الجماعات المسلحة المعادية.
 
في نهاية المطاف لم تكن هذه الإستراتيجية في الحوكمة قابلة للاستمرار. فقد أدّت إلى تفاقم التوتّرات العرقية والقبلية وأهملت المشاكل الهيكلية الخاصة بالتخلّف والفقر التي أنتجت ثورات العام 1963، والتسعينيات و2006-2009. والأسوأ من ذلك أنها كانت قائمة أيضاً على تحالفات هشّة لايمكن الاعتماد عليها.
 
عندما أطلقت حكومة توري البرنامج الخاص للأمن والسلام والتنمية في آب/أغسطس 2011 بقيمة 50 مليون يورو (نحو 64 مليون دولار بأسعار اليوم) في محاولة لتعويض ماخسرته في الشمال، جاءت المحاولة متواضعة وبعد فوات الأوان. كانت الخطة سيّئة التخطيط والتنفيذ، وأدّت إلى إشعال التوتّرات بين الشمال والجنوب. كان البرنامج الذي موّله الاتحاد الأوروبي والجهات المانحة الدولية الأخرى يهدف إلى إخماد السخط المتزايد واسترجاع المكاسب التي حققها تنظيم القاعدة في بلاد الغرب الإسلامي وأصحاب الأعمال المجرمين على حساب الدولة، لكن الأمر انتهى باستعداء السكان المحليين، وتعزيز المشاعر المعادية لباماكو، وتمهيد الطريق أمام تجدّد القتال.
 
عارض الطوارق، الذين يشكّلون نحو ثلث السكان في الشمال، بشدّة استثمارات الحكومة في إعادة هيكلة الوجود العسكري لقوّاتها في الشمال. فقد كانت باماكو تعتبر تلك القوة ضرورية لتأكيد سلطتها المفقودة وحماية "مراكز التنمية والحوكمة" التي أنشأتها لتطوير البنية الأساسية.6  اعتبرت تلك الخطوة انتهاكاً لاتفاقات الجزائر التي عقدت في العام 2006، والتي رتّبت وقفاً لإطلاق النار بين الشمال والجنوب بعد انتفاضة الطوارق، ونصّت على خفض قوات الأمن الجنوبية التابعة للدولة في الجزء الشمالي من البلاد.7  وأكّدت هذه الواقعة عمق انعدام الثقة التاريخي بين الجنوب والشمال الذي بدأ مع استقلال مالي في العام 1960، والذي تفاقم من جرّاء الحرمان الاقتصادي في الشمال.
 
حاول العديد من منظمات الطوارق تسخير هذا الغضب من السلطة المركزية في باماكو، وكان أبرزها الحركة الوطنية الأزوادية MNA. وأزواد هو الاسم الذي يستخدمه الطوارق للإشارة إلى الإقليم الشمالي في مالي. وقد سعت الحركة التي أنشئت في العام 2010 إلى بناء شبكة معارضة محلية، وحشد الدعم الدولي لمشروع استقلال الشمال عن مالي. تمحورت دعوى الحركة الوطنية الأزوادية للانفصال حول المظالم القائمة منذ وقت طويل. وغالباً ما اتُّهِمت العاصمة بالإهمال الاقتصادي المتعمّد للشمال. وقالت الحركة الوطنية الأزوادية، إن المسؤولين اختلسوا أموال المساعدات الدولية لأغراضهم الخاصة، ولم ينفّذوا اتفاقات السلام السابقة الموقّعة بين الشمال والجنوب تماماً، وتواطأوا مع الجريمة المنظَّمة وتنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي.
 
في نهاية المطاف، كانت هناك حاجة لوجود قوة خارجية للحثّ على القيام بإجراء حاسم. وأصبحت الحرب الليبية التي أطاحت معمر القذافي في العام 2011 الحافز الذي "عجّل بتحوّل شبكة الحركة الوطنية الأزوادية إلى تمرّد.8  فقد عاد مئات الطوارق الذين خدموا في قوة القذافي الأفريقية، التي أنشئت في العام 1972، والذين قاتلوا ضد الثوار الليبيين، إلى منازلهم في شمال مالي. بعض هؤلاء المقاتلين هم من نسل الطوارق الذين انتقلوا إلى ليبيا خلال موجة الجفاف التي حدثت في العام 1984، أو ممّن فرّوا من قمع الحكومة المالية خلال تمرّد العام 1963. وقد أشعلوا فتيل التمرّد المُستعِرْ.
 
بدأ التمرّد المسلح ضد قوات مالي في 17 كانون الثاني/يناير 2012، بعد ستة أشهر بالضبط من عودة الطوارق إلى ديارهم من ليبيا. كان التمرّد بقيادة الحركة الوطنية لتحرير أزواد، وهي فرع من الحركة الوطنية الأزوادية MNLA، والتي تأسّست في تشرين الأول/أكتوبر2011 وتتكوّن من فسيفساء من الجماعات المسلّحة التي ترتبط في مابينها بولاءات وتحالفات فضفاضة ومشروطة.
 
منذ إنشائها، قامت الحركة الوطنية لتحرير أزواد على أسس هشّة، وكانت عرضة إلى التوتّرات السياسية والإيديولوجية والقبليّة الصغيرة. ومع ذلك، وحّدت المعركة المجموعات المتباينة وهدّأت الخلافات في مابينها. وفوجئ الجنوب بالسرعة والحسم اللذين جرت بهما الحملة العسكرية، الأمر الذي تسبّب في استياء وغضب شعبيين من تعاطي توري مع الحرب، فضلاً عن حدوث تمرّد داخل التسلسل الهرمي للجيش. إذ أطاح مجلس عسكري بقيادة الكابتن هيا أمادو سانوجو، مستفيداً من المزاج الكئيب في العاصمة، بالرئيس يوم 22 آذار/مارس، قبيل ستة أسابيع فقط من انتهاء فترة ولايته توري ودافع سانوجو عن انقلابه على أساس أن توري أخفق في "توفير تجهيزات كافية لقوات الدفاع الأمن لإنجاز مهمتها في الدفاع عن سلامة أراضي البلاد". 9
 
كان الانقلاب نتيجة مباشرة للهزيمة المذلّة التي منيت بها القوات المالية على أيدي المتمرّدين الطوارق. بيد أن الاستياء بين الرتب الدنيا في القوات المسلحة كان يعتمل قبل بداية التمرّد. وكان التواطؤ والفساد هما الشاغلان الأساسيان. كان صغار الضباط غاضبين من اختلاس المساعدات العسكرية الخارجية، والانتهازية التي تتم من خلالها الترقيات العسكرية، وفساد النخبة العسكرية، وعلاقاتهم المشبوهة مع المهرّبين المجرمين. وكان الغضب موجّهاً أيضاً إلى بطانة الرئيس، والتي اعتبرها الكثيرون مرتشية جداً.
أظهر الانقلاب التفسّخ الزاحف للديمقراطية الانتخابية وتدهور المؤسّسات العسكرية. وعلى حدّ تعبير أميناتا درامان تراوري، وزير الثقافة والسياحة السابق فإن "سانوجو ليس هو المشكلة، بل أحد أعراضها".10 وقعت مالي، التي كانت في السابق نموذجاً واعداً للديمقراطية في غرب أفريقيا، في شرك شبكة للإرهاب الإقليمي وتهريب المخدرات والجريمة المنظّمة. وللأسف فإن قيادتها خضعت إلى هذه الضغوط، ما أدّى إلى عواقب وخيمة على الدولة والمجتمع.
 
بعد إطاحة أمادو توماني توري، ضغطت الجماعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا "إيكواس" ECOWAS، التي كان ينظر إليها في البداية بوصفها الاتحاد المناسب للتوسّط في النزاع، على سانوجو للتنازل عن السلطة لحكومة مؤقتة بقيادة ديونكوندا تراوري. ومازالت الإدارة الجديدة، التي تم تعديلها أخيراً، عاجزة عن إثبات وجودها سياسياً. كما أن الأحزاب السياسية عديدة ومجزّأة، مايعرقل إنشاء جبهة وطنية متّحدة تشتدّ الحاجة إليها.
 
في الشمال، مازال الارتباك سائداً بشأن مدى تقارب أو تداخل الجماعات المسلحة. فقد اضطرّت الحركة الوطنية لتحرير أزواد، التي أعلنت استقلال أزواد في 5 نيسان/أبريل 2012، بعد أن طاردت القوات الحكومية من كيدال وغاو وتمبكتو، للتنازل عن الأرض لقوات إسلامية مسلحة -بقيادة جماعة أنصار الدين – أكثر منها ثراءً وأفضل تسليحاً. ومع تقدّم القوات الثورية جنوباً، توصّلت الجماعات المسلحة في تمبكتو وغاو إلى ترتيب مؤقّت، وبدأت بإعادة تكوين ديناميكيات السلطة في شمال مالي، وهي العملية التي تستمر في التوسّع والتطور. وقد استفادت جماعة أنصار الدين، القوة الرائدة حتى الآن، إلى أقصى حدّ من هذه المواءمات.

خطوط المعركة في مالي

كشف الصراع على السلطة في الجنوب والشمال الضعف المتأصّل للمجتمع المالي، والقوى المستحكمة المختلفة التي تؤثّر فيه. فبمجرّد تلاشي عدوّهما المشترك، أعادت القوى المتباينة في مالي رسم خطوط المعركة. وقد عجّل المجلس العسكري الذي أطاح الحكومة في محاولة لإنقاذ سلامة الدولة ظاهرياً، في تفكّك الدولة، وأدخل الجيش في حالة من الفوضى. وتعرّضت ثورة الحركة الوطنية لتحرير أزواد العلمانية "إلى السرقة" من جانب جماعة أنصار الدين الإسلامية، المدعومة من تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، والتي كان يُطلق عليها في البداية الجماعة السلفية للدعوة والقتال GSPC قبل أن تصبح تابعةً لتنظيم القاعدة في العام 2007.
 
حالياً، تعدّ الجماعات المرتبطة بالتنظيمات الإجرامية والإرهابية أطرافاً مسيطرة في الصراع في مالي. وقد عطّلت تصرّفات هذه الجماعات، وتنظيم القاعدة في بلاد الغرب الإسلامي على وجه الخصوص، الوضع الراهن وخلقت مصالح خاصة جديدة، تدعمها الجماعات الإجرامية والتحالفات التكتيكية، الأمر الذي أسهم في اندلاع الصراع في المقام الأول. كما أدّت هذه التطوّرات إلى تعقيد البحث عن حلّ سلمي للأزمة، لأن مجموعات مختلفة ومتنافسة تتزاحم كي تؤمّن لنفسها دوراً بارزاً في أي اتفاق لتقاسم السلطة مع باماكو.11  هذه الديناميكيات الداخلية تجعل التدخّل الخارجي أمراً بالغ الخطورة، فمثل هذا الإجراء يمكن أن يؤجّج التوتّرات المحلية، ويطلق شرارة تحالفات جديدة وأكثر خطورة، نظراً إلى ارتباطات هذه الجماعات بالبلدان الأخرى، وتكون له بالفعل مضاعفات غير مباشرة على المنطقة ككل.
 
ويعزى تحوّل الجماعة السلفية للدعوة والقتال إلى تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي إلى النكسات الكبرى التي منيت بها في الجزائر. فبحلول العام 2003، كانت الجماعة تعاني من الانقسامات الداخلية، ومن نقص المال والمقاتلين. وقد تخلّى العديد من المسلحين عن أسلحتهم كجزء من مبادرتي العفو اللتين أطلقهما الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، في حين نجحت قوات الأمن الجزائرية في القضاء على البقية أو أجبرتهم على الفرار من الأراضي الجزائرية إلى شمال مالي. كما لاحظت الجماعة السلفية توجّه بعض مقاتليها إلى العراق للانضمام إلى التمرّد ضد القوات الأميركية. وعلى حدّ تعبير تقرير صادر عن الوكالة الأميركية للتنمية الدولية فإن "النقطة التي يجب إبرازها هي المدى الذي فرضت الأحداث داخل الجزائر ضرورة إعادة النظر في عمليات الجماعة إقليمياً، ما أدّى إلى توريط مالي في ديناميكيات لاتملك الكثير لكي تفعله إزاءها، ولاتملك أي سيطرة عليها.12  "هذه" الديناميكيات الخارجية" تستلزم استجابة إقليمية للأزمة في مالي.
 
منذ أن أنشأت الجماعة السلفية للدعوة والقتال قاعدتها في شمال مالي في العام 2003، ترسّخت جذور التنظيم في المجتمع، فعمل بصبر على بناء وتوسيع شبكة من الروابط الأسرية، والدعم الاجتماعي، والعلاقات السياسية، والتبادل الاقتصادي. وعلى مرّ السنين، أصبحت الجماعة التنظيم الإرهابي والإجرامي "الأفضل تمويلاً والأكثر ثراءً"،13  وذلك بفضل الرسوم التي فرضتها على عمليات تهريب المخدرات عبر الحدود، والعدد الكبير من الفديات التي ابتزّتها من الحكومات الغربية لإنقاذ حياة المختطفين من أبنائها.
 
استخدم تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، بين حين وآخر، جذوره العربية كي يكسب حظوة لدى المجتمعات المحليّة العربية. تمبكتو، على سبيل المثال، هي معقل التنظيم والمكان الذي بنى فيه الشبكة الأولى من تحالفاته الاجتماعية والسياسية، "بما في ذلك مع ميليشيات عربية كان يتغاضى عنها وينفق عليها أمادو توماني توري".14  وفي أحيان أخرى، استغلّ التنظيم انعدام الثقة والمنافسة بين سونغاي وبيول من جهة والعرب والطوارق من جهة أخرى لصالحه. بيد أن العامل الأكثر أهمية في نجاح التنظيم كان اقتصادياً أكثر منه ثقافياً.15  إذ تمكّن التنظيم من استغلال براعته المالية للاستفادة من الفجوة الثقافية العميقة في شمال مالي. وهناك بضعة زعماء قبليين نافذين، على سبيل المثال، "تلقّوا مبالغ مالية وهدايا من نشطاء الجماعة السلفية (بما في ذلك، كما قيل، سيارات ذات دفع رباعي) في مقابل توفير ممرّ آمن أو ملاذ". وأثرى عرب ماليون آخرون عبر المشاركة الفعّالة في شبكات التهريب التي يسيطر عليها تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، أو لها صلة به.16  وقد أدّى هذا إلى تفاقم الخلافات والتنافسات عميقة الجذور بين الشخصيات والمجتمعات المحليّة، الأمر الذي أسفر عن اختلال الأنماط الاجتماعية والسياسية التقليدية وتوازن القوى في أوساط المجتمعات المحليّة وفي مابينها.
 
يتّضح الدور المهيمن للتننظيمات الإجرامية والإرهابية في ديناميات الصراع بشكل أفضل من خلال التحالف بين جماعة أنصار الدين وتنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي. إذ خانت جماعة أنصار الدين وزعيمها إياد أغ غالي، وهو لاعب مكيافيلي أساسي في تمرّد الطوارق، الحركة الوطنية لتحرير أزواد تدريجياً وتفوّقت عليها في نهاية المطاف في الصراع من أجل السيطرة على الانتفاضة. فقد ظن متمرّدو حركة تحرير أزواد العلمانية أنه تم تهميش أغ غالي خلال المراحل التحضيرية للتمرّد. وشارك أغ غالي، الذي ينتمي إلى قبيلة الإيفوغاس، أنبل قبيلة في النظام الطبقي عند الطوارق والتي كانت قوة رئيسة في تمرّد الطوارق في التسعينيات، في المناقشات التي عقدتها حركة تحرير أزواد قرب الحدود الجزائرية لحشد الدعم للتمرّد المسلح. أراد أغ غالي أن يكون السكرتير العام للحركة، لكن تم رفضه في تشرين الثاني/نوفمبر 2011، بسبب صلاته بتنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي، وعلاقاته مع الجزائر، واتفاقاته السابقة مع الرئاسة المالية.
 
كان أغ غالي "غامضاً" على الدوام وصاحب "مسيرة مهنية متلوّنة كدبلوماسي، وزعيم انفصالي متمرّد، ووسيط حكومي مع خاطفي الرهائن من تنظيم القاعدة".17  ويتّهمه المتشدّدون في حركة تحرير أزواد بخيانة قضية الطوارق في اتفاق تمنراست في العام 1991، الذي ثبّت وقف إطلاق النار بين الشمال والجنوب بعد أشهر من القتال. وإلى جانب تميّزه بالكثير من المساومة، ينظر إليه على أنه يحرّف الاتفاقات لصالح منطقته، كيدال، ويساهم مباشرة في تفتيت حركة الطوارق. كما أن قربه من الجريمة المنظّمة ومن مروحة من الجماعات المحلية المسلحة يثير للقلق. لكن "أسد الصحراء"، كما يطلق عليه أفراد قبيلة الإيفوغاس بتحبّب، هو الذي يحدث هذه المرة قدراً كبيراً من الذعر بسبب تحوّله إلى زعيم راديكالي مصمّم على فرض شكل متطرّف من الشريعة الإسلامية.
 
استند دعم أغ غالي للحرب في الشمال إلى رغبته في إدخال الشريعة إلى جميع أنحاء مالي. ويعرف أغ غالي، الذي تحوّل إلى السلفية في أواخر التسعينيات، أن عدداً من الماليين أصبحوا أكثر محافظة على مرّ السنين، وتأثّروا بأفكار التبليغ والوعظ التي عمّت المجتمع المالي الشمالي. وفي الواقع، عندما تقدّمت حركة تحرير أزواد باتجاه غاو وتمبكتو أثناء الانتفاضة، لم يكن في وسعها إيجاد أتباع لمشروعها الانفصالي العلماني. دخل التمرّد "أرضاً سوسيولوجية وسياسية ودينية" معادية وأكثر محافظة وإسلامية، ولاتدعم قضية حركة تحرير أزواد. 18 ولذا فإن هناك في الواقع شيئاً من "الشرعية الاجتماعية لمشروع فرض الشريعة الإسلامية الذي يجسّده إياد أغ غالي". 19
 
حقّق أغ غالي تقدماً بالتأكيد. فعندما بدأت الحملة العسكرية، عبّاً جماعة أنصار الدين وسعى إلى الحصول على الدعم اللوجستي والجنود من ابن عمه المزعوم، عبد الكريم (تارغوي)، أمير الوحدة المسلحة "كتيبة الأنصار". بعد فترة وجيزة، كانت الغلبة في أرض المعركة من نصيب قواته، حيث سيطر على بلدة كيدال بعد أسبوع واحد من الانقلاب في باماكو، وطرد حركة تحرير أزواد من تمبكتو. بحلول نيسان/أبريل، برز أغ غالي صاحب الشخصية الكاريزمية بوصفه سيد الصحراء، وضمّ "قادة ومقاتلي حركة تحرير أزواد إلى حركته". 20 ومع ذلك، رفض الطوارق بشدّة تجاوزاته الدينية الأخيرة.
 
إلى جانب جماعة أنصار الدين وتنظيم القاعدة في بلاد المغربب الإسلامي، رسّخت حركة التوحيد والجهاد في غرب أفريقيا - وهي فرع منشقّ عن تنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي - نفسها تدريجياً كلاعب رئيس في غاو، بيد أنه لايُعرف عن الجماعة سوى القليل جداً.21  برزت الحركة لأول مرة على الساحة بعد عملية اختطاف مذهلة لثلاثة سياح أوروبيين من مخيمات تندوف التي تخضع إلى حراسة مشدّدة في الجزائر في تشرين الأول/أكتوبر 2011. وإلى جانب تفضيلها مهاجمة الأهداف الجزائرية وتركيبتها الاجتماعية التي تختلف عن تركيبة تنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي (معظم أعضائها الأساسيين من قبيلة لمهر، ويليهم الصحراويون، وبشكل متزايد، المجنّدون من سونغاي)، تصرّفت حركة التوحيد والجهاد في غرب أفريقيا على غرار نظيراتها من الجماعات المتطرفة، وجمعت بين النشاط الإجرامي والديني المتطرف. استفادت حركة التوحيد والجهاد وجماعة أنصار الدين من عمليات خطف الغربيين للحصول على فدية، ومن الطفرة في سوق الأسلحة الليبية. وقد مكّنت عائدات هذه الأنشطة الجماعة من توسيع قاعدة تجنيد الأنصار، على رغم المعارضة الشعبية لمشروعها الأصولي. وفي مدينة غاو المتنوّعة عرقياً إلى حد كبير، على سبيل المثال، عزّزت حركة التوحيد والجهاد وجودها وعلاقاتها، وخاصة مع المجتمعات المحلية العربية في المدينة. احتجّ سكان غاو على الجماعة غير أنهم رحّبوا "بالقدر القليل من الأمن الذي حققته حركة التوحيد والجهاد، واعتبروا مغادرة حركة تحرير أزواد الخطوة الأولى في عملية أوسع "لعودة الأمور إلى نصابها". 22
 
ينذر ارتباط هذه الجماعات بتنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي – مع أنه قد يكون ارتباطاً عابراً نظراً إلى أن التحالفات متقلّبة ومتذبذبة - بنتائج لاتحمد عقباها بالنسبة إلى مالي وجيرانها. إذ أكّد زعيم تنظيم القاعدة في شمال أفريقيا، الجزائري أبو مصعب عبد الودود، المعروف أيضا باسم عبد المالك دروكدال، هذه المخاوف عندما أوعز إلى مقاتليه بمدّ يد العون لمشروع جماعة أنصار الدين لتطبيق الشريعة في أزواد (تدريجياً) و"الإبقاء على غطاء (تنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي) مقتصراً على أنشطتنا في ميدان الجهاد العالمي".23  وبعبارة أخرى، يفضّل دروكدال أن يترك إدارة شؤون شمال مالي إلى القوى الإسلامية المحلية، مثل أنصار الدين وحركة التوحيد والجهاد، في حين يسعى جناح تنظيم القاعدة في شمال أفريقيا إلى تحقيق أهدافه الأوسع في السيطرة على المنطقة.
 
من الصعب معرفة مدى نجاح مشروع تنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي في بيئة اجتماعية معقّدة حيث تتغيّر الولاءات باستمرار. ويعتقد مراقبو منطقة الساحل اليقظون أنه على رغم الاتجاه السائد منذ وقت طويل نحو نزعة المحافظة الدينية على المستوى الشعبي، من المستبعد جداً أن تتمكّن أي قوة من فرض مشروعها الإسلامي المتطرّف في المنطقة. ومع أن الإيديولوجية السلفية كانت تشقّ طريقها على مدى العقدين الماضيين، يفتقر الإسلام الراديكالي عموماً إلى الدعم الشعبي الكبير في شمال مالي.24  أيضاً، ومع أنّ تنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي طوّر شبكات مؤثّرة في شمال مالي، فإن وجود الجماعة يقوم على أسس غير مستقرّة. فالولاءات القبلية والعشائرية والتحالفات البدوية المتقلّبة تنتج وجوداً عابراً مثلما هو التوازن غير المستقرّ داخل وبين المجتمعات المحليّة المختلفة التي تعيش في الشمال.25  فحتى دروكدال نبّه إلى التوسّع الزائد والمتحمّس، محذّرا حلفاءه من السعي إلى فرض الشريعة في شمال مالي بشكل فوري. وقال "أعرف أن من الخطأ فرض كل قواعد الإسلام على الناس دفعة واحدة بين عشية وضحاها". 26
 
يبقى تنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي عاملا رئيساً في إثارة عدم الاستقرار في أنحاء المنطقة، بسبب أمواله السائلة، واقتنائه أسلحة من ليبيا، وقدرته على العمل من دون عوائق في شمال مالي. وقد حذّرت وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون أخيراً قائلة إنه في ظل "زيادة حرية المناورة، يسعى الإرهابيون إلى توسيع نفوذهم وشبكاتهم في اتجاهات متعددة".27  ويشتبه مسؤولون أميركيون بأن مقاتلي تنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي كانوا ضالعين في هجمات 11 أيلول/سبتمبر على القنصلية الأميركية في بنغازي. ولذا يجب أن تكون كيفية التعاطي مع هذه القوة الشغل الشاغل لأي سياسة تهدف إلى تهدئة الوضع في شمال مالي.
 
 في الوقت نفسه، يجب أن يكون إياد أغ غالي أيضاً على بيّنة من المخاطر الكامنة في التوسّع الزائد. فالارتباط بشكل وثيق جداً مع تنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي يهدّد مكانته الثمينة بوصفه صانع القرار الرئيس في مالي، كما اتّضح في المرحلة التي سبقت التمرّد. أغ غالي مهتم بالحفاظ على علاقاته الواسعة مع مروحة متنوّعة من الأطراف الفاعلة. وعلى حدّ تعبير رولان مارشال فإن "إياد آغ غالي مثال جيد لنوع الأشخاص الذين تحتاجهم الجزائر وباماكو في كثير من الأحيان للتفاعل مع تنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي أو الطوارق للحفاظ على قنوات الاتصال".28  ويفتخر أغ غالي بتوفرّه على مجموعة هائلة من مصادر المعلومات في باماكو والعاصمة الإقليمية الأكثر تأثيراً (الجزائر)، ويُعتقَد أن لديه تأثيراً كبيراً على الجماعات المسلحة. وقد استخدم هذه الشبكة من النفوذ، خصوصاً في الجزائر العاصمة، في صراعات سابقة وحقق نجاحات كبيرة.

رجل الجزائر في أزواد

شكّل الدور المهيمن لأغ غالي في الأزمة الحالية في مالي وعلاقاته مع الجزائر ضغطاً هائلاً على الجزائريين كي يستخدموا نفوذهم معه ومع جماعته المسلحة. وبشكل أعمّ، واستناداً إلى عقود من الخبرة، فإن الجزائر تعرف دينامية الصراع في مالي، ولديها القدرة على الضغط والتأثير على صاحب القرار في الأطراف المسلحة الرئيسة في البلاد.29  وأصبح المجتمع الدولي يعتمد، في الواقع، على مساعيها الحميدة وتدخّلها الدبلوماسي للمساعدة في التوسّط في، أو تفادي، الصراعات في مالي منذ العام 1990.
 
لكن منذ بداية الأعمال العدائية في كانون الثاني/يناير 2012، كان دور الجزائر مبهماً بالنسبة إلى الكثيرين في المجتمع الدولي.30  في الأشهر الأولى من النزاع في مالي، اعتمدت الجزائر مقاربة "انتظار وترقّب" أكثر سلبيّة مما فعلت في العام 2006، عندما ساعدت في التوسّط في اتفاقات الجزائر. وبدا أنها تلتزم الحذر في رهاناتها بهدف حماية مصالحها الإستراتيجية.31  وجرى تفسير هذا الموقف في المنطقة على أنه "إهمال خبيث" يهدف إلى معاقبة مالي بسبب "خطايا" رئيسها توري الذي سيتم خلعه قريباً، والذي اتّهمه الجزائريون بـ"التواطؤ المتعمّد" مع تنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي.32  شعر الماليون في الجنوب بالخذلان، خصوصاً عندما سحبت الجزائر مستشاريها العسكريين وتوقّفت عن تسليم المعدات العسكرية خلال معركة تيساليت الحاسمة في أوائل آذار/مارس 2012، حيث جرت محاصرة القوات المالية. برّر الجزائريون تراخيهم على أساس أن التزامهم بمالي كان مدفوعاً بأهداف مكافحة الإرهاب وليس بمحاربة التمرّد. 33
 
تشتبه الحركة الوطنية لتحرير أزواد بنوايا الجزائر وتضمر مشاعر استياء تجاه إستراتيجية الوساطة التي اتّبعتها البلاد في الماضي وكيفية اختيارها للمحاورين، الأمر الذي حدّ من تأثير الجزائر على الحركة. ويمثّل الجناح الأكثر تأثيراً في الجماعة أولئك الذين خاب أملهم بسبب اتفاقات العام 2006. وشكّل تهميش إياد أغ غالي خلال تشكيل حركة تحرير أزواد، في كثير من النواحي، ضربة غير مباشرة لمهندسي هذه الاتفاقات: الجزائر وأغ غالي. 34 ويبدو أن بعض المتذمّرين مقتنعون بأن غالي، على وجه الخصوص، عميل لجهاز الاستخبارات العسكرية الجزائري المرعب.35  ويذهب بعض المراقبين إلى حدّ الاعتقاد بأن الجزائر تسمح عمداً لجماعة أنصار الدين بالسيطرة الكاملة على الشمال، لأن من شأن ذلك أن يضعف حركة تحرير أزواد ومشروعها الانفصالي، بالإضافة إلى عرقلة قاعدة تجنيد تنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي.
 
يشكّل أغ غالي على وجه الخصوص، تهديداً لرغبة حركة تحرير أزواد في أن تكون ممثّلة لشمال مالي. فلديه اتصالات سياسية وقبليّة وإيديولوجية تجعل حركته أكثر فعّالية في تكريس حدّ أدنى من النظام في أراضيها، والأهم من ذلك، كبح جماح تنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي وفروعه. وقد دعم أيضاً الإفراج عن الرهائن الغربيين ليظهر نفسه على أنه زعيم براغماتي وحكيم.36  ولذلك، ليس من قبيل الصدفة أن حركة تحرير أزواد رفضت دعوة الجزائر لحضور محادثات السلام في أوائل شباط/فبراير الماضي.
 
بطبيعة الحال، لاتثق الجزائر بحركة تحرير أزواد أيضاً، وذلك بسبب صلات الحركة المذكورة بالجماعات الانفصالية الجزائرية خاصة في فرنسا. وعلى سبيل المثال، تنزعج الجزائر من ارتباط حركة تحرير أزواد بالقوميين البربر الجزائريين. ويقدِّم النشطاء القبائليون في فرنسا، الذين يحرّضون من أجل حصول البربر على حق تقرير المصير في الجزائر، مساعدة لوجستية كبيرة للنشاط الانفصالي لحركة تحرير أزواد. وتعتبر الجماعة أيضاً أن دعم الجزائر لمسعى حركة البوليساريو الذي مضت عليه ثلاثة عقود لاستقلال الصحراء الغربية عن المغرب، غير صادق، في حين تحرم شعب الطوارق من فرصته المناسبة في تقرير المصير. 37
 
كل هذه العوامل تجعل القيام بإجراءات لتحقيق الاستقرار في شمال مالي أكثر صعوبة، حتى عندما تكون لدى القوى الخارجية، وخاصة الجزائر، القدرة على التصرّف.

موقف الجزائر الإستراتيجي

الجزائر قوة عسكرية إقليمية ولديها القدرة على التأثير على جماعة أنصار الدين وغيرها من الأطراف الفاعلة في شمال مالي. كما يمكن لها أن تكون بالفعل لاعباً رئيساً في تطوّر الأزمة الحالية. إذ تفخر الجزائر بأن لديها أكبر ميزانية دفاع (9.5 مليارات دولار في العام 2011) في القارة الأفريقية، وقدرات قوية لعرض القوة العسكرية (بفضل أسطولها الكبير من الطائرات)، وخبرة معترفاً بها في مجال مكافحة الإرهاب. كما أنها عضو مؤسّس وبارز في العديد من المحافل الإقليمية والعالمية لمكافحة الإرهاب. وتستضيف الجزائر لجنة الأركان المشتركة لدول الساحل CEMOC ووحدة الدمج والاتصال FLU، وهما آليتان مؤسّسيتان تمثّلان المحافل المفضلة بالنسبة إلى الجزائر لتشكيل المعركة الإقليمية ضد الإرهاب، في الوقت الذي تمنعان فيه التدخّل الأجنبي.
 
تلعب الجزائر أيضاً دوراً هاماً في هيكل مكافحة الإرهاب الذي أنشأته الولايات المتحدة في منطقة الساحل. ومنذ مبادرة عموم الساحل في العام 2002، التي توسّعت لتتحوّل إلى الشراكة عبر الصحراء لمكافحة الإرهاب في العام 2005، إلى قيادة أفريقيا 2007 ("أفريكوم" AFRICOM) ومقرّها في شتوتغارت في ألمانيا، ركّزت الولايات المتحدة على إقناع الجزائر باستخدام خبرتها في مكافحة الإرهاب ومكافحة التجسس في مكافحة الإرهاب والجريمة المنظّمة. وكتب جون شندلر، وهو ضابط سابق في التجسّس المضاد في وكالة الأمن القومي، عن جهاز الاستخبارات العسكرية الجزائري، قائلاً إنه "يمكن القول إنه جهاز الاستخبارات الأكثر فعّالية في العالم عندما يتعلّق الأمر بمكافحة تنظيم القاعدة. كما أنه على الأرجح الأكثر قسوة".38  وقد طوّر الجهاز المذكور مهاراته خلال الحرب الأهلية في التسعينيات، عندما كانت الجزائر مختبراً حياً لسياسة وممارسة مكافحة الإرهاب. إذ قاد حملة وحشية وعنيدة ضدّ المتمرّدين الإسلاميين العنيفين والتي قلّصت بشكل كبير قدرات الجماعات المسلحة. وتضاءل عدد المسلحين من 27 ألف مقاتل في منتصف التسعينيات إلى ما لايزيد عن بضع مئات في العام 1998.
 
سلوك قوات الأمن الجزائرية في ذروة العنف المروّع (1993-1997) وضع البلاد في دائرة الضوء، فأصبحت معزولة دولياً. وبعد هجمات 11 أيلول/سبتمبر الإرهابية في الولايات المتحدة، أعيدت الجزائر إلى الحظيرة. واستغلّ الرئيس بوتفليقة هذه الحوادث المأساوية بمهارة لإعادة ترتيب احتياجات الأمن والسياسة الخارجية في الجزائر مع الاحتياجات الأميركية، وروّج الجزائر كشريك مهم في الحرب على الإرهاب. وقد أعطيت الجزائر أخيراً "نوعاً من شرعية المحارب" التي طالما طمعت فيها "شبيهة بالشرعية الثورية التي كانت تتمتّع بها بين دول عدم الانحياز خلال ستينيات وسبعينيات القرن الماضي نتيجة لحرب الاستقلال التي خاضتها ضد فرنسا". 39
 
في المناقشات التي جرت في الجزائر العاصمة، أشار معظم المحاورين إلى أن الجزائريين خاضوا حرب وجود ضدّ المتطرّفين الإسلاميين من دون أي مساعدة من العالم الخارجي. فقد أثبتت الهجمات الإرهابية في أميركا للمسؤولين الجزائريين أن النظام الجزائري كان فطناً ومتبصّراً في تحذيراته من مخاطر الإسلام المتطرّف طيلة عقد التسعينيات. ومنذ 11 أيلول/سبتمبر، هذه السرديّة "تم إدراجها في دوائر مكافحة الإرهاب في الغرب"،40  الأمر الذي سمح للنظام الجزائري بتجاوز التحقيق الدولي في الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان التي ارتكبت في التسعينيات. كما أنها فتحت الطريق أمام إقامة علاقات إستراتيجية مع الولايات المتحدة.
 
تعزّزت الشراكة الأمنية بين الولايات المتحدة والجزائر في العام 2010 بالتوقيع على اتفاق المساعدة الجمركية المتبادلة ومعاهدة المساعدة القانونية المتبادلة. وفي شباط/فبراير 2011، شكّل البلدان فريق اتصال ثنائي بشأن مكافحة الإرهاب والتعاون الأمني، وتتعزّز أهمية الجزائر في مجال الأمن عبر مجموعة من الشراكات الدفاعية مع دول أوروبية عدّة من بينها بريطانيا العظمى وألمانيا. (ومع ذلك، لاتزال علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي، وخصوصاً فرنسا، متوتّرة لأسباب تاريخية وجيوسياسية. وترى الجزائر أن فرنسا وحلفاءها في المنطقة، أو بمعنىً آخر المغرب، تشكّل أكبر عقبة في سعيها إلى الهيمنة الإقليمية، وهي ركن أساسي أيضاً في مجموعة من المؤسّسات متعدّدة الأطراف، بما في ذلك الاتحاد الأفريقي، حيث يرأس الجزائري رمضان العمامرة مجلس السلم والأمن، وفي الأمم المتحدة، حيث يتولّى سعيد جانيت منصب الممثّل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة لغرب أفريقيا.
مع كل سمات القوة هذه، تعتبر الجزائر، بطبيعة الحال، طرفاً فاعلاً لاغنى عنه في منطقة الساحل. ربما تكون قيادتها كناية عن "مجموعة من الأشخاص حادّي الطباع والمصابين بجنون الارتياب"، كما كتب السفير الأميركي السابق في الجزائر روبرت فورد في برقية دبلوماسية في العام 2008، لكن أهميتها ضرورية في مكافحة تنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي.41  ومع ذلك، فقد ظهرت الشكوك العميقة في دوافع الجزائر باعتبارها قوة إقليمية – والتي يتردّد صدى سياساتها الأمنية في منطقة الساحل عبر الحدود الإقليمية - جلّية في المقابلات الشاملة العديدة التي أجريت مع مجموعة من المتخصّصين في الجزائر وبروكسل وبرلين ونواكشوط والرباط وواشنطن.
 
يبرز معظم المحاورين نقاط القوة الأساسية في الجزائر وأهميتها الإستراتيجية لمصير منطقة حيوية، غير أنهم يشعرون بالإحباط بسبب المدى الذي يمكن أن تكون فيه البلاد شريكاً هشاً ومصاباً بجنون الارتياب ومبهماً. تتمحور معظم هذه الإحباطات حول انتشار تنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي. فقد رفضت الجزائر توجيه قدراتها الهجومية ضد تنظيم القاعدة خارج حدودها. وهي تبرّر تلك القرارات بالعقيدة الراسخة لسيادة الدولة وسياسة عدم التدخّل.42  غير أن هذا لايقنع الآخرين، وخاصة في فرنسا وفي جهاز العمل الخارجي الأوروبي. وبالنسبة إلى منتقديها الأوروبيين تملك الجزائر الإمكانات المادية والعسكرية لإضعاف تنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي، ولاسيّما إذا مانسّقت مع القوى الغربية، لكن الموارد التي استخدمتها لم تكن متناسبة مع قدراتها، الأمر الذي مكّن الجماعة من تأسيس موطئ قدم لها في أماكن غير مستقرّة مثل شمال مالي.
 
حتى المسؤولون الأمنيون الأميركيون، الذين يبدو واضحاً أنهم الأكثر أناة ويؤيّدون تولّي الجزائر زمام الزعامة الإقليمية، غير واثقين من أن البلاد مستعدّة لإدارة شؤون فنائها الخلفي. ففي مقابلة مع مؤلف هذه الدراسة، صوّر ضابط كبير في قيادة "أفريكوم" الجزائر كقوة إقليمية متردّدة يصعب فهم تطلّعاتها وتصرّفاتها لأنها تختلف وفقاً لحجم القضية. إذ يمكن أن تكون البلاد في بعض الأحيان مفيدة جداً في دعم عمليات تبادل المعلومات والمراقبة الأميركية في منطقة الساحل، ولكنها غير متعاونة في أحيان أخرى، حيث تحجب بعض المعلومات الحيوية حول أنشطة تنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي، ولاتفعل شيئاً يذكر لرصد ومراقبة خطوط الإمداد اللوجستي للجماعات المتطرّفة المسلحة في منطقة الساحل.
 
يردّ المسؤولون الجزائريون على هذه الاتّهامات ويدافعون بغضب عن موقفهم. ففي مقابلات جرت في الجزائر العاصمة وبروكسل، استهجن المسؤولون الجزائريون القراءة المخطئة السائدة لدور بلادهم ومهماتها في منطقة الساحل. وهم يقولون إن الجزائر قدّمت أكثر من أي بلد آخر لدعم هدف تحقيق الأمن والسلام في المنطقة، والمساهمة بنشاط في حلّ النزاعات في مالي. وجرى توقيع كل الاتفاقات السابقة في الجزائر العاصمة، وفي الصراع الحالي، تستضيف الجزائر أكثر من 30 ألف لاجئ، وتبرّعت بأطنان من الأغذية والأدوية لمخيمات أخرى في موريتانيا والنيجر. كما ضغطت على حركة تحرير أزواد لإطلاق سراح عشرات الجنود الماليين. ومع ذلك، النظام الجزائري قلق للغاية من الانزلاق إلى مستنقع صحراوي يمكن أن تكون له آثار كارثيّة على استقراره الداخلي.

تحفّظ الجزائر

يعود تردّد النظام الجزائري إلى عدد من العوامل، بدءاً من قاعدة عدم التدخّل، إلى القلق إزاء التدخّل الخارجي، وامتداد التهديد المتطرّف إلى أراضيها. ويعتقد عدد من المحاورين في الجزائر بأن هذا التدخّل الجزائري في مالي سيورّط البلاد في مغامرة كارثية. إذ ادّعى البعض أن مثل هذا الاحتمال هو بالضبط هدف المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا، التي تروّج، ومعها مؤيّدوها الأجانب أي فرنسا والمغرب، لإستراتيجية تدخّل على مرحلتين.
 
أجرى مسؤول كبير سابق في المركز الأفريقي للدراسات والبحوث حول الإرهاب في الجزائر مقارنة بين تدخّل جزائري في مالي وبين خطأ المجلس العسكري في الأرجنتين في حرب فوكلاند في العام 1982. إذ أوقع البريطانيون هزيمة مذلّة بالأرجنتينيين الذين احتلوا الجزر، وكانت لتلك الهزيمة ارتدادات في بوينس آيرس، حيث أنهت الحكم العسكري في الأرجنتين وبشّرت بمرحلة انتقالية ديمقراطية.
 
جرى الاستشهاد كثيراً بالتشابه الجزئي لوضع السوفييت المعقّد في أفغانستان في المناقشات التي جرت في الجزائر العاصمة. وعلى حدّ تعبير أحد الصحافيين، فإن النظام الجزائري ليس من الغباء بحيث يأخذ زمام المبادرة في محاربة الإسلاميين المتطرّفين خارج حدوده، لأنّ مثل هذا العمل يجلب معه احتمال توحّد الجماعات المسلحة المتباينة وراء راية تنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي وضدّ الجزائر. وقال عبد العزيز رحابي، الدبلوماسي الجزائري ووزير الاتصالات السابق: "هذا هو بالضبط مافعله الأميركيون بباكستان". فقد انتهى الأمر بباكستان، التي أرغمت على تحدّي الجماعات المتطرفة، بأن أصبحت الهدف المفضّل لتلك الجماعات. ويخشى رحابي من أن التعاقد على الحرب من الباطن مع الجزائر ضد الجماعات الإرهابية والإجرامية في مالي من شأنه أن يجعل بلاده الهدف الرئيس لتنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي والتنظيمات الزميلة. 43 ومن شأن ذلك أن "يدفع عشرات الآلاف من اللاجئين إلى حدودنا الجنوبية‬، والمزيد من تدفق الأسلحة".44  
 
ويخشى النظام الجزائري أيضاً من أن من شأن التدخّل في مالي أن يهدّد التوازن الذي أقامه بمشقّة بين أولوياته الخارجية والداخلية.45  فالحفاظ على النظام وإضفاء الشرعية عليه من جانب المجتمع الدولي هو المحرّك الرئيس للسياسة الخارجية الجزائرية.46  وعلى رغم اختلاف المصالح الذي لامفرّ منه داخل دائرة الحكم، ثمّة توافق عام مشترك على ضرورة تهيئة الظروف الخارجية المؤاتية لتأمين قبضة النظام على السلطة، والموقع الجيوسياسي المميّز للبلاد. وهذا يعني، على وجه التحديد، أنه يتعيّن على النظام أن يسيطر على عدم الاستقرار في المناطق الساحلية الجنوبية النائية، وأن يوفّر الحماية ضد الاختراق والتدخّل الغربي، ويحيّد منافسيه الإقليميين. ومع وصول الإسلاميين إلى السلطة في دول الجوار والتدخّل الغربي في ليبيا، فإن النظام "قلق من أنه تم إضعاف أحد البنود الرئيسة للتوازن الإستراتيجي في العقد الماضي الذي تم التوصل إليه مع الولايات المتحدة وأوروبا."47 
 
تشتبه الجزائر بأنه يجري تأسيس كتلة بقيادة فرنسا هدفها الرئيس احتواء القوة الجزائرية. ولاتثق البلاد بجيرانها، وخاصة مايسمّى المحور المؤيّد لفرنسا، بقيادة المغرب ودول الساحل الضعيفة. وقد نما الشعور بعدم الارتياح وعدم الأمان مع التغيرات السياسية الهائلة التي اجتاحت تونس المجاورة وخاصة مصر، حيث أزاح الإسلاميون جنرالات الحرس القديم من دون إثارة أي احتجاجات عامة أو انقلابات عسكرية. قلّة قليلة من المراقبين كانت تتوقّع سيناريو يهزم فيه رئيس إسلامي منتخب ديمقراطياً جنرالاته خلال شهر من انتخابه. فقد استغرق الأمر الإسلاميين في تركيا عقوداً للتخلّص من الحكم العسكري في نهاية المطاف. وفي المقابل، ألغى الجنرالات في الجزائر، وقبل عشرين عاماً، العملية الانتخابية برمّتها لمنع الإسلاميين من الوصول إلى السلطة، الأمر الذي أغرق البلاد في حرب أهلية مروّعة. ويزيد تقارب ليبيا المتزايد مع المغرب في مرحلة مابعد القذافي من مخاوف الجزائر.
 
لاريب أنّ عملية التطهير الكبيرة في القيادة العسكرية العليا المصرية التي قام بها الرئيس محمد مرسي، بمساعدة صغار الضباط الساخطين، مزعجة للجنرالات المسنّين في الجزائر، بما في ذلك رئيس جهاز الاستخبارات العسكرية القوي، الذي أمضى فترة طويلة في الخدمة، الجنرال محمد مدين (عدد من الجنرالات توفّوا بالفعل أو أرغموا على التقاعد). ومن المؤكّد أن المؤسّسة الأمنية في الجزائر متخندقة وسرّية، مايجعل من الصعب معرفة ما إذا كان هناك أي سخط في صفوفها. لكن الوضع الراهن قد يصبح قريباً غير قابل للاحتمال حيث يتم استبدال الجيل القديم من القادة العسكريين بآخر جديد.
 
كما تُقلق استجابة المجتمع الدولي للتطوّرات المذهلة في مصر الجزائريين بالقدر نفسه. وعلى رغم وجود مخاوف جدّية بشأن انتزاع الإسلاميين للسلطة، لم تطلق الولايات المتحدة إنذاراً (علنياً)، كما أنها لم تهدّد بقطع المساعدات العسكرية والمالية. ويغذّي رد الفعل الحكيم والمحسوب هذا الشكوك في أن الولايات المتحدة تتملّق الإسلاميين. فمنذ بداية الثورات العربية، كان الجزائريون منزعجين من المشاركة الإيجابية للإسلاميين ومن حثّ واشنطن (اللطيف) للقادة العسكريين في مصر على الامتناع عن احتكار السلطة التشريعية والتنفيذية.
 
لايزال احتمال وصول الإسلاميين إلى السلطة في الجزائر بعيداً (كان أداء الأحزاب الإسلامية أقلّ بكثير من التوقّعات في الانتخابات التشريعية التي أجريت في أيار/مايو 2012)،48  لكن تسارع الأحداث محلياً وإقليمياً يبشّر بفترة من التقلّب. فقد قاومت الجزائر بنجاح، حتى الآن، الاضطرابات الشعبية. بيد أن الأهم من ذلك هو أن شهية الجزائريين للتغيير الثوري ضعيفة، حيث مازالت ذكريات الحرب الأهلية المروّعة في التسعينيات حيّة في الأذهان. كما مازالت المعارضة السياسية ضعيفة أيضاً، حيث استخدم النظام بنجاح أموال النفط والغاز وأجرى إصلاحات محدودة لاسترضاء المعارضين الاجتماعيين. واستغلّ بمهارة التطورات المأساوية في سورية، والعملية الانتقالية المضطربة في ليبيا، والفوضى في مالي لتحذير الجزائريين من مخاطر حدوث تغيير جذري فظّ. وصوّر تغيير النظام في ليبيا، الذي تم بتحفيز غربي، على أنه مؤامرة شرّيرة من جانب القوى الغربية، ما أدّى إلى إحياء المشاعر الوطنية الجزائرية. 
 
في مواجهة الدعوات المستمرّة للتدخّل في مالي، دعت القيادة الجزائرية إلى الوحدة الوطنية. ففي أيار/مايو الماضي، حثّ الرئيس بوتفليقة الشباب الجزائري على التصدّي لـ"دعاة الفتنة والفرقة وحسابات التدخل الأجنبي". وقبل بضعة أسابيع، جاء دور رئيس الوزراء المعيّن حديثاً للدعوة إلى إنشاء "جبهة داخلية قوية" لحماية البلاد من "الأيادي الخبيثة" التي ترغب في الإضرار بالجزائر ووحدة أراضيها. يعتقد بعض الجزائريين أن هذه الدعوات إلى الوطنية نابعة من مخاوف حقيقية من محاولات خارجية لزعزعة الاستقرار. وفقاً لمصدر مقرّب من الرئاسة الجزائرية، تعود السابقة التاريخية لهذه المخاوف إلى اقتراح الجنرال ديغول في العام 1961 حرمان الجزائر من صحرائها.49  ومع ذلك، يعتقد معظم المحلّلين أن النظام يلعب الورقة الوطنية لتهدئة سخط الجزائريين على ظروفهم الاجتماعية خلال الفترة الانتقالية الصعبة للقيادة.
 
تبدو قيادة البلاد في مأزق بشأن وريث الرئيس المريض عبد العزيز بوتفليقة، الذي من المتوقّع أن يتقاعد عندما تنتهي فترة ولايته الثالثة في العام 2014. فقد استغرق الأمر أربعة أشهر بعد إجراء الانتخابات النيابية لتشكيل حكومة جديدة (حافظ الوزراء الرئيسيون على حقائبهم الوزارية)، الأمر الذي كشف عن وجود تصدّع في الدوائر الحاكمة بشأن من ينبغي أن يُرشّح للمناصب الوزارية الرئيسة ومن ينبغي مباركته ليكون الزعيم المقبل. هذا الغموض حول مسألة الخلافة مدعاة للقلق لأنه يخلق فراغاً سياسياً ويزيد من حدة السخط الشعبي. فقد قال الصحافي الجزائري لمين الشيخي، في مقابلة مع المؤلف: "إن التحدّي الرئيس للقيادة التي حكمت الجزائر منذ العام 1962، هو ما إذا كان يمكن تجنّب وقوع معركة خلافة فوضوية". إذ ستكون للنتيجة تداعيات على وتيرة التغيير المؤسّسي واتّجاه الإصلاحات الاقتصادية.
تأمين الحدود
يشكّل الصراع في مالي اختباراً حول ما إذا كان في وسع الجزائر التوفيق بين أولوياتها المحلية وأهداف سياستها الخارجية. فخطر امتداد النزاع في شمال مالي إلى الجزائر ليس تافهاً، ولا أيضاً احتمال حصول تدخّل في الشمال بقيادة فرنسا. ويؤثّر كلا الاحتمالين على ديناميكيات الصراع على السلطة داخل القيادة الجزائرية، ويشكّل خطورة على موقف البلاد المهيمن في الجوار. ولخّص كامل داود، وهو كاتب مقالات جزائري، على نحو لطيف ضعف الجزائر الملحوظ عندما قال إن الوجود العسكري الغربي عند الخاصرة الجنوبية للبلاد ضارّ بالنسبة إلى الجزائر المحاصرة بالفعل بجيران غير ودودين وأوضاع غير مستقرّة. كما ترتاب الجزائر بمنافسها المغربي في الغرب، وتشعر بالقلق إزاء ارتفاع منسوب السخط وعدم الاستقرار في مخيمات البوليساريو في تندوف في الجنوب الغربي، وبالتهديد من الشرق بسبب الاضطرابات في ليبيا.50 
 
منذ أن بدأت الاضطرابات في مالي، اتّخذت الجزائر إجراءات لحماية نفسها ضد تداعيات هذه السيناريوهات. فقد عزّزت بشكل ملحوظ وجودها العسكري على حدودها الجنوبية وزادت عدد نقاط التفتيش وطلعات المراقبة الجوية لتتبّع حركة تجار المخدرات وتجار السلاح والإرهابيين الذين يمكن أن ينقلوا الصراع عبر مجموعة من المناطق. كما جرى التشديد على المعابر الحدودية وإخضاع نقل البضائع للرقابة والسيطرة.51  وهذه هي التدابير التي ضغطت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي على الجزائر لاتخاذها على مدى سنوات.
 
وكثّفت الجزائر أيضاً عمليات رصد مخيمات اللاجئين الضخمة قرب تندوف في جنوب غرب البلاد. فقد تسلّلت إلى هذه المخيمات، في عدد من المناسبات السابقة، جماعات متطرّفة وعصابات بهدف خطف غربيين للحصول على فدية.52  ويبدو أن المتاعب بدأت تتشكّل مرة أخرى. في 29 تموز/يوليو، 2012، أرسلت إسبانيا طائرة عسكرية لإجلاء عمال الإغاثة التابعين لها من المخيمات في الأراضي الجزائرية بسبب وجود "أدلة ثابتة على زيادة خطيرة في انعدام الأمن في المنطقة".53  وتمثّل عملية الإخلاء إحراجاً سياسياً للجزائر التي ادّعت منذ فترة طويلة أن مخيمات اللاجئين منيعة في وجه هجمات الجماعات المتطرّفة والإجرامية.
 
وبينما تنتشر الميليشيات المسلحة في شمال مالي، وتطغى الأعداد المتزايدة من اللاجئين والمشرّدين الماليين على جهود الإغاثة، وتضغط على دول الجوار التي تواجه بالفعل نقصاً حادّاً في الغذاء، كثّفت الجزائر أخيراً جهودها لإيجاد حلّ دبلوماسي للصراع. ومع ذلك، افتقر العمل الدولي إلى التنسيق حتى الآن، ولم تكن الإجراءات الجزائرية كافية.

التدخل أو عدم التدخل 

وصلت الجهود الدولية الرامية إلى إيجاد حلّ للصراع في شمال مالي إلى طريق مسدود. وتعاني عملية الوساطة التي تقودها المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا من الركود، وتنقسم المجموعة بشدّة، حيث يجادل البعض بوجوب استخدام القوة العسكرية ويدعو البعض الآخر إلى اتّباع نهج أكثر تدرّجاً. وقد ثبت حتى الآن أن المجموعة الاقتصادية غير قادرة على الحصول على دعم الولايات المتحدة ومجلس الأمن الدولي والجزائر، مايلقي بظلال من الشكّ على جديّة خطتها لمساعدة مالي في استعادة سلطتها في الشمال. 54
تسعى المجموعة الاقتصادية حالياً إلى تنفيذ عملية انتشار عسكري على مراحل في مالي. تستلزم المرحلة الأولى تأمين عملية الانتقال السياسي وتجديد مؤسّسات مالي (العسكرية) لوضع الأسس اللازمة للقيام بعمل عسكري. في المرحلة الثانية، يجري التدخل العسكري في الشمال. ولكن يبدو من غير المحتمل أن تنجح تلك الإستراتيجية. وعلى رغم كونهما عضوين في المجموعة الاقتصادية، فقد أعلنت السنغال وغانا بالفعل أنهما لن تشاركا في الانتشار العسكري في مالي. ويتلهّف أعضاء آخرون في الكتلة، وخاصة النيجر وبوركينا فاسو، للحرب في الشمال حتى وإن كانت الأوضاع السياسية في الجنوب لاتزال غير ملائمة لمثل هذا التصعيد. 55
 
مع ذلك، وفي ضوء وجود كل القوى غير المستقرة التي تؤثّر في شمال مالي والموقف الهشّ للحكومة في الجنوب، فإن أي تدخّل مبكّر ستكون له عواقب وخيمة. فالجيش المالي في حالة من الفوضى، وقد رفض حتى الآن السماح بنشر جنود من غرب أفريقيا في باماكو، ورفض أي تدخّل مباشر من المجموعة الاقتصادية. وفضلاً عن ذلك، المرحلة الأولى من الإستراتيجية بالغة الأهمية للمرحلة الثانية من التدخّل العسكري في الشمال. ومن دون هذه الإستراتيجية، يبدو التدخل الناجح غير مرجّح.

ردود الفعل الدولية

التدخّل الناجح غير مرجّح أيضاً من دون دعم الأطراف الدولية الرئيسة. ففي حين يدعم الاتحاد الأوروبي المبادرة، تساور معظم أعضاء مجلس الأمن الدولي مخاوف جدّية حول التفويض والقدرة القتالية للقوة الاحتياطية المؤلّفة من 3000 جندي تزعم المجموعة الاقتصادية أنها حشدتهم. وقد شكا دبلوماسي في مجلس الأمن الدولي قائلاً إن الخطة "غير دقيقة ومطوّلة للغاية في جدولها الزمني". 56
 
تصرّ الولايات المتحدة على تعزيز عملية الانتقال السياسي في باماكو أولاً قبل التفكير في شنّ هجوم على القوات المسلحة في الشمال. وبخلاف ذلك، فإن "مهمة المجموعة الاقتصادية لاستعادة الشمال عسكرياً غير حكيمة وغير ممكنة"، كما قال مساعد وزيرة الخارجية الأميركية للشؤون الأفريقية جوني كارسون في شهادته أمام الكونغرس.57 
 
لكن، بينما تستمرّ الأزمة، يزداد قلق الولايات المتحدة بشأن قدرة تنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي على استخدام شمال مالي نقطة انطلاق لزعزعة استقرار جيرانها الساحليين والديمقراطيات الجديدة الهشّة في شمال أفريقيا. وقد زادت الولايات المتحدة بالفعل عمليات التدريب على مكافحة الإرهاب والمساعدات العسكرية للدول الأكثر عرضة إلى التّهديد بسبب الفوضى في مالي. فقد منحت موريتانيا، على سبيل المثال، في تموز/يوليو الماضي معدات عسكرية (شاحنات وزي رسمي ومعدات اتصالات) تقدر قيمتها بنحو 7 ملايين دولار في حين، حصلت النيجر على طائرتين للنقل العسكري للقيام بأعمال المراقبة وصلت قيمتهما إلى 11.6 ملايين دولار. وأجرت الولايات المتحدة بالتعاون مع فرنسا مناورات عسكرية أيضاً مع حلفائها في غرب أفريقيا (السنغال وبوركينا فاسو وغينيا وغامبيا). 58
 
يجري في الوقت الحالي نقاش داخل الادارة الأميركية حول ما إذا كان يتعيّن نشر طائرات بدون طيار مسلّحة في شمال مالي. وتنفّذ الولايات المتحدة بالفعل "سلسلة من المهمات الاستخباراتية السرية، بما في ذلك استخدام الطائرات المدنية لتنفيذ طلعات المراقبة الجوية ومراقبة الاتصالات فوق الصحراء الكبرى والمنطقة القاحلة إلى الجنوب، والمعروفة باسم منطقة الساحل".59  يعتقد الذين يؤيّدون تنفيذ ضربات من جانب واحد ضد معاقل تنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي في شمال مالي أن الجماعة الإرهابية تمثّل خطراً عالمياً وليس إقليمياً. وهم يحذّرون من أنه "جرى بالمثل تجاهل تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية، كما يُعرف فرعه اليمني، كمصدر خطر إقليمي إلى أن جرى ربطه بمحاولة تفجير طائرة متّجهة إلى ديترويت يوم عيد الميلاد في العام 2009".60  وقد غذّى التورّط المزعوم لمقاتلي تنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي في قتل السفير الأميركي في ليبيا دعوات من يؤيّدون شن هجمات بواسطة طائرات من دون طيار.
 
ومع ذلك، يحذّر المتشككون من ردّ فعل سلبي محتمل. إذ يحذّر رئيس محطة المخابرات المركزية الأميركية السابق روبرت غرينير من أن "أفعال الإسلاميين الماليين الغامضين" لاينبغي أن تكون مسألة "تزيد عن كونها مصدر قلق محلي".61  وهذا هو السؤال المؤلم نفسه الذي واجهته الولايات المتحدة في اليمن في أوائل العام 2011 مع ظهور الحركة المتشدّدة المحلية "أنصار الشريعة"، والتي ترتبط بالقاعدة لكنها منفصلة عنها. 62
 
هذا الخوف من حدوث ردّ فعل سلبي ليس مستبعداً، كما توضح حالة الصومال. ففي العام 2006، دعمت الولايات المتحدة الغزو الإثيوبي المتهوّر للصومال الذي قرّب البلاد أكثر من تنظيم القاعدة. كانت الحملة العسكرية تهدف إلى إقصاء اتحاد المحاكم الإسلامية عن السلطة، لكن الأمر انتهى بتمكين جناحه الراديكالي، "حركة الشباب". وهكذا تحوّل هذا التنظيم الأخير من قوة "هامشية" ليصبح "العمود الفقري للمقاومة" وتمكّن من تعبئة قطاعات كبيرة من السكان لصدّ هجوم العدو اللّدود للصومال. 63
 
أما الآن، فتحاول الولايات المتحدة العمل مع المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا "للمضيّ قُدُماً في خطة قوية لحفظ السلام مع حكومة مالي الانتقالية الجديدة من شأنها أن تعمل على تأمين العاصمة والتقدّم شمالاً"، كما قالت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الأميركية فيكتوريا نولاند.64  لكن ثمّة مخاوف من أن المجموعة الاقتصادية مرهقة بالفعل بسبب الأزمة في غينيا بيساو حيث أطاح المجلس العسكري الحكومة في نيسان/أبريل 2012. فقد أرسلت المنظمة قوات حفظ سلام إلى غينيا بيساو لإعادة الحكم المدني، لكن كما قال جيل يابي من مجموعة الأزمات الدولية: "لا أحد يعرف حقاً طبيعة تفويض هذه القوة وكيف سيساعد العمل العسكري والدبلوماسي الذي تقوم به المجموعة الاقتصلدية البلاد في نهاية المطاف في التعاطي مع الإصلاحات الحيوية التي يبدو أنه جرى الآن تأجيلها إلى أجل غير مسمّى، بدءاً من إصلاح القوات المسلحة". 65 هذا التحدّي سيقطع شوطاً طويلاً نحو توضيح ما إذا كانت المجموعة الاقتصادية قادرة على لعب دور عامل الاستقرار الإقليمي.

التدخّل وجوار مالي

من شأن التدخّل العسكري أن يفشل أيضاً من دون دعم ماتسمّى بلدان الميدان، وهي البلدان الرئيسة في المنطقة، الجزائر ومالي وموريتانيا والنيجر. حتى الآن، لم تتمكّن المجموعة من تنسيق إجراءاتها، حيث تدعو النيجر على نحو صاخب إلى تدخّل عسكري فيما تعارضه الجزائر وموريتانيا. ووفقاً للصحافي يعقوب ولد باهداه، إن موريتانيا حذرة بشكل كبير تجاه "أي عمل عسكري قد يؤدّي إلى "أفغنة" شمال مالي ومايترتّب على ذلك من تحويل موريتانيا إلى باكستان أخرى". 66
 
قاومت الجزائر الدعوات إلى التدخّل العسكري، وحثّت على الصبر وتقديم الدعم لحكومة مالي في الجنوب، وحذّرت من تداعيات مغامرة خارجية غير مدروسة في الشمال. ويودّ الجزائريون تذكير جيرانهم وأنصارهم الغربيين بأنه لو التفت المجتمع الدولي إلى تحذيراتهم بشأن التدخّل في ليبيا، ماكانت الفوضى في مالي لتحدث أساساً. ويخطّئ النظام الجزائري (عن حق) حلف شمال الأطلسي (ناتو) لفشله في السيطرة على الأسلحة داخل ليبيا ووقف تدفّقها إلى الدول المجاورة. كما كانت الجزائر تعتقد بأن الحسابات الإنسانية الكامنة وراء التدخّل وهمية، وكانت تخشى من تكريس السابقة الخطيرة المتمثّلة في إنفاذ مبدأ "مسؤولية الحماية" ضد النهب الذي تمارسه الأنظمة الاستبدادية. وعلى رغم نجاح المهمة في وقف حمام الدم في بنغازي وتخليص ليبيا من نظام شرير، يؤكّد الجزائريون أن عدم تبصّر حلف (ناتو) قد يتسبّب في الكثير من المشاكل مع مايترتّب على ذلك من عواقب بعيدة المدى. وبالنسبة إلى الجزائر، فإن أنصار المجموعة الاقتصادية الدوليين، وخاصة فرنسا، بحاجة لأن يتقبّلوا حقيقة أن لجوءهم إلى التدخّل العسكري السريع يزيد مخاطر الإرهاب في المنطقة ليس إلا.
 
يفسّر بعض أعضاء المجموعة الاقتصادية، وخاصة النيجر وبوركينا فاسو، هذا الموقف المتعقّل تجاه التدخّل العسكري على أنه شديد الحذر وأناني. فالمجموعة قلقة من أن إصرار الجزائر على اتباع طريق الدبلوماسية ليس سوى حيلة لتجنّب تقاسم أعباء ومخاطر استعادة النظام في مالي. ويتذمّر البعض من أن عدم مشاركة الجزائر مع الجماعة ينبع من رغبتها في السيطرة على عملية التفاوض. ومن وجهة نظرهم، فإن الجزائريين لايتسامحون بشأن زعامة الآخرين. وتؤكد الجزائر على المساواة في السيادة وبناء توافق في الآراء، لكنها تصرّ على تشكيل قواعد الاشتباك والتأثير في القواعد متعدّدة الأطراف. وبعبارة أخرى، تسعى الجزائر إلى إظهار نفسها على أنها مؤيّدة لقيام نظام إقليمي متجذّر في المؤسّسات تكون فيه الطرف المهيمن الذي يحدّد الأجندات، والوسيط الرئيس في الصراعات.
 
ترى الجزائر في المجموعة الاقتصادية أداة تستخدمها فرنسا لتعزيز مصالحها في مستعمراتها السابقة في غرب أفريقيا، وهو مايسيئ إلى المنظمة في نظر الجزائريين. ومايزيد الطين بلّة هو أن المغرب حشر نفسه في الصراع في مالي ودعم المجموعة الاقتصادية. المغاربة لديهم علاقات جيدة داخل المنظمة، ويرون أنها محفل مفيد لتطوير قوتهم الناعمة وتعويض غيابهم عن الاتحاد الأفريقي، وعرقلة تصميم الجزائر على تهميشهم في الشؤون الساحلية.
 
بطبيعة الحال، يرى الجزائريون مغامرة المغرب في أزمة مالي تهديداً للوضع الراهن في منطقة الساحل. وقد وصلت شكوك الجزائر في دوافع المغرب ذروتها أخيراً، حيث تتّهم الصحافة الجزائرية المغرب علناً بالتلاعب بحركة التحرير والجهاد في غرب أفريقيا لأغراضها الخاصة. وتقدّم ضابط متقاعد في الجيش باتّهامات مماثلة في أوائل أيلول/سبتمبر.67  وربما يكون المنطق الكامن وراء هذه الادعاءات "غريباً"، وفق توصيف باحث أميركي يدرّس في الجزائر، لكن يبدو أن حقيقة أن حركة التحرير والجهاد في غرب أفريقيا استهدفت الجزائر بالدرجة الأولى ومحميّتها، جبهة البوليساريو على مايبدو، تشكّل دليل إدانة كافياً ضد المغرب.

مبادرات الجزائر الإقليمية الأوسع

بالنسبة إلى منتقدي الجزائر داخل المجموعة الاقتصادية، تبدو البلاد مهتمّة بعزل منافسيها الإقليميين والحدّ من نفوذ القوى الخارجية أكثر من اهتمامها بتنسيق موارد القوة في المنطقة لتنظيم دفاع إقليمي فعّال ضد تنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي على حدودها الجنوبية. فقد انتقد مسؤولون في النيجر خصوصاً، وبصورة علنية، المبادرات الأمنية التي تقودها الجزائر.
 
قال وزير خارجية النيجر في حزيران/يونيو 2012، إن لجنة عمليات الأركان المشتركة لدول الساحل CEMOC، ومقرها تمنراست كانت في سبات منذ تأسيسها في نيسان/أبريل 2010. 68 الوظيفة الأساسية للجنة هي تعزيز التعاون العسكري والأمني، والتنسيق الاستخباراتي واللوجستي بين أعضائها (الجزائر وموريتانيا ومالي والنيجر) وحشد الدعم لقوة مشتركة قوامها 75 ألفاً. وأضاف أنّ هدفها في المستقبل هو توسيع عملياتها لتشمل "المجموعة الثانية" من بلدان الساحل (بوركينا فاسو ونيجيريا وتشاد والسنغال). 69 لكن لم يتم بناء أو توفير القوات والبنية الأساسية اللازمة للاتصالات، ولم يسفر الاجتماع الأخير للجنة الأركان العسكرية المشتركة لمنطقة الساحل، التابعة للجنة هيئة العمليات، والذي عقد في نواكشوط في تموز/يوليو 2012، عن أي تدابير ملموسة لمساعدة مالي.
 
كما تفتقر وحدة الدمج والاتصال FLU ، والتي توفّر آلية للتشاور بين أجهزة الاستخبارات في البلدان الأساسية،70  إلى إستراتيجية منسّقة، ناهيك عن الثقة المتبادلة المطلوبة بين المشاركين، لتبادل المعلومات الاستخباراتية. إذ يشكو الأعضاء الآخرون في منتديات مكافحة الإرهاب هذه من أن الجزائر تجمع المعلومات الاستخباراتية وتحتكر المعلومات، بينما تشتبه الجزائر في أن مالي تسرّب المعلولمات الاستخباراتية، وفقاً لمقابلات أجريت في الرباط ونواكشوط. 71
 
كشفت سلسلة من المقابلات أجريت في بروكسل عن القدر نفسه من الإحباط إزاء هذه المبادرات الجزائرية. فقد تجاهل العديد من مسؤولي الاتحاد الأوروبي لجنة عمليات الأركان المشتركة لدول الساحل ولجنة الدمج والاتصال بوصفها قذائف فارغة تهدف إلى التصدّي للمنافسين الإقليميين (المغرب)، وتقوّض جهود الاتحاد الأوروبي في منطقة الساحل (نظام معلومات الشرطة في غرب أفريقيا، كلية أمن الساحل، وبعثة الاتحاد الأوروبي لتعزيز القدرات في منطقة الساحل EUCAP)، وإحباط أي محاولة أخرى لمكافحة انعدام الأمن في المنطقة. وفي الوقت نفسه، فإن الجزائريين مرتابون تجاه مبادرات الاتحاد الأوروبي لأنهم يشكّون في أن من يصوغها ويقودها هم الفرنسيون، حكامهم الاستعماريون السابقون. 72
 
الولايات المتحدة هي الأكثر تجاوباً ودعماً للجهود الإقليمية التي تقودها الجزائر. وعلى رغم الإحباطات التي تنتاب التعامل مع المسؤولين الجزائريين بين حين وآخر، تعلّق واشنطن أهمية على إطار لجنة الأركان المشتركة لدول الساحل ووحدة الدمج والاتصال التي تهيمن عليها الجزائر. وعلى حدّ تعبير مسؤول أميركي، في مقابلة أجريت معه في الجزائر العاصمة، يمكن للجزائر بالتأكيد عمل المزيد في مجال مكافحة الإرهاب والتنسيق المتعدّد الأطراف، لكن قيادتها في المنطقة ضرورية. وهذا يفسّر لماذا يبدو موقف الولايات المتحدة بشأن استخدام القوة في شمال مالي أقرب إلى موقف الجزائر، إلا أنها تبدي تردّداً حيال الاستراتيجية العسكرية للمجموعة الاقتصادية وحذراً من التورّط العسكري في شمال مالي.

أساس هشّ

إن عدم قدرة المجتمع الدولي على الاتّفاق على خطة عمل من أجل السلام يخلق المتاعب لمالي وجيرانها. وكما هو عليه الحال الآن، فإن أسس التدخّل العسكري مازالت مفقودة. وتبقى باماكو في حالة تغيّر سياسي وعسكري مستمر، كما تبقى إستراتيجية المجموعة الاقتصادية لاستعادة النظام عن طريق القوة في الشمال، حيث التوتّرات العرقية آخذة في الازدياد بشكل خطير، غير مقنعة.
 
ربما ينطوي التدخّل المخطئ والمتسرّع في مثل هذا المزيج المتفجّر من التوتّرات المدنية - العسكرية، والهويات الطائفية المختلفة، والإيديولوجيات المتصارعة، على آثار مدمّرة على مالي والدول المجاورة التي تعاني بالفعل من الهشاشة المؤسّسية نفسها، ومن مؤسّسة عسكرية ساخطة، وانقسامات مجتمعية تربك باماكو. وتزيد طبيعة المجتمعات العرقية المتداخلة والجماعات المسلحة في غرب أفريقيا بشكل خطير إمكانية امتداد هذه التداعيات الضارة إلى البلدان التي لايمكنها أن تتحمّل الارتداد إلى صراع عرقي (النيجر) أو تشهد تصعيداً للقتال (نيجيريا) أو للهجمات الإرهابية. كما تزيد الحرب من خطر تفاقم مشاعر السخط والاستياء في صفوف الجيش في البلدان التي وعدت بالمساهمة في تقديم قوات (النيجر ونيجيريا وساحل العاج). 73
 
في ظل انتشار الميليشيات المسلحة في الشمال، يبدو أن إغراء قيام السلطات المالية أو الأطراف الإقليمية الفاعلة بتسليح الميليشيات المناهضة للإسلاميين أو مكافحة الطوارق موجود بالفعل، مايؤدّي إلى تفاقم التوتّرات بين الطوائف المختلفة. إذ يوثّق تقرير صدر أخيراً عن منظمة العفو الدولية حالات عدّة قتلت فيها الميليشيات التي تأخذ القانون بيدها أفراداً من الطوارق. فاحتمال نشوب حرب بالوكالة تتطوّر ببطء أمر حقيقي. وهذا من شأنه أن يحوّل بالفعل بيئة فوضوية "إلى مسرح مواجهات مستترة تقريباً بين الجماعات المسلّحة بحيث تستفيد كل منها من التداعيات الدولية." 74

الخاتمة

لم يَرْقَ العمل الدولي بشأن مالي إلى مستوى التوقّعات. إذ لاتزال الدول الأساسية التي يمكن أن تؤثّر على مسار الصراع على خلاف بشأن أفضل السبل لإعادة الاستقرار إلى مالي. كما أن الأسئلة المتعلّقة بضرورة وتوقيت وشكل قوة التدخل في شمال مالي مازالت قائمة. فهل تملك المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا القدرة على إيقاع الهزيمة بالجماعات الإسلامية المسلحة في الشمال، وهل يمكن لأعضائها تحمّل الأعمال الانتقامية التي لامفرّ منها على أراضيها؟ وهل تتلقّى المجموعة الاقتصادية الدعم اللوجستي والمعلومات الاستخباراتية من الولايات المتحدة وفرنسا، بما في ذلك الدعم الجوي؟ وهل ستحظى بدعم الجزائر (الضمني)؟ من شأن الإجابة بـ"لا" على أي من هذه الأسئلة أن يعرّض المهمّة لخطر شديد. 75
 
بيد أن أي تدخّل متسرّع يتجاهل الديناميكيات المحلية المعقّدة يمكن أن يزيد الانقسامات في البلاد، والتي تتغير على الدوام. وقد وضع العديد من المحلّلين ترسيماً واضحاً لخطوط المعركة من دون اعتبار جدّي لاختلاف المصالح و"المواقف السياسية" لمختلف الأطراف الفاعلة المعنيّة. ثمّة العديد من أوجه التعاون الآخذة في التشكّل في شمال مالي، وليس الأوجه الإسلامية فقط. ومعظمها تحرّكها الديناميكيات الاجتماعية والسياسية المعقدة، والإيديولوجية والعرق والنزاعات الشخصية والشبكات الإجرامية والمظالم التاريخية. 76 وهذا يجعل من الصعب التنبّؤ بما سيكون عليه تأثير أي نوع من الإجراءات القوية على شمال مالي والمنطقة بشكل أعمّ.
 
نظراً إلى قوتها العسكرية وتفوقها الاقتصادي ومعرفتها الوثيقة بالصراع في مالي فإن لدى الجزائر القدرة على المساهمة في حلّ النزاعات في البلاد. وتحذيراتها من تدخّل عسكري متسرّع سليمة، كما هو تأكيدها على دعم عملية الانتقال السياسي في باماكو وتوفير المساعدات الغذائية المباشرة إلى البلاد. ومع ذلك، يجب على الجزائر أن تستكمل هذا بجهد صادق لتنسيق أعمالها مع جيرانها. ويجب أن تستخدم نفوذها لدى جماعة أنصار الدين وزعيمها إياد أغ غالي لقطع علاقاته مع تنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي والتفاوض على صفقة سياسية مع باماكو. كما ينبغي على الجزائر توظيف قدراتها العسكرية وفي مجال مكافحة الإرهاب لمراقبة حدودها الجنوبية على نحو أفضل ومنع التداعيات القادمة من شمال مالي.
 
ينبغي على الجزائر أن تسعى أيضاً إلى السيطرة على الموارد (الوقود والفحم، وقطع غيار تويوتا وأكثر) التي تساعد هذه الجماعات المسلحة المختلفة على الازدهار. من دون هذا الإجراء، سيكون من الصعب إضعاف قدرات تنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي وتعطيل العمليات اللوجستية في مالي، وفقاً لما يقوله ضابط في "قيادة أميركا الأفريقية" AFRICOM. عليها كذلك مسؤولية في تعزيز لجنة عمليات الأركان المشتركة وجعلها منبراً لتبادل المعلومات الاستخباراتية الحقيقية وتنسيق مكافحة الإرهاب. في هذا الوقت المضطرب، سيستفيد الجزائريون من إعادة المغرب (القوة الإقليمية الأخرى) إلى الحظيرة.
 
يجب على الاتحاد الأوروبي الانخراط في منطقة الساحل بطريقة تكاملية لاتنافسية مع الجزائر. فقد صمّمت إستراتيجية الاتحاد في المنطقة بوصفها وسيلة لتشجيع التعاون بين أوروبا ومنطقة الساحل، وقد أيّد الاتحاد لفظياً فقط شكوك ومخاوف الجزائر بشأن التدخّل الأجنبي في مجال اهتمامها المميّز. وفي سياق رغبته في تعزيز التعاون الاقتصادي والأمني مع بلدان الساحل الهشّة، دخل الاتحاد الأوروبي في منافسة مع طموحات الجزائر الإقليمية وتصميمها على السيطرة على المؤسسات الأمنية الإقليمية. وقد اعتبرت الجزائر هذا الأمر تحدّياً مباشراً لسلطتها، وساهم في عرقلة الجهود متعدّدة الأطراف التي تشتدّ الحاجة إليها لمنع نشوب الصراعات والاستعداد لمواجهة الأزمات. 77
 
وقد أثّر دعم الاتحاد الأوروبي لمبادرة المجموعة الاقتصادية لتسوية النزاع في مالي أيضاً على العلاقات مع الجزائر، والتي تعتبر التدخّل العسكري المدعوم والمموّل من الاتحاد الأوروبي تدخّلاً أجنبياً في فنائها الخلفي. ومع ذلك، بذل الجانبان في الأشهر القليلة الماضية جهوداً لتنسيق مقاربتهما لتحقيق الأمن على نحو أفضل، وجعل جهود الاتحاد الأوروبي في منطقة الساحل مكمّلة لجهود الجزائر. ويتعين على الاتحاد الأوروبي أيضاّ تصميم سياسة متماسكة وواضحة تجاه دفع الفدية للمنظمات الإرهابية/الإجرامية والوسطاء المحلّيين، والتي تشجّع أصحاب الأعمال المجرمين والمتطرّفين الذين يمارسون العنف في المنطقة.
 
ينبغي على الولايات المتحدة أن تنسّق جهودها مع الاتحاد الأوروبي والجزائر للمساعدة في إعادة بناء القوات المسلحة في مالي وتحويلها إلى جيش منضبط قادر على تحقيق الاستقرار في الجنوب والتهديد جدّياً باستخدام القوة في الشمال. وينبغي على جيش مالي أن يكون قادراً على المشاركة في أي محاولة لإخراج أو استهداف المتطرّفين الأكثر تصلّبا وراديكالية في شمال مالي. كما ينبغي على الولايات المتحدة وحلفائها استئناف تقديم المساعدات الخارجية على وجه السرعة، وتوسيع نطاق المساعدة الاقتصادية إلى مالي لتفادي حدوث أزمة اجتماعية تختمر في الجنوب وكارثة إنسانية في الشمال. 78
 
 
  1.    أنظر:Kenneth Menkhaus, “State Fragility as a Wicked Problem,” PRISM 1, no 2, www.ndu.edu/press/lib/images/prism1-2/6_Prism_85-100_Menkhaus.pdf.
     
  2.   William B. Quandt, “Algeria: How Pivotal Is It: And Why?” University of Virginia, August 1997, http://people.virginia.edu/~wbq8f/pivotal.html
     
  3.   Francis Ghilès, “Algeria 1962-2012: More Questions than Answers,” CIDOB, no. 154, July 3, 2012, www.cidob.org/en/publications/opinion/mediterraneo_y_oriente_medio/algeria_1962_2012_more_questions_than_answers
     
  4.   International Crisis Group, Islamist Terrorism in the Sahel: Fact or Fiction? Crisis Group Africa Report no. 92, March 31, 2005.
     
  5.    ولفرام لاخر، "الجريمة المنظَّمة والصراع في منطقة الساحل والصحراء"، أوراق كارنيغي، مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، أيلول/سبتمبر 2012؛
    Judith Scheele, “Circulations marchandes au Sahara: Entre Licite et Illicite,” Hérodote 142 (3/2011): 143–62; “The Dynamics of North African Terrorism,” Conference Report, CSIS, March 2010, http://csis.org/files/attachments/100216_NorthAfricaConferenceReport.pdf
     
  6.   “Paix et sécurité,” Coopération Union Européenne-Mali, www.eeas.europa.eu/delegations/mali/documents/projects/paix_et_securite_fr.pdf
     
  7.   Gregory Mann, “Africanistan? Not Exactly,” Foreign Policy, July 24, 2012
     
  8.   International Crisis Group, Mali: Avoiding Escalation, Crisis Group Africa Report no. 189, July 18, 2012, www.crisisgroup.org/~/media/Files/africa/west-africa/mali/189-mali-avoiding-escalation-english, 8.
     
  9.    كما ورد في:
    International Crisis Group, Mali: Avoiding Escalation.
     
  10.    الاقتباس وارد في:
    Jacques Delcroze, “The Malian Model Falls Apart,” Le Monde Diplomatique, September 3, 2012, http://mondediplo.com/2012/09/03mali.11
     
  11.    لاتوجد إحالة إلى أي مصد
     
  12.   United States Agency for International Development , “Counter Extremism and Development in Mali,” October 2009.

     
  13.   قال الجنرال كارتر هام، قائد القيادة الأمريكية في أفريقيا، خلال رحلة قام بها إلى السنغال في تموز/يوليو، إن تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي هو أفضل الفروع التابعة لتنظيم القاعدة في العالم تمويلاً وثراءً. أنظر:
    Greg Miller and Craig Whitlock, “White House Secret Meetings Examine al-Qaeda Threat in North Africa,” Washington Post, October 1, 2012, www.washingtonpost.com/world/national-security/white-house-secret-meetings-examine-al-qaeda-threat-in-north-africa/2012/10/01/f485b9d2-0bdc-11e2-bd1a-b868e65d57eb_story.html
     
  14.   المصدر السابق.
     
  15.   USAID, “Counter Extremism and Development in Mali.”
     
  16.   المصدر السابق.
     
  17.   Serge Daniel, “Mali Rebel Iyad Ag Ghaly: Inscrutable Master of the Desert,” Agence France-Presse, April 5, 2012,
    www.google.com/hostednews/afp/article/ALeqM5j2E5T3FzSZKJ-OhCpfHOdsoA0idA?docId=CNG.479d25a6bbe0d8ec222921f745502da0.1f1.

     
  18.   “Mali Avoiding Escalation,” ICG, N°189 – 18 July 2012, p: 17
     
  19.   “Mali: Avoiding Escalation,” Crisis Group Africa Report
     
  20.   “Mali Avoiding Escalation, » ICG, N°189 – 18 July 2012

     
  21.    أنظر:
    Andrew Lebovich, “Trying to Understand MUJWA,” Jadaliyya, 24 August 2012. http://www.jadaliyya.com/pages/index/7031/trying-to-understand-mujwa
     
  22.   Peter Tinti, “Mali: Understanding Northern Mali-Local Context is Everything,” Think Africa Press,
    http://allafrica.com/stories/201208290418.html
     
  23.   David Lewis, “Qaeda Leader Tells Fighters to Support Mali Rebels,” Reuters, May 24, 2012,
    www.reuters.com/article/2012/05/24/us-mali-qaeda-idUSBRE84N1BI20120524
     
  24.   أنظر:
    USAID, “Counter Extremism and Development in Mali.”
     
  25.   Ali Bensaâd, “La région saharo-sahélienne est contrôlée par les populations locales,” Le Monde, January 19, 2011
     
  26.   Lewis, “Qaeda Leader Tells Fighters to Support Mali Rebels.” 
     
  27.   Greg Miller and Craig Whitlock, “White House secret meetings examine al-Qaeda threat in North Africa.”
     
  28.   Roland Marchal, “The Coup in Mali: The Result of a Long-Term Crisis or Spillover From the Libyan Civil War?” Norwegian Peace Building Resource Center, May 2012, http://reliefweb.int/sites/reliefweb.int/files/resources/3a582f1883e8809a0e18cd2d58a09a81.pdf
     
  29.     أنظر:
    Souleymane Faye, “Q&A: Military Action in Mali Would Be a ‘Huge Risk,’” Inter Press Service, August 14, 2012, www.ipsnews.net/2012/08/qa-military-action-in-mali-would-be-a-huge-risk

     
  30.    أنظر:
    Peter Tinti, “Algeria’s Stance on Northern Mali Remains Ambiguous,” Voice of America, September 17, 2012,
    www.voanews.com/content/algerias_stance_on_northern_mali_remains_ambigious/1509747.html.
     
  31.    أنظر:
    Alexis Arieff, Algeria and the Crisis in Mali, Institut Français des Relations Internationales (IFRI), July 2012.
     
  32.    أنظر:
    U.S. Embassy, Bamako, New Algerian Ambassador to Meet With Ambassador,” cable from February 19, 2010, as released by WikiLeaks, http://wikileaks.org/cable/2010/02/10BAMAKO99.html
     
  33.   El Watan, “Le Mali est le banc d’essai de la stratégie à long terme d’AQMI,” August 29, 2012, www.elwatan.com/international/le-mali-est-le-banc-d-essai-de-la-strategie-a-long-terme-d-aqmi-29-08-2012-183497_112.php
     
  34.   “Mali Avoiding Escalation.
     
  35.    أنظر:
    Catherine Gouëset, “Mali: pourquoi l’Algérie parie sur les islamistes d’Ansar Eddine, ” L’Express, July 4, 2012, www.lexpress.fr/actualite/monde/afrique/mali-pourquoi-l-algerie-parie-sur-les-islamistes-d-ansar-eddine_1134319.html
     
  36.   Catherine Gouëset, « Mali: pourquoi l’Algérie parie sur les islamistes d’Ansar Eddine, » L’Express, 4 July 2012. http://www.lexpress.fr/actualite/monde/afrique/mali-pourquoi-l-algerie-parie-sur-les-islamistes-d-ansar-eddine_1134319.html
     
  37.   مقابلة مع صحافي جزائري، الجزائر العاصمة، 18 حزيران/يونيو 2012.
     
  38.   John Schindler, “The Ugly Truth about Algeria,” The National Interest, 10 July 2012.
    http://nationalinterest.org/commentary/the-ugly-truth-about-algeria-7146
     
  39.   Thomas Serres, “The Malian crisis seen from Algeria,” Jadaliyya, 19 April 2012.
    http://www.jadaliyya.com/pages/index/5330/another-take-on-the-malian-crisis-as-seen-from-alg
     
  40.   John Schindler, “The Ugly Truth about Algeria,” The National Interest, 10 July 2012.
     
  41.   http://www.guardian.co.uk/world/2010/dec/06/wikileaks-cables-algeria-security-maghreb
     
  42.   لم يتدخّل الجيش الجزائري خارج حدوده أبدأ (باستثناء حربي الصحراء/الحدود ضد المغرب في تشرين الأول/أكتوبر 1963 وفي العام 1976)، ولم يشارك أبداً في عمليات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة.
     
  43.   Quoted in Melanie Matarese, « Coup d’Etat au Mali : les conséquences pour l’Algérie, » Le Figaro, 23 March 2012.
     
  44.   http://www.echoroukonline.com/ara/articles/134167.html
     
  45.   Claire Spencer, Strategic Posture Review: Algeria, World Politics Review, 25 July 2012
     
  46.    أنظر:
    Salim Chena, « Portée et limites de l’hégémonie algérienne dans l’aire sahélo-maghrébine’, Hérodote, 142 (3), 2011, pp. 108-124
     
  47.   المصدر السابق.
     
  48.    أنظر:
    Robert Parks, « Algeria’s 10 May 2012 Elctions: Preliminary Analysis,” Jadaliyya, 14 May 2012, http://www.jadaliyya.com/pages/index/5517/algerias-10-may-2012-elections_preliminary-analysi
     
  49.   Mélanie Matarese, « Face à l’«ennemi», Alger mise sur l’«unité nationale» », El Watan, 29 September 2012. http://www.elwatan.com//actualite/face-a-l-ennemi-alger-mise-sur-l-unite-nationale-28-09-2012-186862_109.php
     
  50.   Kamel Daoud, « Pourquoi l’Algérie ne veut pas intervenir au Sahel » Slate Afrique, 28 September 2012.
    http://www.slateafrique.com/95291/algerie-mali-guerre-au-sahel-le-complexe-cachee-de-l-armee-algerienne
     
  51.   في 22 آب/أغسطس، "اعتقلت قوات الأمن مهربين في أربع سيارات دفع رباعي تحمل 2.3 أطنان من المخدرات والأسلحة الثقيلة والمدافع الرشاشة وبنادق الكلاشنيكوف والذخيرة والمناظير العسكرية الليلية".
     Walid Ramzi, “Algeria Fears ‘Afghanization’ of Mali,” Magharbia, 28 August 2012, http://www.magharebia.com/cocoon/awi/xhtml1/en_GB/features/awi/features/2012/08/28/feature-01
     
  52.  AFP, “Three Qaeda hostages seized last week alive: mediator,” 30 October 2011.
     
  53.   BBC, “Spain evacuates aid workers from western Algeria,” 28 July 2012
     
  54.    لا توجد إحالة إلى أي مصدر
     
  55.   ICG, p:28-9.
     
  56.   http://www.nytimes.com/2012/09/02/world/africa/holding-northern-mali-by-force-islamists-struggle-to-run-it.html?_r=1&pagewanted=all
     
  57.   شهادة مساعد وزيرة الخارجية الأميركية للشؤون الأفريقية، جوني كارسون، أمام لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب، واللجنة الفرعية للشؤون الأفريقية، والصحة العالمية، وحقوق الإنسان، 29 حزيران/يونيو 2012.
     
  58.   Greg Miller and Craig Whitlock,” White House secret meetings examine al-Qaeda threat in North Africa, White House secret meetings examine al-Qaeda threat in North Africa” Washingtonpost, 1 October 2012
     
  59.   المصدر السابق.
     
  60.   المصدر السابق.
     
  61.   Robert Grenier, “Mali Counter-Terrorism and the Benefits of Doing Nothing,” Al-Jazeera English, 11 July 2012.
     
  62.   http://www.pbs.org/wgbh/pages/frontline/foreign-affairs-defense/al-qaeda-in-yemen/understanding-yemens-al-qaeda-threat/
     
  63.   Conn Hallinan, “The War in Mali,” Counterpunch, 28 August 2012. http://www.counterpunch.org/2012/08/28/the-war-in-mali/
     
  64.   AFP, “US not ruling out action in Mali, working with ECOWAS,” 3 October 2012. http://www.google.com/hostednews/afp/article/ALeqM5jvL-EpHI42yW-M0JiN4vd03-qKyA?docId=CNG.245855be310ef4cebe2557c879e81c71.111
     
  65.    الاقتباس وارد في:
    Souleymane Faye, “Military Action in Mali Would Be a ‘Huge Risk’ http://www.ipsnews.net/2012/08/qa-military-action-in-mali-would-be-a-huge-risk/
     
  66.   Jemal Oumar, “EU counter-terror official visits Nouakchott,” Magharebia, 4 September 2012.
     
  67.   Wolfram Lacher, “Options et défis des acteurs extérieurs face à la crise au Nord-Mali, » Presentation in Rabat, 10 September 2012.
     
  68.   Cherif Ouazzani & Philippe Perdrix, “Crise malienne : Alger se fait attendre, » Jeune Afrique, 21 June 2012.
     
  69.   أنظر: http://www.europarl.europa.eu/committees/fr/studiesdownload.html?languageDocument=EN&file=73859
     
  70.   http://www.grip.org/fr/siteweb/images/NOTES_ANALYSE/2012/NA_2012-01-16_FR_B-ROUPPERT.pdf
     
  71.   من المحتمل أن إطاحة أمادو توماني توري "تمثّل فرصة لإقامة العلاقات الإقليمية على أُسُس جديدة"، مع تفكّك العلاقة بين جهاز أمن الدولة في شمال مالي والجريمة المنظمة وتنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي.
     
  72.    أنظر:
    “A Coherent EU Strategy for the Sahel, p: 32.
     
  73.    مجموعة الأزمات الدولية
     
  74.   “Mali: Avoiding Escalation,” Crisis Group Africa Report
     
  75.    أنظر:
    Gilles Yabi, “Mali: la force n’est pas “la solution”, Jeune Afrique, 20 August 2012.
     
  76.    Peter Tinti, “Understanding Northern Mali: Local Context is Everything,” Think Africa Press, 28 AUGUST 2012.
     
  77.   Wolfram Lacher, “Options et défis des acteurs extérieurs face à la crise au Nord-Mali,” Unpublished presentation, Rabat 10 September 2012. 
     
  78.   أنظر:
    “Mali : pour une action internationale résolue et concertée,» Crisis Group Policy Briefing, 24 September 2012.
End of document
Source: http://www.carnegie-mec.org/2012/10/23/الجزائر-والصراع-في-مالي/ec1x

المزيد من مركز الأبحاث العالمي

ابقوا على اطلاع

تسجّل للحصول على أحدث التحليلات من كارنيغي عبر البريد الإلكتروني! الخانات التي تحمل العلامة (*) إلزامية.

معلومات شخصية
 
 
Carnegie Middle East Center
 
شارع الأمير بشير، برج العازارية بناية 20261210، ط5 وسط بيروت ص.ب 1061 -11 رياض الصلح, لبنان
هاتف: +961 1 99 12 91 فاكس: +961 1 99 15 91
ملاحظة...

أنتم تخرجون الآن من موقع مركز كارنيغي-تسينغوا للسياسة العالمية وتدخلون موقعاً عالمياً آخر لكارنيغي.

请注意...

你将离开清华—卡内基中心网站,进入卡内基其他全球中心的网站。