ثمن الاستقرار في الجزائر

Source: Getty
دراسة
ملخّص
تجنّب النظام الجزائري حتى الآن مصير أنظمة أخرى سقطت بفعل أحداث الربيع العربي. بيد أنّه إذا لم تُعالَج المظالم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية في الجزائر، فقد تٌترجَم بسرعة إلى ثورات شعبية من شأنها أن تهدّد استقرار النظام.
موارد إعلامية وأدوات ذات الصلة
 

ملخّص

نجا النظام الجزائري حتى الآن من الثورات التي أطاحت بحكومات أخرى في العالم العربي. وتمكّن من وقف الاضطرابات في المقام الأول عن طريق إعادة توزيع عائدات البلاد الضخمة من النفط. لكن لا يمكن لهذا التدبير المدروس لإعادة التوزيع أن يستمرّ إلى ما لانهاية. ويمكن للمظالم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي تغلي تحت السطح، إذا ما تركت دون علاج، أن تتفاقم بسرعة وتتحوّل إلى ثورات شعبية تهدّد استقرار السلطة. ولذا يجب على الحكومة البدء بعملية إصلاح سياسي حقيقي وعميق أو مواجهة احتمال الانهيار.

الأفكار الرئيسة 

  • من أبرز مظالم الجزائريين التذمّر من النظام الفاسد وغير الشفاف.
     
  • أعداد الشباب الساخطين – والعاطلين عن العمل بصورة غير متناسبة – في تزايد مستمر.
     
  • ثمّة عوامل عدّة أتاحت للنظام الجزائري الفرصة لتجنّب حدوث انتفاضة،وهي تشمل: الفائض النقدي من موارد النفط والغاز الذي يموّل تقديم المنح المباشرة للسكان؛ وإخفاق المتظاهرين في التوحّد حول المظالم المشتركة، ونجاح قوات الأمن في إدارة الاحتجاجات من دون تأجيج مشاعر الغضب إلى حدّ كبير، وذكريات الحرب الأهلية القاسية والمريرة في البلاد التي تجعل معظم الجزائريين ينأون بأنفسهم عن حالات العنف المحتملة.
     
  • يعتمد النظام الجزائري بشكل مفرط على موارد البلاد من النفط والغاز التي تنضب بسرعة.
     
  • في نهاية المطاف، سيؤدّي ضعف الاقتصاد الجزائري إللى كشف النظام أمام مطالب السكان الساخطين.

توصيات إلى الحكومة الجزائرية

  • سنّ إصلاحات سياسية واقتصادية عميقة تؤدي إلى توسّع اقتصادي مستدام وعادل، وزيادة المشاركة الشعبية في الحياة السياسية، ومساءلة فعلية للزعماء السياسيين.
     
  • تنفيذ الإصلاحات الدستورية الموعودة بشأن قضايا مثل تحديد مدة تولّي الرئاسة وزيادة صلاحيات رئيس الوزراء الذي يختاره البرلمان.
     
  • التشاور مع شريحة جامعة من الجزائريين لتطوير إصلاحات ضرورية أخرى في المجالات الرئيسة مثل دور الأجهزة الأمنية في الشؤون السياسية، والرقابة المدنية على الميزانيات والأنشطة العسكرية، والإشراف المستقل على عائدات النفط.
     
  • تشجيع وجود مجتمع مدني نشط وملتزم لإيصال أصوات الفئات الاجتماعية المختلفة، بهدف توفير قدر من الرقابة العامة والدعوة إلى التغيير.
     
  • جعل النظام القضائي والإداري المسؤول عن تنفيذ العقود التجارية يتّسم بالكفاءة وتحريره من التدخّلات السياسية.
     
  • توجيه الإنفاق العام لضمان أن يستفيد من برامج الدعم الجزائريين الذين هم في أمسّ الحاجة إليها. وإعادة توازن الإنفاق الحكومي نحو القطاعات ذات الأولويّة القصوى مثل التعليم والرعاية الصحية.

مقدمة 

 للوهلة الأولى، تعطي الجزائر الانطباع بأنها البلد الذي نجح في تجاوز الاضطرابات التي رافقت الصحوة العربية التي هزّت منطقة الشرق الأوسط خلال العامين الماضيين. ويبدو أن الاضطرابات الاجتماعية تحت السيطرة إلى حدّ كبير. إذ تتمتّع البلاد بفائض كبير في الحساب الجاري، وعجز محدود في الميزانية، وانخفاض كبير في الدين الخارجي. وقد تم إجراء الانتخابات البرلمانية الأخيرة من دون أن يعطلها شيء، وكانت مفتوحة رسمياً أمام مشاركة جميع الأحزاب السياسية.
 
لكن، على الرغم من هذه الصورة المطمئنة، فإن العديد من التحدّيات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي أدّت إلى اندلاع الانتفاضات في دول شمال أفريقيا المجاورة لازالت تتفاقم تحت السطح في الجزائر. إذ تتجنّب الحكومة في الجزائر العاصمة الاضطرابات من خلال الاعتماد على إيراداتها النفطية الكبيرة لتمويل نظام إعادة توزيع يشتري هدوء وولاء الدوائر الرئيسة المناصرة للنظام ويترك السواد الأعظم من السكان في حالة من البؤس. لكن لايمكن لهذا النظام أن يستمرّ إلى ما لانهاية. وتهدّد المظالم الكامنة، إذا ما تركت دون علاج، بالتفاقم بسرعة والتحوّل إلى مطالب سياسية تعرّض استقرار النظام للخطر.
 
على الرغم من التزامها الإجراءات الرسمية الخاصة بالتعدّدية الحزبية، يتولّى إدارة دفّة الأمور في الجزائر منذ استقلالها في العام 1962 حزب واحد هو حزب جبهة التحرير الوطني. منذ بداية الصراع الذي خاضته البلاد من أجل التحرّر، عملت جبهة التحرير الوطني على إقامة صلة حميمة مع أجهزة المخابرات والقوات المسلحة الجزائرية. وقد عزّز هذا التقارب هيمنة الجيش على المؤسّسات السياسية، والتي كان يمارسها من خلال حماية القيادة السياسية في البلاد والسيطرة عليها. في الواقع، وبدلاً من السماح لحزب إسلامي معارض بالفوز في أول انتخابات حزبية تعدّدية تشهدها الجزائر في العام 1991، والذي كان من المتوقّع أن يفوز بها، عمد الجيش إلى إلغاء الانتخابات تماماً وفرض حالة الطوارئ، ما أدخل البلاد في حقبة من إراقة الدماء استمرت عشر سنوات.
 
لم يسهم صدور إعلان رسمي في العام 2011 مفاده أن الحكومة رفعت حالة الطوارئ في تغيير ميزان القوى في البلاد كثيراً، والذي يتميز بهيمنة الجيش وأجهزة المخابرات، ووجود أحزاب معارضة ضعيفة ومنقسمة، ووسائل إعلام تخضع إلى رقابة مشدّدة. كما لم يغيّر الإعلان المذكور حالة السخط الشعبي على الوضع الفعلي القائم والذي يقوم على حكم الحزب الواحد. ويبدو هذا الاستياء جليّاً في معدّلات مشاركة الناخبين والتي بلغت 43 في المئة فقط من الناخبين المسجّلين في الانتخابات التشريعية التي أجريت في أيار/مايو 2012. فمن بين 9.4 مليون ناخب ذهبوا فعلاً إلى صناديق الاقتراع، ترك 1.7 مليون أو 18.3 في المئة أوراق الاقتراع فارغة احتجاجا منهم. كانت النتيجة أن نسبة المشاركة الإجمالية الفعلية وصلت إلى أقل من 35 في المئة.
 
تعزّز الاختلالات الاقتصادية والاجتماعية والاقليمية العميقة في البلاد مشاعر السخط السياسي. فقد شهد معظم الجزائريين تراجعاً في جودة الخدمات الاجتماعية الأساسية المقدمة لهم، بما في ذلك التعليم والرعاية الصحية. كما أن معدلات البطالة مرتفعة، حيث تصل إلى 21.5 في المئة بين الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين الخامسة عشرة والرابعة والعشرين. كما أن معظم الوظائف التي تم استحداثها خلال العقد الماضي غير مستقرّة، وأجورها زهيدة ولاتوفّر أي منافع اجتماعية.
 
غير أن المحنة الاقتصادية ليست السبب الوحيد لشعور الناس بالضيق. فهناك أيضاً مشاعر استياء متأجّجة وواضحة تجاه العقد الاجتماعي الذي يكافئ شبكة صغيرة من المطّلعين وتمكّنهم من التصرّف والإفلات من العقاب لتحويل الموارد العامة بغرض تحقيق مكاسب خاصة بهم.
 
تعترض أعداد متزايدة من الجزائريين على مايعتبرونها طريقة غير عادلة في توزيع عائدات النفط والغاز. ورغم تشدّقها بالإصلاح وتنويع الاقتصاد، فشلت الحكومات المتعاقبة في كسر اعتماد الاقتصاد الجزائري المفرط على السوق العالمية للنفط والغاز. كما أهملت واجبها في السعي من أجل خلق بيئة سياسية وتنظيمية تشجّع روح المبادرة والاستثمار الخاص، والتنويع الاقتصادي، وهي الأمور التي تعدّ ضرورية للنمو والاستقرار الاقتصادي على المدى الطويل في الجزائر. ونتيجة لذلك، لازال قطاع الطاقة يشكّل أكثر من ثلث الناتج المحلّي الإجمالي في الجزائر، وثلثي إيرادات الحكومة، وما يقرب من 98 في المئة من الصادرات. ومع ذلك فإن المسارات متوسطة وطويلة الأجل لإنتاج النفط والغاز والاستهلاك في الجزائر تشير إلى أن هذا الفائض من الإيرادات آخذ في التناقص بسرعة بصورة تتناسب مع الناتج المحلي الإجمالي، ولايجري العمل على خلق أي مصادر جديدة للفرص الاقتصادية لملء هذه الفجوة. وإذا ما استمرّ الاستهلاك المحلي من النفط والغاز في النموّ بمعدله الحالي، فلن تصدّر الجزائر سوى الغاز فقط بحلول العام 2023 وستستورد النفط.1  وقد تصبح مستورداً صافياً لمنتجات النفط والغاز بحلول العام 2026، مايعرّض البلاد لمخاطر حقيقية تتمثّل بالتفكك الاقتصادي والسياسي.
 
لتفادي حدوث موجة من عدم الاستقرار الداخلي الخطير، يتعيّن على السلطات الجزائرية إجراء تحوّل سياسي واقتصادي موجّه حقيقي قبل أن تنفد موارد الطاقة في البلاد.

الظروف التي تغذّي السخط

يضمر الجزائريون العديد من المظالم التي كانت السبب لحدوث الاضطرابات بين سكان الدول المجاورة. ومن أهمها الشكوى من النظام الفاسد وغير الشفاف وتنامي أعداد الشباب الساخطين والعاطلين عن العمل على نحو غير متناسب بين السكان.

انتشار الفساد وانعدام الشفافية

كان الفساد المتوطن والمحسوبية السببان الرئيسان في اندلاع الانتفاضات العربية. ففي كل مظاهرة جرت في المنطقة، ردّد المتظاهرون شعارات مكافحة الفساد واستنكروا الامتيازات غير العادلة التي تحصل عليها زمرة صغيرة من كبار المسؤولين ومن يرتبطون بهم في قطاع الأعمال على حساب المواطنين العاديين.
 
لاشك أن الفساد عامل مهم ومؤثّر في الجزائر. ففي مؤشر مدركات الفساد للعام 2012 الصادر عن مؤسسة الشفافية الدولية، والذي يصنّف الدول على أساس مدى انتشار الفساد في القطاع العام حلّت الجزائر في المرتبة 105 من بين 176 بلداً في جميع أنحاء العالم، وفي المرتبة الثانية عشرة من بين سبعة عشر بلداً في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. وكانت الجزائر صادقت على اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد في العام 2004، لكن مع بعض التحفّظات، واعتمدت قانوناً للوقاية من الفساد في العام 2006. وفي العام نفسه، أنشأت اللجنة الوطنية لمنع ومكافحة الفساد. ومع ذلك، لم يعيّن الرئيس الجزائري أعضاء اللجنة السبعة حتى العام 2010، وهي لم تحقّق أي نتائج حتى الآن.2  والواقع أن معظم هذه الالتزامات في مجال مكافحة الفساد كانت فارغة بشكل جوهري.
 
تعاني الجزائر من "الفساد الكبير" الذي يسيء فيه القادة في المستويات العليا من الحكم، مثل كبار الموظفين العموميين والإدارة العليا في المؤسسات المملوكة للدولة، استخدام سلطتهم كي يستفيدوا على حساب الجمهور. وهي تواجه أيضاً "الفساد الصغير"، أو إساءة الاستعمال اليومية للسلطة من جانب البيروقراطيين في الإدارة المركزية والسلطات المحلية على حد سواء.
 
يتجلّى الفساد الكبير من خلال منح عقود الأشغال العامة على أساس المحسوبية. وتحفل وسائل الإعلام الجزائرية بالاتّهامات عن قيام الشركات الأجنبية بدفع رشاوى ضخمة إلى شخصيات سياسية وموظفين من ذوي المراكز الرفيعة لضمان الحصول على العقود. كان هذا هو الحال في مشروع بناء الطريق السريع "شرق – غرب" الذي يربط بين شرق وغرب البلاد، وهو مشروع بكلفة 12 مليار دولار لبناء طريق سريع بست حارات يمتد على مسافة 755 كيلومتر في جميع أنحاء البلاد. ويعدّ هذا المشروع واحداً من أكبر مشروعات البنية التحتية التي تنفّذها الجزائر، حيث كشف المحققون عن وجود نظام رشاوى وعمولات غير قانونية يشمل الأجهزة الأمنية في البلاد وكبار المسؤولين في وزارة الأشغال العامة.
 
انفجرت فضيحة فساد أخرى رفيعة المستوى في العام 2010 تشمل شركة النفط المملوكة للدولة "سوناطراك". وقد أمر الرئيس الجزائري "سوناطراك" بتجميد جميع العقود الـ 275 التي وقّعتها أو منحتها الشركة في الفترة بين كانون الأول/ديسمبر 2009 وشباط/فبراير 2010 بسبب الاشتباه بوجود عمليات احتيال وغش فيها. في أيار/مايو 2011، حكم على الرئيس التنفيذي لشركة سوناطراك بالسجن مدة سنتين بسبب فساده في استخدام الأموال العامة، حيث قام بمنح عقود النفط والغاز للشركات من خلال اتفاقات مباشرة بدلاً من منحها عبر تقديم العطاءات. ظهرت فضيحة أخرى لشركة سوناطراك في شباط/فبراير 2013، عندما تم التحقيق مع رئيس شركة ايني الإيطالية المملوكة للدولة للنفط والغاز، وهي الشركة الأجنبية الرائدة في مجال تشغيل الطاقة في الجزائر، لاتّهامه بالتورّط في قضية رشوة بمبلغ 265 مليون دولار للفوز بعقود قامت "سوناطراك" بتخصيصها.
 
كما تبيّن أدلة كثيرة تفشي الفساد بشكل كبير في النظام القضائي في الجزائر. فوفقاً لدراسة أجراها المنتدى الاقتصادي العالمي حول القدرة التنافسية العالمية، هذا النظام عرضة إلى تدخّل وتأثير أعضاء السلطة التنفيذية وأفراد وشركات قوية. تصنّف الدراسة الجزائر في المرتبة 123 من أصل 144 دولة في مجال استقلال القضاء، مايضعها وراء كل البلدان الأخرى في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا باستثناء لبنان.3 
 
من الجدير بالذكر أنه لم يتمّ غضّ الطرف عن هذا الفساد، وتمت محاكمة العديد من المسؤولين في الدولة ورؤساء الشركات العامة بسبب تجاوزاتهم. ففي العام 2007، تمت مقاضاة شركة "الجزائر للاتصالات –"، وهي شركة الاتصالات الوطنية، بتهمة اهدار المال العام. وفي العام 2009، تعرّض قادة وزارة المصايد والموارد السمكية إلى انتقادات لاذعة على خلفية استغلال النفوذ وعمليات الصيد غير المشروع، واتُّهم البنك الأهلي بمنح "قروض بدون ضمانات كافية، وبدأ التحقيق الذي قامت به وزارة الأشغال العامة بسبب عمليات احتيال تمت في المشتريات خلال بناء الطريق السريع "شرق – غرب". لكن نادراً ما يجري هذا النوع من المحاكمات بحسن نيّة. وعادة ما تعكس هذه المحاكمات، المدبّرة من داخل النظام في كثير من الأحيان، الصراع على السلطة بين النخب الحاكمة المختلفة أو بين أفراد النخبة نفسها.
 
كما أن سجلّ الجزائر سيئ عندما يتعلق الأمر بالشفافية في الموازنة العامة. ففي استطلاع "مبادرة الموازنة المفتوحة" للعام 2010، والذي يقيّم ما إذا كانت الحكومات تمنح شعوبها حرية الوصول إلى المعلومات الخاصة بالموازنة، حصلت الجزائر على درجة واحدة من أصل 100 درجة. وكان متوسط  الشرق الأوسط وشمال أفريقيا 23 درجة. وينصّ الدستور الجزائري على أن يراقب البرلمان ميزانية الحكومة. ومع ذلك، تم في العقود الثلاثة الأخيرة سنّ قوانين الميزانية من دون أن تخضع إلى التدقيق البرلماني. وعندما يخفق البرلمان في اعتماد الميزانية خلال الأيام الخمسة والسبعين التي يفرضها الدستور، يمكن للرئيس إصدارها بمرسوم.
 
مجلس المحاسبة الجزائري هو المسؤول، من حيث المبدأ، عن تدقيق ميزانية الحكومة والحسابات المالية للشركات المملوكة للدولة وتقديم تقرير سنوي إلى رئيس الجمهورية.4  ومع ذلك، نادراً ما تكتمل عملية التدقيق في الممارسة العملية، ونادراً ما يتم نشر تقارير المراجعة. ولايقوم المجلس بتفتيش سجلات الضرائب الخاصة بالنفط والغاز، كما أن شركة سوناطراك لاتنشر التقارير المالية المدقّقة. وقد صنّف "مؤشر مراقبة الإيرادات"، الذي يقيّم شفافية العائدات في 41 من البلدان الغنية بالموارد، الجزائر في المرتبة 38 في تقريره لعام 2011، ما يضعها خلف كل دول النفط الغنية الأخرى في المنطقة.

بطالة الشباب والتهميش

كما يواجه النظام تحدّيات خطيرة في شكل نموّ سكاني سريع وزيادة في عدد العاطلين عن العمل من الشباب. وفي حال استمرار مظالم هؤلاء الجزائريين الشباب العاطلين عن العمل من دون علاج، فإنها قد تصبح مصدراً لاضطرابات محتملة خطيرة.
 
على مدى العقود الثلاثة الماضية، نجحت الدول العربية في خفض معدّلات وفيات الرضّع، لكنها حافظت على معدّلات خصوبة مرتفعة. وكانت النتيجة هي كثرة أعداد الشباب، حيث يشكّل الأطفال والشباب الآن نسبة كبيرة من السكان. وبما أن معظم الشباب الذين يدخلون سوق العمل لايمكنهم العثور على وظائف، فإن مشاعر الإحباط وانعدام الثقة بالقيادة السياسية تزداد عندهم. وقد لعب هذا النوع من السخط من جانب الشباب دوراً هاما في تأجيج الصحوة العربية.
 
في العام 2012 أشارت التقديرات إلى أن مجموع السكان في الجزائر يصل إلى 37 مليون نسمة، مقارنة مع 18.8 مليوناً في العام 1980. ونظراً لمتوسط معدّل النمو السكاني السريع - 1.5 في المئة سنويا مقارنة مع 1.2 في المئة في المغرب و1.08 في المئة في تونس – فإن عدد سكان الجزائر سيتجاوز 40 مليون نسمة بحلول العام 2020، حيث سيشكّل من هم أقل من 34 عاماً من العمر 68 في المئة من إجمالي السكان.5  كما أصبح السكان في الجزائر أكثر تعليماً، حيث يبلغ متوسط  سنوات الدراسة الآن سبع سنوات مقارنة بأقل من سنتين في العام 1980، 6 وأكثر تمديناً، حيث تعيش نسبة 72 في المئة من الجزائريين في المدن مقارنة مع 44 في المئة في أوائل ثمانينيات القرن المنصرم. وتزيد هذه العوامل من حجم التوقعات بالحصول على فرص العمل والسكن اللائق، ويمكن أن تؤدّي إلى موجة واسعة من السخط قد تسهم في حدوث اضطرابات اجتماعية.
 
ولد الجيل الجديد (من هم دون سنّ الثلاثين)، الذي يمثّل ثلثي مجموع السكان تقريباً، بعد الاستقلال في العام 1962، ولم يشهد أبناؤه الوجود الاستعماري الفرنسي مباشرة. ومع ذلك، فقد استمدّ جميع الرؤساء الجزائريين منذ الاستقلال معظم شرعيتهم من الكفاح ضد فرنسا. ويعترض أبناء هذا الجيل الجديد على هذا المصدر للشرعية، ويشيرون إلى فشل قادتهم على نحو أسهل بكثير مما فعل آباؤهم. إذ قاطع معظم الشباب ممن هم دون الثلاثين عاماً من العمر الانتخابات وهم لايثقون بالنظام السياسي مطلقاً. علاوة على ذلك، عندما يبلغ الأشخاص الذين ليست لديهم ذكريات شخصية من الحرب الأهلية الدموية الجزائرية في التسعينيات سن البلوغ، تضعف بعض الكوابح النفسية الحالية بشأن الدخول في مواجهة مباشرة مع الحكومة.
 
يقارن العديد من الشباب الجزائري أنفسهم بشباب الدول المجاورة الذين كانوا طلائع التغيير. وقد زادت العولمة والاطلاع على وسائل الإعلام العالمية من توقّعاتهم بشأن الحريات الفردية والكرامة والعدالة الاجتماعية. وكما هو الحال في بقية دول المنطقة، يعاني الشباب الجزائري أكثر من الكبار من ارتفاع معدّلات البطالة وعدم وجود فرص اقتصادية. فقد وصل معدّل البطالة في العام 2010 بين من تخرّجوا من الجامعات حديثاً إلى 30 في المئة، ويشكّل الشباب ثلاثة أرباع الجزائريين العاطلين عن العمل.
 
شهد العقد الأخير انخفاضاً في معدّل البطالة، لكنه ترافق مع رجحان متزايد في العمالة الناقصة والوظائف المؤقّتة وأنشطة القطاع غير الرسمي. كما انخفض معدّل البطالة الرسمي من 30 إلى 10 في المئة تقريباً على مدى العقد الماضي، وزادت حصّة الوظائف المؤقتة. كانت نسبة 50 في المئة من فرص العمل التي تم توفيرها خلال الفترة 2005-2010 مؤقّتة، مقارنة مع 30 في المئة من فرص العمل خلال التسعينيات، و20 في المئة بعد التسعينيات (انظر الشكل 1). وثمّة عاملان اثنان يمكن أن يساعدا في تفسير هذا التطور. الأول هو ظهور عدد كبير من المشروعات المتناهية الصغر والصغيرة (أقل من عشرة موظفين). والثاني هو تراجع دور الحكومة في خلق فرص العمل. فقد وفّر القطاع العام الجزائري (الحكومة والشركات المملوكة للدولة) ثلثي مجموع الوظائف حتى أوائل الثمانينيات. وعندما انخفضت هذه النسبة نتيجة التحوّل إلى اقتصاد السوق، وتقليص حجم العمالة في القطاع العام، اضطرّ عدد كبير من الباحثين عن عمل إلى خلق فرص عمل خاصة بهم أو إلى قبول وظائف مؤقّتة في القطاع غير الرسمي.
 
تجنّب النظام الجزائري حتى الآن مصير أنظمة أخرى سقطت بفعل أحداث الربيع العربي. بيد أنّه إذا لم تُعالَج المظالم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية في الجزائر، فقد تٌترجَم بسرعة إلى ثورات شعبية من شأنها أن تهدّد استقرار النظام.
 
غير أن التوظيف وحده لايمثّل ضماناً للرضا. فقد كشفت دراسة حديثة صادرة عن المكتب الوطني الجزائري للإحصاء أن ثلث العاملين يبحثون عن وظيفة أخرى إما لأن وظائفهم الحالية غير مستقرّة (ست من أصل عشر حالات) أو لأنهم يتقاضون أجوراً زهيدة (ثلاث من أصل عشر حالات).
 
تمثّل البطالة وسوء نوعية الوظائف أحد أوجه التهميش واليأس الذي تشعر به شريحة واسعة من الشباب الجزائري.
 
غالباً مايواجه الجزائريون الإقصاء السياسي، حيث تفتقر البلاد إلى وجود نظام سياسي مفتوح أو منظمات مجتمع مدني فعاّلة من شأنها ايصال معاناة المواطنين إلى الجهات المسؤولة. وكانت الجزائر اعتمدت نظام التعدّدية الحزبية رسمياً في أواخر ثمانينيات القرن الماضي. ومع ذلك، كان هذا النظام مجرّد واجهة، وفقاً لرئيس وزراء سابق، لأنه لم يضع حدّاً لهيمنة الجيش ولم يسمح بتداول السلطة عبر الانتخابات.7  ومع أنه كانت هناك حوالي 66 ألف جمعية مجتمع مدني في أوائل العقد المنصرم - بينها أكثر من 900 جمعية على المستوى الوطني – فلا يوجد هامش كبير للمناورة أمام المجتمع المدني، وهو يعاني من عدم الاستقلالية، ويتعرّض لضغوط سياسية عبر عمليات التمويل الانتقائي والترهيب. واليوم، تشكّل أقوى منظمات المجتمع المدني امتداداً لحزب جبهة التحرير الوطني المهيمن.8  أما الجمعيات الشعبية فهي ضعيفة ولاتستطيع ممارسة أي تأثير على النقاش العام أو عملية صنع القرار.
 
ثمّة ظاهرتان توضّحان انعدام إيمان الشباب الشديد بمستقبل البلاد: التضحية بالنفس والهجرة السرّية.
 
تفهم مسألة التضحية بالنفس في الجزائر إلى حدّ بعيد بوصفها ردّ فعل على "الحقرة"، أي الإهانة في اللهجة الجزائرية، وإقصاء سكان البلاد من الحياة السياسية والاقتصادية من جانب القلّة المحظوظة. ولاتوجد أرقام دقيقة عن حالات التضحية بالنفس في الجزائر. ومع ذلك، تشير تقارير متفرّقة إلى أكثر من اثنتي عشرة حالة منذ بداية العام 2011.
 
كما ارتفع عدد المهاجرين غير الشرعيين الذين يحاولون الفرار إلى فرنسا أو بلدان أخرى على ساحل البحر المتوسط إلى الشمال منذ أواخر التسعينيات.9  وفي إطار المحادثات التي أجرتها الجزائر مع الدول الأوروبية لمراقبة الحدود وتسهيل الحصول على التأشيرات، أصدر البرلمان الجزائري قانوناً في العام 2009 تتم بموجبه معاقبة أي مواطن أو مقيم أجنبي يغادر البلاد بطريقة احتيالية أو سريّة. وتتراوح العقوبة بين السجن من شهرين إلى ستة أشهر وغرامة تتراوح بين 250 و750 دولاراً. ورغم هذه التدابير والمخاطر التي تنطوي عليها الهجرة غير الشرعية، لايزال الكثيرون يغتنمون الفرصة للهجرة بدلاً من البقاء في البلاد. في العام 2010 وحده، طردت السلطات الإسبانية أكثر من 1400 جزائري دخلوا البلاد بطريقة غير شرعية.10 

احتدام التوتّر 

الجزائر لديها كل العوامل التي تضافرت لتأجيج الثورات الهائلة في دول الجوار، والتي لا يزال العديد منها مستمرّاً في أجزاء من العالم العربي حتى يومنا هذا. ومع ذلك، لم تندلع أي انتفاضة جزائرية مستدامة.
 
اندلعت الاحتجاجات في الجزائر في كانون الثاني/يناير 2011، في الوقت نفسه تقريباً الذي اندلعت فيه في تونس ومصر. لكن ردّ الحكومة كان سريعاً وأكثر فعّالية، في المدى القريب على الأقلّ، من ردّ الحكومات في البلدان المجاورة.
 
كان القرار الذي أصدرته الحكومة في شباط/فبراير 2011 والقاضي بإلغاء حالة الطوارئ يهدف إلى اعادة الهدوء وإظهار استعدادها للإصلاح. لكن وجود الشرطة في الشوارع ظل على حاله إلى حدّ كبير، واستمرّ الحظر المفروض على تنظيم المسيرات الاحتجاجية في العاصمة.
 
تمّ في أيار/مايو 2011 إطلاق لجنة وطنية للإصلاح السياسي،11  لكن تأثيرها لا يكاد يذكر. فقد اجتمعت اللجنة مع أكثر من 200 من رجال الدولة وأعضاء في الأحزاب السياسية وقادة من منظمات المجتمع المدني. ومع ذلك، فقد اقتصرت المشاركة على المقرّبين من النظام الذين لايتمتّعون بقدر كبير من المصداقية.12  وقاطع بعض المسؤولين البارزين السابقين والقادة السياسيين من أحزاب المعارضة الإسلامية والعلمانية واليسارية عملية التشاور، وانتقدها المتظاهرون والمعارضون لأنها لم تكن جامعة.13 
 
في الواقع، وبالرغم من الآمال المبكرّة التي كانت توحي بأن النظام قد يكون جادّاً في تعامله مع قضية الإصلاح السياسي، سرعان ما خلص معظم نشطاء المعارضة إلى أن العملية تهدف إلى كسب الوقت وتنفيذ إصلاحات شكلية فقط، في حين بقيت العناصر الرئيسة للحكم الاستبدادي. ولكن، ورغم خيبة الأمل الواسعة، لم تحدث أي انتفاضة.

التعامل مع الانتفاضات

إذا كان النظام الجزائري قد أفلت حتى الآن من ذلك النوع من الثورات التي أطاحت حكومات عدة أخرى في العالم العربي وتمكّن من التعامل مع الديناميكيات الداخلية، فليس مَرَدُّ ذلك بعض برامج الإصلاح السياسي المبتكرة التي ربما كانت سابقة لأوانها بطريقة حاذقة. بل يرجع ذلك إلى أربعة عوامل تتيح للنظام الجزائري الحفاظ على موقعه: فائض نقدي من موارد النفط والغاز، وهو الذي أتاح تقديم المنح المباشرة للسكان؛ وفشل المحتجين في الاتّفاق على مجموعة مشتركة من المظالم؛ ونجاح قوات الأمن في ترويض الاحتجاجات من دون تأجيج مشاعر الغضب إلى حدّ كبير، والذكريات السوداء للحرب الأهلية الجزائرية الأخيرة، الأمر الذي يجعل معظم السكان الذين تزيد أعمارهم عن عشرين عاماً ينأون بأنفسهم عن المواقف التي يحتمل أن تكون عنيفة.

منح سخية

استخدم النظام في الجزائر لفترة طويلة عائدات النفط لتمويل نظام التحويلات الاجتماعية السخيّة التي يستفيد منها كل جزائري تقريباً: الأسر والموظفون المدنيون والمحاربون القدامى والمشتركون في خدمات الغاز والكهرباء، وأصحاب السيارات والمزارعون والمستفيدون من مشاريع الإسكان العامة، والشباب العاطلون عن العمل، ورجال الأعمال، وشركات الاستيراد وشركات المقاولات العاملة في المشاريع العامة، والفنانون، وغيرهم من الفئات التي تستفيد بطريقة أو أخرى من الدعم الحكومي والتحويلات والريوع. وقد مكّن ذلك الحكومة من شراء ولاء قطاعات مختلفة من السكان وشكّل أساس شرعية النظام إلى حد كبير، خاصة أن الاحترام الذي كانت تحظى به جبهة التحرير الوطني في حقبة الاستقلال قد اضمحلّ مع مرور الوقت.
 
يعتبر قطاع النفط والغاز مفتاح هذه الاستراتيجية. فهو يوفّر للنظام السيولة التي لا تتحصّل من الضرائب التي يحتمل أن يشعر المواطنون بالاستياء إزاءها، والتي لاتخضع إلى لكثير من الرقابة.
 
في المتوسط، يصبّ ثلثا إيرادات صادرات النفط، أو مايقرب من ربع الناتج المحلي الإجمالي، مباشرة في الخزينة الوطنية.14  وعندما اجتاح الغضب الشعبي البلاد غداة اندلاع الثورات العربية الأخرى، استخدم النظام الكثير من هذه الاحتياطيات لتهدئة المواطنين الساخطين. في العام 2011، زادت الحكومة دعم المواد الغذائية وخفضت الرسوم الجمركية على المنتجات الغذائية المستوردة للحدّ من ارتفاع أسعار المواد الغذائية ومواجهة السخط الاجتماعي الواسع. تم توجيه الإنفاق إلى السلع الاستهلاكية الأساسية مثل القمح والسكر والحليب (ارتفع دعم الحليب إلى 50 في المئة).15  كما منحت الحكومة زيادات سخيّة في الأجور لموظفي الخدمة المدنية، وقدّمت دعماً نقدياً للمزارعين، وقروضاً بدون فائدة للشباب العاطلين عن العمل، وضخّت مبالغ مالية ضخمة في مشاريع البنية التحتيّة والإسكان.
 
كانت حصة إجمالي الإنفاق الحكومي في الناتج المحلي الإجمالي، والتي بلغت 40.8 في المئة خلال الفترة 2009-2012، أكبر بكثير في الجزائر مما هي عليه في مجموعات البلدان الأخرى في المنطقة، بما في ذلك البلدان المصدّرة للنفط في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا أو حتى البلدان الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي (انظر الشكل 2). في العام 2011، قفز الإنفاق الحكومي في الجزائر بنسبة 50 في المئة وزادت رواتب موظفي الخدمة المدنية بنسبة 46 في المئة.16 
 
تجنّب النظام الجزائري حتى الآن مصير أنظمة أخرى سقطت بفعل أحداث الربيع العربي. بيد أنّه إذا لم تُعالَج المظالم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية في الجزائر، فقد تٌترجَم بسرعة إلى ثورات شعبية من شأنها أن تهدّد استقرار النظام.
 
المصدر: حسابات الكاتب استناداً إلى تقرير صندوق النقد الدولي، "الآفاق الاقتصادية الإقليمية: منطقة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى"، تشرين الثاني/نوفمبر 2012
 
ملاحظة: تضم قائمة البلدان المصدرة للنفط في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كلاً من الجزائر والبحرين وإيران والعراق والكويت وليبيا وعمان وقطر والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة واليمن. وتشمل البلدان المستوردة للنفط كلاً من مصر والأردن ولبنان وموريتانيا والمغرب وسورية وتونس.
تفكّك المعارضة 
 
في كانون الثاني/يناير 2011 أسّست النقابات الجزائرية المستقلة، ومنظمات حقوق الإنسان وأحزاب المعارضة، وجمعيات الشباب تحالفاً خاصاً - التنسيقية الوطنية للتغيير الديموقراطي - بهدف الضغط من أجل التغيير عبر الاحتجاجات السلمية. ومع ذلك، ظهرت خلافات تكتيكية داخل التحالف بين منظمات حقوق الإنسان والنقابات العمالية من جهة والأحزاب السياسية من جهة أخرى. كانت نقطة الخلاف الرئيسة تتعلّق بما إذا كان يجب الاستمرار في المظاهرات رغم حظر النظام لها.17 
 
كانت هناك أيضاً خلافات بشأن عدم قدرة الأحزاب السياسية المعارضة على حشد الناس. فلا التجمع من أجل الثقافة والديموقراطية، وهو حزب علماني تأسس في العام 1989 ويعبّر بصورة رئيسة عن مظالم السكان البربر، ولا جبهة القوى الاشتراكية، وهو حزب علماني آخر يعارض دور الجيش المهيمنة في السياسة ويدعو إلى الحوار مع الإسلاميين المعتدلين، استطاعا أن يجمعا الجزائريين بنحو فعال.
 
ونتيجة لذلك، قامت نقابات العمال، مثل جمعيات عمال البترول، والعاملين في قطاع الصحة العامة والاتصالات والمهنيين في قطاع السلكية واللاسلكية، ورجال الإطفاء والبلدية وموظفي الخدمة المدنية، وكذلك الزعماء الدينيين والعاطلين عن العمل، بالاحتجاج بشكل منفصل للدفاع عن مصالحهم الخاصة.
 
فقدت الانتفاضات مزيداً من الزخم بعد الإعلان عن تقديم سلسلة من المنح، خاصة بعد الزيادة في أجور موظفي الخدمة المدنية والوعد الذي قطعه الرئيس في منتصف نيسان/أبريل بتعديل الدستور لتعزيز الديموقراطية التمثيلية في البلاد. وخلافاً لما حدث في المغرب المجاور، الذي صوّت على الدستور الجديد في تموز/يوليو 2011، لم يتم إلى الآن تنفيذ التعديلات الدستورية الموعودة في الجزائر. كل هذا يدلّ على أن تشتّت المعارضة وعدم وجود تحالف قوي مؤيّد للإصلاح قادر على تحدّي النظام لازالتا أهم عقبتين تواجهان الإصلاح السياسي الحقيقي.

جهاز أمني بارع 

خلافاً لما حدث في تونس المجاورة، واجه المتظاهرون أجهزة الأمن الجزائرية القوية والموالية والمدرّبة بشكل متطوّر على فنون السيطرة على الجمهور والتي لديها خبرة واسعة في التعامل مع الاضطرابات الاجتماعية. وقد اعتمدت شرطة مكافحة الشغب الجزائرية على عربات مكافحة الشغب ولم تستخدم الدبابات أو تطلق النار على الحشود، على عكس نظرائها في معظم البلدان الأخرى في المنطقة. كما حال تكتيكها الذي اعتمد على تقسيم المتظاهرين إلى مجموعات صغيرة دون ظهور أي شعور بالقوة ناجم عن التعبئة الجماهيرية. وتمكّنت الشرطة من إغلاق جميع نقاط الدخول إلى العاصمة وفرض طوق أمني حول الساحة الرئيسة في وسط الجزائر العاصمة. وفيما عدا عمليات الاعتقال والاحتجاز، لم تكن هناك خسائر ملحوظة من النوع الذي حدث في بلدان أخرى.
 
منذ منتصف التسعينيات، ضاعفت الجزائر حجم قواتها الأمنية أربع مرات، من 50 ألف شرطي في العام 1994 إلى حوالي 200 ألف شرطي في العام 2012. يحصل الضباط على رواتب مجزية، حيث يزيد الحدّ الأدنى لأجورهم بواقع 65 في المئة عن الحدّ الأدنى للأجور في جهاز الخدمة المدنية العامة (470 دولار مقارنة بـ 280 دولار شهرياً) ويتمتّعون بآفاق وظيفية جيدة، ما يجعل من غير المرجّح أن ينقلبوا على الحكومة. ويدعم الجيش الشعبي الوطني الجزائري أجهزة الشرطة، حيث يصل قوامه إلى ما يقرب من 140 ألف عضو نشط و100 ألف من الاحتياط، ولعب على الدوام دوراً رائداً في الشؤون السياسية للبلاد. وقد دعم الجيش جميع الرؤساء الجزائريين، وهو ما لعب دوراً كبيراً في الحفاظ على النظام.

صدمة التسعينيات

إن أهوال الحرب الأهلية الجزائرية، والتي قتل فيها 150 ألف شخص في مجازر مروّعة، ليست ببعيدة عن أذهان الجزائريين. فقد كانت الحرب الأهلية، التي جاءت في أعقاب ثورة سلمية شبيهة بالربيع العربي في أواخر الثمانينيات، بمثابة رادع قوي، جعل الكثير من الجزائريين يخافون من المطالبة بإجراء تغيير جذري رغم المظالم الاقتصادية والاجتماعية التي يعانون منها. ومع مرور الوقت تعزّزت الحكمة من ضبط النفس هذا بسبب فوضى التحوّلات الجارية في بلدان الربيع العربي المجاورة - تونس ومصر وليبيا - وبسبب عمليات سفك الدماء التي طال أمدها في سوريا.
 
لكن ارتفاع أعداد الشباب الساخطين ممن لم يشهدوا الحرب الأهلية بصورة شخصية يعني أن الذاكرة التاريخية قد لاتحول دون اندلاع أعمال عنف جديدة لفترة أطول. وبقدر ما أثبتت الحكومة الجزائرية ذكاءها وفطنتها في استغلال خوف الجزائريين من العنف غير المنضبط – وفي نشر قواتها الأمنية التي تمتلك الخبرة، ونزع فتيل التحدّي عن طريق توزيع الإعانات – فإن هذه الأعمال لاتشكّل حلّاً دائماً لمطالب السكان المتزايدة بإجراء تغييرات سياسية جوهرية. في أحسن الأحوال، اشترت هذه الإجراءات بعض الوقت للنظام. إذ سيعتمد شكل مستقبل الجزائر على نوع الفائدة التي تجنيها الحكومة من ذلك الوقت.

مواطن الضعف الكامنة في مقاربة الحكومة

ربما تمكّن النظام الجزائري من تأمين نوع من الاستقرار النسبي في الوقت الحالي، بيد أنه يواجه تحدّيات وشيكة تهدّد بعرقلة هذا النجاح. إذ لا يمكن لنظام إعادة التوزيع المدروس الذي تعتمد عليه الحكومة في كل شيء بدءاً من رواتب موظفي الخدمة المدنية وانتهاءً بالدعم المالي أن يستمرّ إلى ما لانهاية. في نهاية المطاف، سيؤدّي ضعف الاقتصاد الجزائري، والذي يعتمد بشكل مفرط على موارد النفط والغاز التي تستنفد بسرعة، إلى تعرية النظام أمام مطالب السكان الساخطين.

نظام إعادة التوزيع

على مدى السنوات الثلاث الماضية خصّصت الدولة، في المتوسط، ما يعادل ثلث الناتج المحلي الإجمالي لقطاعات مختلفة من السكان عبر قنوات إعادة التوزيع المختلفة. ويبين الشكل 3 الاتجاهات الرئيسة لعائدات النفط والغاز.
 
تجنّب النظام الجزائري حتى الآن مصير أنظمة أخرى سقطت بفعل أحداث الربيع العربي. بيد أنّه إذا لم تُعالَج المظالم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية في الجزائر، فقد تٌترجَم بسرعة إلى ثورات شعبية من شأنها أن تهدّد استقرار النظام.
المصدر: حسابات الكاتب استناداً إلى تقرير صندوق النقد الدولي، "الجزائر: مشاورات المادة الرابعة للعام 2011 (كانون الثاني/يناير 2012)، و"الجزائر: مشاورات المادة الرابعة للعام 2012 (شباط/فبراير 2013)، و"الجزائر: الملحق الإحصائي" (2012)
 
كان التوظيف في القطاع العام من بين أهم الوسائل التي لجأ إليها النظام لممارسة السيطرة السياسية والاجتماعية. تدفع الحكومة حالياً ما يعادل 12 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي في شكل أجور لموظفي القطاع العام، وهو مايمثّل 37 في المائة من الإنفاق الحكومي. وهناك أكثر من 2.7 مليون شخص يعملون في الخدمة المدنية، وهو ما يعادل 28 في المئة من القوة العاملة، مقارنة مع متوسط 18 في المائة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. على عكس مصر وتونس، حيث انخفضت القوة الشرائية لأجور العاملين في الخدمة المدنية بشكل حادّ منذ العام 2000، أتاحت إيرادات النفط في الجزائر للحكومة توفير زيادات في المعاشات في الإدارة العامة. في المتوسط، زاد الإنفاق على رواتب موظفي الخدمة المدنية بمعدل سنوي بلغ 25 في المئة بين عامي 2009 و2012 مقارنة مع 8 في المئة في تونس و6 في المئة في مصر.18 
 
ينفق النظام الجزائري أيضاً قدراً كبيراً من عائدات النفط والغاز على الإعانات. إذ يكلّف تأمين الضروريات الأساسية الحكومة، باستثناء النفط والغاز، مبلغ 3.8 مليار دولار سنوياً،19 أي مايعادل 6 في المائة من ميزانية الحكومة أو 2 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي. وعلاوة على ذلك، فإن الطاقة ذات الأسعار المنخفضة التي يتمتّع بها المستهلكون الجزائريون تكلّف الحكومة مايعادل 6.6 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي و20 في المئة من الإنفاق العام.20  وغالباً ما يتم تجاهل هذه التكلفة في الحسابات العامة، حيث لا تجري أي تحويلات حكومية صريحة. لكن شركة "سوناطراك" تبيع المنتجات البترولية في السوق المحلية بأقل كثيراً من الأسعار العالمية. فسعر البنزين العادي في الجزائر يمثّل نصف متوسط السعر في البلدان الأخرى المصدّرة للنفط، و28 في المائة من متوسط السعر في البلدان النامية، وما يقرب من ربع متوسط السعر في جميع أنحاء العالم، وأقلّ من ربع متوسط السعر في الأسواق العالمية (انظر الشكل 4). وهذا ينطوي على دعم ضمني من الحكومة للمستهلك النهائي لايظهر في سجلات شركة النفط الحكومية أو في الموازنة العامة للدولة. كان من الممكن أن تستخدم هذه الإيرادات من جانب الحكومة لتخفيض العجز في الميزانية، وزيادة الإنفاق في مجالات أكثر إنتاجية مثل البنية التحتية والتعليم والصحة، أو تقديم مدفوعات الرعاية الاجتماعية للفقراء.
 
تجنّب النظام الجزائري حتى الآن مصير أنظمة أخرى سقطت بفعل أحداث الربيع العربي. بيد أنّه إذا لم تُعالَج المظالم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية في الجزائر، فقد تٌترجَم بسرعة إلى ثورات شعبية من شأنها أن تهدّد استقرار النظام.
 
المصدر: ماسامي كوجيما، "التغييرات في أسعار المنتجات البترولية للمستخدم النهائي"، سلسلة الصناعات الاستخراجية والتنمية رقم 2، شباط/فبراير 2009.
 
يمثّل الإسكان عنصراً آخر من عناصر نظام إعادة التوزيع في الجزائر. في المتوسط، تبني الحكومة 175 ألف وحدة سكنية منخفضة التكلفة كل عام لتوفيرها للمواطنين الذين يقلّ دخلهم الشهري عن حوالي 320 دولارا.21  تمثّل مشاريع البناء هذه، والتي تنفذها العمالة الصينية إلى حدّ كبير، ما يقرب من 90 في المئة من المعروض السنوي للمساكن الجديدة وتكلّف 3.2 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي. وقد أمّنت هذه الاستثمارات الضخمة درجة من الولاء للنظام على المستوى الشعبي بين من حصلوا على السكن العمومي وبين النخب الذين حصلوا على عقود البناء المربحة. لكن التزام القطاع العام بتوفير السكن لم يكن كافياً، كما أن سوق الرهن العقاري غير المتطور يعني أن القدرة على تحمّل تكاليف الإسكان لا زالت تشكّل قضية هامة بالنسبة إلى ابناء الطبقة الوسطى.
 
تسعى الحكومة الجزائرية أيضاً إلى استخدام نظام إعادة التوزيع للتخفيف من حدّة البطالة بين الشباب. وهي تقدّم القروض الصغيرة لروّاد الأعمال الشباب لتعزيز التوظيف الذاتي من جانب الباحثين عن العمل. على النقيض من ذلك، لم تتح لأصحاب المشاريع الشباب في مصر وتونس سوى فرصة ضئيلة للحصول على التمويل اللازم لبدء مشاريعهم التجارية، وكان عليهم أن يعتمدوا بصورة أساسية على الشبكات الشخصية والموارد العائلية للحصول على رأس المال.
 
مع ذلك، فإن معظم المشاريع التي أنشئت في إطار آلية الدعم هذه صغيرة جداً وتصارع من أجل البقاء.22  وعادة ما تقام هذه المشاريع في القطاعات ذات القيمة المضافة المنخفضة، في الغالب قطاعات التجارة والنقل وخدمات الصيانة والإصلاح. كما أن الوظائف التي توفّرها غير مستقرة في الكثير من الأحيان وذات أجور زهيدة. وبعبارة أخرى، لم يسهم نظام القروض الصغيرة في الجزائر في التنويع الاقتصادي المستدام أو في إحداث خفض كبير في معدّلات البطالة.
 
وبطبيعة الحال، ازدهرت قلّة من كبار رجال الأعمال في الجزائر. لكن نجاحهم يساعد في توضيح أساليب عمل وحدود إستراتيجية النظام للإبقاء على قبضته على السلطة. فقد حقّق رجال الأعمال نجاحاتهم إما بسبب علاقاتهم الشخصية مع الأعضاء المتنفّذين في النظام (عسكريين أو مدنيين) أو لأنهم كانوا هم أنفسهم في موقع المسؤولية. في كلتا الحالتين، توفَّرت لهؤلاء حرية الوصول إلى مصادر التمويل والعقود وتمتّعوا بمواقع احتكارية أو شبه احتكارية في أسواقهم ومجالات عملهم في مقابل الولاء والرشاوى التي دفعوها إلى سلسلة القيادة. وبدافع من المصلحة الذاتية، تقاوم هذه النخبة من رجال الأعمال أي إصلاحات من شأنها أن تفتح الاقتصاد أمام ريادة الأعمال والمنافسة.
 
تبدو هذه المحسوبية واضحة بصورة خاصة في قطاع البناء. في العادة، لا تحصل سوى حفنة من الشركات الصينية والبرتغالية والإسبانية،23  بالمشاركة مع الشركات المحلية التي يملكها جنرالات متقاعدون وأفراد من أسر مسؤولي النظام، على عقود مشاريع الأشغال العامة. وهذا يؤدّي إلى إغلاق السوق أمام الشركات أخرى، ويقلّل من فرص العمل، ويسهل شفط أموال الاستثمار عبر الفساد، ويقلّص قدرة المنافسة على خفض الأسعار. علاوة على ذلك، يتم جلب معظم العمال غير المهرة إلى مشاريع الإسكان الحالية من الصين، وهو ما يعدّ سبباً للتوتّر مع الشباب العاطلين عن العمل.
 
ونظراً إلى أهمية هذه النخبة من رجال الأعمال ذوي الصلات الجيدة في الحفاظ على قوة النظام السياسي، لم تكن الحكومة ترغب في تحدّي دورهم المهيمن في الاقتصاد. ففي مقابلة تلفزيونية بُثَّت يوم 2 حزيران/يونيو، 2012، اعترف رئيس الوزراء آنذاك أحمد أويحيى بأن تحدّي جماعات الضغط هذه قد يهدّد استقرار البلاد.24 
 
رغم أن هذه المقاربة تحمي النظام على المدى القصير، إلا أنها تضرّ بالآفاق الاقتصادية للجزائر على المدى الطويل، وبالتالي تزرع بذور اضطرابات اجتماعية أكثر حدّة في المستقبل. حتى اليوم، ورغم الحجم الواسع لنظام إعادة التوزيع، يعاني جزء كبير من السكان من مشاكل اجتماعية واقتصادية حادّة، ومن الآثار المباشرة لتفشّي الفساد، وسوء توفير الخدمات العامة (بما في ذلك التعليم والرعاية الصحية والعدالة الفعّالة، والسكن الملائم بأسعار معقولة)، وعدم وجود فرص اقتصادية حقيقية.25 
 
وبالإضافة إلى ذلك، تفتقر الجزائر إلى وجود نظام مؤسّسي شامل للحماية الاجتماعية. إذ لايستفيد سوى نصف القوة العاملة في الجزائر من الحماية الاجتماعية، وهؤلاء هم أساساً من موظفي الخدمة المدنية والعاملين في الصناعات الاستخراجية. وعلى العكس منذ ذلك، فإن معظم الجزائريين الذين يعملون في قطاع الزراعة (84 في المائة)، والبناء (78 في المائة)، والتجارة (71 في المائة) لا يتلقّون أي إعانات في مجال البطالة أو الصحة.

نقاط الضعف الاقتصادية الهيكلية

تمتلك الجزائر ثالث أكبر احتياطي نفطي في أفريقيا، حيث تقدّر الاحتياطيات النفطية المؤكّدة بحوالي 12.2 مليار برميل. وهي تأتي بعد ليبيا ونيجيريا اللتان تمتلكان 47.1 و 37.2 مليار برميل على التوالي. ومع ذلك، انخفض حجم إنتاج النفط والغاز في الجزائر بنسبة 20 في المئة خلال السنوات الخمس الماضية إلى حدّ كبير بسبب شروط التعاقد غير الجذابة التي تفرضها الحكومة على الشركات الأجنبية، كجزء من محاولة الجزائر للاحتفاظ بالسيطرة الوطنية على مواردها. ونظراً إلى الدور الحاسم الذي تلعبه إيرادات النفط والغاز في الاستقرار السياسي للنظام، فقد أحجمت الحكومة الجزائرية عن اتّخاذ خطوات من شأنها المساعدة في تحديث هذا القطاع من خلال فتحه أمام الاستثمار الخارجي لأن من شأن هذه السياسة أن تحدّ من السيطرة المباشرة للحكومة.
 
ينظّم قانون صدر في العام 2005 ومرسوم رئاسي صدر في العام 2006 صناعة النفط والغاز في الجزائر. وقد أعطى القانون الشركات العالمية الملكية الكاملة لمشاريع النفط والغاز وأعطى سوناطراك الخيار للحصول على نسبة مشاركة بين 20-30 في المئة، وذلك تمشّياً مع الأعراف الدولية. ومع ذلك، نصّ المرسوم الرئاسي لعام 2006 على أنه لايمكن للشركات العالمية القيام بأنشطة استكشاف واستغلال النفط والغاز إلا بالشراكة مع سوناطراك، التي يجب أن تملك نسبة 51 في المئة من أي مشروع. وقد أدّى رفض الجزائر مشاركة الشركات العالمية إلى نقص الإنتاج ومحدودية الاكتشافات النفطية الجديدة. ورغم أن البلاد بدأت جولات من العطاءات لزيادة الطاقة الإنتاجية للنفط والغاز،26  فقد وجدت الشركات الأجنبية أن الأنظمة التي تحكم الاستثمارات المحتملة مرهقة.
 
كما فرض المرسوم الرئاسي ضريبة أعلى على الأرباح غير المتوقّعة بدءاً من 1 آب/أغسطس 2006. تستند هذه الضريبة على حصة الإنتاج المخصصة للشركة العالمية عندما يتجاوز سعر خام برنت 30 دولاراً للبرميل، ويتراوح معدل الضريبة من حدّ أدنى يبلغ 5 في المئة إلى حدّ أقصى يبلغ 50 في المئة، اعتماداً على إجمالي الإنتاج. وقد خفضت الضريبة ربحية العمليات التي تقوم بها الشركات بشكل ملحوظ.
 
في كانون الثاني/يناير 2013، قدّم البرلمان الجزائري عدداً من التعديلات على الإطار القانوني القائم الذي ينظّم صناعة النفط والغاز في البلاد. لاتغيّر التعديلات البند الذي يحدّد مشاركة الشركات النفطية العالمية بنسبة 49 في المئة من المشاريع المشتركة مع سوناطراك، وهي لاتتعلّق بالضرائب غير المتوقّعة على الأرباح. وهذا يجعل الجزائر، جنباً إلى جنب مع الأنظمة الأخرى الخاصة بالاستثمار وعدم الاستقرار التنظيمي العام وتفشّي الفساد على نطاق واسع في البلاد، مكاناً غير جذّاب لممارسة الأعمال التجارية. وقد تزايدت المخاوف الأمنية مع أزمة الرهائن الأخيرة في حقل غاز "عين أميناس" في جنوب البلاد، والتي من المتوقع أن تتسبّب بمزيد من الضرر لجاذبية الجزائر.
 
في الوقت نفسه، ارتفع حجم الاستهلاك المحلي من النفط والغاز من 26 في المائة من الإنتاج في العام 2005 إلى 40 في المائة في العام 2010. وقد ساهمت ثلاثة عوامل في هذا الاتّجاه: تزايد عدد السكان، والزيادة غير المسبوقة في استيراد السيارات على مدى السنوات الثلاث السابقة، والانخفاض المصطنع في أسعار الوقود المحلّية بفضل الدعم الحكومي الكبير. وقد زادت حصة الاستهلاك المحلي من الغاز الطبيعي من 19 في المئة من الإنتاج في العام 2005 إلى 29 في المائة في العام 2010.
 
كان للارتفاع الكبير في الاستهلاك المحلي للطاقة، إلى جانب انخفاض الإنتاج، تأثير كبير على فائض الحساب الجاري في الجزائر، والذي انخفض بالفعل بنسبة 50 في المئة في السنوات الخمس الماضية. وارتفع إجمالي فائض الحساب الجاري في البلدان العربية المصدرة للنفط بنسبة 70 في المئة خلال الفترة نفسها.
 
من المرجّح أن تؤدّي هذه العوامل، مجتمعة، إلى تقليص عائدات التصدير، ما سيضطرّ الحكومة في نهاية المطاف إلى خفض الإنفاق العام للسيطرة على عجز الميزانية. في الواقع، قد يتفجّر صمام الأمان هذا في وقت أقرب مما تتوقّع الحكومة الجزائرية حالياً. فقد أشارت دراسة صدرت في العام 2008 عن معهد "تشاتام هاوس" إلى أنه لن يكون لدى الجزائر نفط متاح للتصدير بعد العام 2023.27  وتقول دراسة أحدث إن من المرجّح أنه لن يعود لدى الجزائر نفط لكي تصدّره بين عامي 2018 و2020. 28 وتحذر الدراسة نفسها من أنه من دون اكتشاف احتياطيات نفطية جديدة، قد تفقد البلاد مكانتها كمنتج للنفط بحلول العام 2026.
 
قد تكون التوقّعات أكثر بؤساً إذا ما وضع المرء في اعتباره احتمال أن تنخفض أسعار الغاز في المدى الطويل بسبب ظهور مصادر جديدة غير تقليدية للطاقة. إذ يمثّل الغاز الطبيعي نحو 50 في المئة من صادرات النفط والغاز في الجزائر.29  ورغم أن خطوط الأنابيب التي تربط الجزائر وأوروبا تؤمّن وجهات تصدير ثابتة بموجب عقود طويلة الأجل تتم جدولتها وفقاً لأسعار النفط، ومشتريات مضمونة في الحدّ الأدنى، تتوقّع وكالة الطاقة الدولية أن يؤدّي تطوير إنتاج الغاز الصخري في القارة الأوروبية إلى خفض الطلب على واردات الغاز من خارج بلدان الاتحاد الأوروبي في السنوات المقبلة.30  ومن شأن هذا أن يؤثّر بصورة سلبية كبيرة على التوازنات الاقتصادية الكلية للجزائر من خلال تراجع بنسبة 4-5 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي في الرصيد المالي و6-7،5 في المائة في ميزان الحساب الجاري بحلول العام 2015. 31
 
على سبيل القياس التاريخي، يبدو من سوء الطالع أن انخفاض أسعار النفط العالمية في أواسط الثمانينيات قد ساهم بشكل كبير في الربيع العربي المبكّر في الجزائر، والاحتجاجات الشعبية في العام 1988، وانهيار العلاقة بين الدولة والمجتمع الجزائري. في ذلك الوقت، فقدت الحكومة القدرة المالية على الاستفادة من عائدات النفط والغاز لامتصاص مشاعر الاستياء الاجتماعية والسياسية المتزايدة في البلاد. والفشل في استخدام الموارد المتاحة اليوم لتطوير أنشطة اقتصادية تنافسية خارج قطاع الطاقة يعرّض الجزائر إلى مخاطر جسيمة مستقبلاً.
 
ارتفع حجم الإنفاق العام في الجزائر إلى حدّ كبير منذ اندلاع الانتفاضات العربية، ما أرغمها على رفع سعر التعادل المالي للنفط، أو سعر النفط المطلوب لتحقيق التوازن في ميزانية الحكومة. ارتفع سعر التعادل بصورة تصاعدية من حوالي 73 دولاراً للبرميل في العام 2008 إلى ما يزيد على 110 دولارات للبرميل في العام 2012 (انظر الشكل 5).32  وبما أن متوسط سعر النفط يحوم حول 100 دولار للبرميل، فإن الحكومة تستغل صندوق الثروة السيادية في البلاد، والمعروف باسم صندوق ضبط الإيرادات، للحفاظ على الوتيرة الحالية للإنفاق.33  ويجمع الصندوق، و هو حساب فرعي للحكومة في البنك المركزي، فوائض الضرائب على النفط التي يتم حسابها على أساس الفرق بين سعر النفط في السوق الدولية، والسعر المرجعي البالغ 37 دولاراً للبرميل. وتحوّل الحكومة أي فائض إلى الصندوق، وتسحب منه لتمويل العجز في الميزانية في حال لم تكن عائدات الضرائب على النفط كافية.
 
كان الصندوق يهدف في البداية إلى خفض ديون الجزائر الخارجية. وعندما تم دفع الديون الخارجية بالكامل تقريباً بحلول العام 2006، 34 أصبح الغرض الرئيسي من الصندوق منذ ذلك الحين هو دعم التمويل الحكومي المحلي لبرامج الاستثمار العام في إطار خطط خمسية للفترة 2005-2009 و2010-2014. ومع ذلك، يستخدم الصندوق بشكل متزايد لمواكبة الزيادة في الإنفاق الجاري. كما يجري استنفاده بسرعة. وتظهر تقديرات صندوق النقد الدولي الأكثر تفاؤلاً أن صندوق ضبط الإيرادات قد يمثّل بحلول العام 2016 أقلّ من 16 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، أي نصف مستوى العام 2010. وفي ظل سيناريو بديل لانخفاض الأسعار العالمية، قد ينخفض الصندوق إلى 4 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي بحلول العام 2016، ما يوجب تمويل العجز المالي عن طريق زيادة الاقتراض الحكومي. 35
 
تجنّب النظام الجزائري حتى الآن مصير أنظمة أخرى سقطت بفعل أحداث الربيع العربي. بيد أنّه إذا لم تُعالَج المظالم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية في الجزائر، فقد تٌترجَم بسرعة إلى ثورات شعبية من شأنها أن تهدّد استقرار النظام.
 
المصدر: استناداً إلى بيانات صندوق النقد الدولي وحسابات الكاتب
 
عموماً، لايزال اقتصاد الجزائر شديد الاعتماد على قطاع النفط والغاز الذي يتضاءل باستمرار، حتى بالمقارنة مع منتجي النفط الآخرين في المنطقة. ويعدّ اقتصاد الجزائر واحداً من أقل الاقتصادات تنوّعاً. إذ يساهم القطاع الزراعي بنسبة 8 فقط من الناتج المحلي الإجمالي، فيما يساهم قطاع الصناعات التحويلية بنسبة 5 في المئة. وهناك قطاعات قليلة فقط، مثل البناء والأشغال العامة، الى جانب الطلب الناجم عن وجود إدارة عامة كبيرة تسهم في النمو الاقتصادي في الجزائر. ويتم تحفيز هذا الطلب من خلال ريع النفط والغاز. وقد تفاقم هذا النقص في التنويع الاقتصادي أكثر في السنوات الأخيرة. إذ تكشف البيانات التي أصدرها في العام 2011 وزير الصناعة والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة الحجم أنه كان في الجزائر أقل من 50 شركة للتصدير في العام 2010، مقارنة مع 280 شركة في أوائل الثمانينيات.
 
وقد فاقم واضعو السياسات هذا الاتجاه مؤخّراً عن طريق التراجع عن سياسات التحرير الاقتصادي التي تم تنفيذها في السابق، أو إعادة التفاوض بشأن الالتزامات الدولية بهدف حماية مصالح أقلّية من طالبي الريع. على سبيل المثال، قرّرت السلطات الجزائرية إطلاق جولة جديدة من المفاوضات مع الاتحاد الأوروبي لتأجيل تنفيذ اتفاق متّفق عليه للتجارة الحرة من 2017 حتي 2020. وثمّة مثال آخر هو قرار تأجيل عملية انضمام الجزائر إلى منظمة التجارة العالمية لحماية قلّة غير فعّالة من المنتجين المحليين من المنافسة الأجنبية. كما أدخلت الحكومة قيوداً جديدة على الاستثمار الأجنبي المباشر في العام 2009، وفرضت حدّاً أعلى للملكية الأجنبية بواقع  49 في المائة في أي مشروع استثمار أجنبي مباشر جديد. 36
 
على الرغم من سوقها الذي يضم 37 مليون مستهلك، فإن ضعف البيئة التجارية الجزائرية وعدم استقرار القوانين واللوائح الخاصة بالاستثمار يجعلها إلى حدّ ما غير جذابة للمستثمرين الأجانب. إذ تعاني معظم الشركات الخاصة الصغيرة والمتوسطة الحجم من حواجز الدخول ومحدودية الوصول إلى التمويل المقدم من البنوك، والبيئة القانونية العدائية أمام المنافسة. ونتيجة لذلك، يتم ثني المستثمرين المحليين والأجانب عن إطلاق المشاريع الصناعية والخدمات التي يمكن أن تعزّز الاقتصاد الجزائري وتحسّن قدرته التنافسية. ووفقاً لتقرير البنك الدولي "ممارسة أنشطة الأعمال" لعام 2012 ، الذي يصنّف الدول على أساس سهولة القيام بالأعمال معها، تحتل الجزائر المرتبة 148 من 183 دولة - خلف معظم بلدان الشرق الأوسط وشمال أفريقيا  37– وتفشل في تحقيق أي تقدم. (انظر الشكل 6).
 
تجنّب النظام الجزائري حتى الآن مصير أنظمة أخرى سقطت بفعل أحداث الربيع العربي. بيد أنّه إذا لم تُعالَج المظالم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية في الجزائر، فقد تٌترجَم بسرعة إلى ثورات شعبية من شأنها أن تهدّد استقرار النظام.
المصدر: البنك الدولي، تقرير ممارسة أنشطة الأعمال (2012)، "لمحة موجزة عن الاقتصاد: الجزائر"
 
بيئة الاعمال غير الجذابة هذه أدت الى عرقلة النمو الاقتصادي في البلاد. ورغم أن حجم الاستثمار العام بلغ أكثر من ضعفي نظيره في الدول المجاورة مثل المغرب وتونس على مدى السنوات الست الماضية، لم تحقق الجزائر المستوى نفسه من النمو الاقتصادي الذي حققه جيرانها. في الواقع، وبالمقارنة مع عينة من الدول في الشرق الأوسط وأفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية، تظهر الجزائر بوصفها نموذجاً معزولاً وناشزاً حيث تجمع بين مستوى مرتفع من الإنفاق العام بشكل غير طبيعي ونمو اقتصادي متواضع (انظر الشكل 7).
 
تجنّب النظام الجزائري حتى الآن مصير أنظمة أخرى سقطت بفعل أحداث الربيع العربي. بيد أنّه إذا لم تُعالَج المظالم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية في الجزائر، فقد تٌترجَم بسرعة إلى ثورات شعبية من شأنها أن تهدّد استقرار النظام.  
 
المصدر: حسابات الكاتب استناداً إلى مؤشرات البنك الدولي،
http://data.worldbank.org/indicator
 
ويمكن أن تعزى هذه النتائج السيئة إلى إطار السياسات الضعيف الذي يوجه الاستثمار العام في الجزائر. ويرجع ذلك جزئياً إلى حقيقة أن الإنفاق العام يهدف إلى شراء الولاء، وليس إلى تعزيز الاقتصاد، حيث لا تخضع العديد من المشاريع إلى أي تحليل اقتصادي، كما أن علاقتها بالأهداف الإستراتيجية لا تكاد تذكر. ولأن صناع القرار الذين تُقدَّم لهم عائدات النفط يميلون إلى تجاهل الكفاءة وتحليل التكلفة والعائد – ولأن العقود نفسها تتضمن في كثير من الأحيان عمليات فاسدة منها التزوير واختلاس الأموال - إلى درجة تجاوز تكاليف المشاريع المستويات المعقولة بصورة منتظمة.
 
عادة ما تتداخل المسؤولية عن فعّالية مشروع ما بين هيئات وأحزاب متعدّدة في 25 لجنة وزارية و48 لجنة بلدية، والتي يعاني الكثير منها من مشاكل مؤسّسية وإدارية. في معظم الوقت، يستمر تنفيذ المشاريع لفترة أطول مما هو مقرّر، وتترك العديد من المشاريع من دون أن تكتمل، في حين لايمكن استغلال مشاريع أخرى بالفعل بسبب تكرار نقص الموارد.38  كما أن عمليات الرصد والرقابة إما ضعيفة وغير فعّالة أو غير موجودة أصلاً. وثمّة مثال شديد الوضوح عن أوجه القصور هذه يتمثّل في أنه من أصل الميزانية البالغة 286 مليار دولار التي اعتمدتها الحكومة للاستثمار العام خلال الخطة الخمسية الحالية، تم وضع مبلغ 130 مليار دولار جانباً لدفع تكاليف إنجاز المشاريع التي لم تكتمل والتي كانت قد أطلقت في إطار الخطة الخمسية السابقة. 39
 
والآن، ليس هناك تخطيط اقتصادي جدّي لتوجيه الإنفاق العام على نحو يهدف إلى توسيع وتنويع القطاع الخاص في الجزائر، وتعزيز التعليم واكتساب مهارات قابلة للتسويق، أو التخفيف من الصدمة التي تقترب بسرعة والناجمة عن نهاية الطفرة النفطية في الجزائر.

الاستنتاجات والآفاق المستقبلية

قد تكون الانتخابات الرئاسية المقرّرة في العام 2014 نقطة تحوّل بالنسبة إلى الجزائر. فربما يظهر جيل جديد من القيادة المدنية والعسكرية يعمل على وقف احتكار الحكم من قبل الجيل الذي قاد حرب التحرير في الجزائر. 40 لكن، حتى انتخاب رئيس جديد وأصغر سنّاً لن تنجح  قيادة عملية انتقال حقيقية ما لم تقترن بتغييرات في عمليات اتخاذ القرارات أو دور الجيش والأجهزة الأمنية في الحياة السياسية. وللحيلولة دون انهيار أو تغيير النظام بالقوة، فإن الجزائر بحاجة إلى إجراء إصلاحات سياسية واقتصادية عميقة تفضي إلى توسع اقتصادي مستدام وعادل، وزيادة مشاركة الجمهور في السياسة، ومساءلة فعلية للزعماء السياسيين.

الإصلاحات السياسية والإدارية 

رغم أن البرلمان وافق على قوانين تهدف إلى تعديل عدد من جوانب العملية السياسية في الجزائر في أوائل العام 2012، 41 فقد أخفقت تلك القوانين في انطلاق عملية تحوّل ديموقراطي حقيقية. 42 سمحت هذه القوانين بقيام أحزاب سياسية جديدة، وزادت عدد مقاعد البرلمان الجزائري، وحدّدت حصة المرأة فيه. 43 لكن هذه الخطوات، ورغم النوايا الإيجابية التي تقف وراءها، فشلت في إحداث تحوّل ذي جدوى في العملية السياسية.
 
لاتزال جبهة التحرير الوطني الجزائرية تهيمن على الحياة السياسية، ولاتزال مشاعر انعدام الثقة مرتفعة للغاية بين شرائح واسعة من السكان. وقد تم إطلاق وعود بإجراء إصلاحات أخرى، مثل الإصلاحات الدستورية الأكثر هيكلية التي تحدّ من عدد المرات التي يسمح فيها بتولي منصب الرئاسة أو زيادة صلاحيات رئيس الوزراء الذي ينتخبه البرلمان بدلاً من أن يكون معيَّناً لكنها لم تنفَّذ بعد. علاوة على ذلك، لم يتم وضع أي من هذه الإصلاحات بالتشاور مع مجموعة مختارة وشاملة من الجزائريين.
 
تهمل القوانين الجديدة أيضاً جوانب رئيسة وحسّاسة مثل دور الأجهزة الأمنية في الشؤون السياسية، والرقابة المدنية الحقيقية على الميزانيات والأنشطة العسكرية، والإشراف المستقلّ على عائدات النفط.
 
سيتطلّب الانتقال نحو جزائر أكثر عدالة وشمولاً وجود مجتمع مدني ملتزم، بما في ذلك وسائل إعلام مهنيّة ومستقلة، يمكنها إيصال أصوات الفئات الاجتماعية المختلفة، وتوفير قدر من الرقابة العامة، والدعوة إلى التغيير.

الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية

ينبغي على الحكومة التركيز على تبسيط الإجراءات الإدارية المعقّدة التي تعرقل بدء الأعمال التجارية وتحسين البنية التحتية في إطار برنامج طموح لتشجيع التنويع الاقتصادي في الجزائر. وتحتاج الحكومة أيضاً إلى اصلاح البنوك المملوكة للدولة، التي تمثّل 90 في المئة من أصول القطاع المصرفي. إذ إن عدم وجود نظام إبلاغ موثوق عن عمليات الإقراض في الجزائر، مقارنة مع جيرانها، يؤدّي إلى ظهور معدّلات أعلى من القروض المتعثّرة، ويجعل البنوك تتردّد في إقراض الأموال، ويقيّد حصول الشركات على التمويل اللازم. ولذا يجب على السلطات الجزائرية إعادة النظر في النظام القضائي والإداري لإنفاذ العقود التجارية بهدف جعله فعّالاً وفي مأمن من التدخّلات السياسية.
 
وفي الوقت نفسه، ينبغي توجيه الإنفاق العام المخصّص لدعم الاستهلاك المحلي من المواد الغذائية الأساسية والوقود للفقراء لضمان أن يستفيد من هذه البرامج الجزائريون الذين هم في أشدّ الحاجة إليها. فنظام الدعم الشامل الحالي للمواد الغذائية والوقود مكلف وغير فعّال، حيث تذهب معظم فوائده إلى من هم ليسوا بحاجة إلى المساعدة.
 
ينبغي على السلطات إعادة توازن الإنفاق الحكومي وتوجيهه إلى القطاعات ذات الأولوية العالية مثل التعليم والرعاية الصحية. إذ يعاني كلا القطاعين من نقص في التمويل، وهما غير مهيأين لتلبية متطلّبات الأسر الجزائرية. وعلى صنّاع القرار ضمان حصول الجميع على التعليم الابتدائي في المناطق الريفية وفي أوساط الفقراء في الأحياء الفقيرة بالمدن، وتزويد المدارس والجامعات الحكومية بالتجهيزات الحديثة، وإعادة توازن الإنفاق على التعليم، والذي يذهب الآن بشكل حصري تقريباً إلى الأجور والتكاليف التشغيلية، وتوجيهه نحو البنية التحتية والتجهيزات.
 
كل هذه التغييرات في حاجة إلى الحماية بواسطة أنظمة رقابية تضمن وجود قدر أكبر من الشفافية في الحسابات العامة وإدارة مالية قائمة على النتائج.

الطريق إلى الإصلاح

ينطوي مثل هذا البرنامج على مخاطر سياسية حادّة قصيرة الأجل. إذ ستؤدّي شفافية الحسابات العامة، والتدابير المتّخذة لمكافحة الفساد، واستقلال القضاء، وحرية الصحافة، والتنويع الاقتصادي، والمنافسة في السوق، وإعادة تخصيص الإعانات، إلى تقليص فرص الحصول على الريع وتعرقل مصالح أصحاب النزعة الريعية. فهؤلاء هم الحلفاء المقرّبون من النظام ويشكّلون قاعدته الاجتماعية والسياسية.
 
حتى الآن، أعاق ضعف الأحزاب السياسية، والانقسامات التي تعاني منها المنظمات المهنية، وعدم وجود مؤسّسات مجتمع مدني، ظهور تحالف واسع مؤيّد للإصلاح قادر على تحدّي النظام والضغط من أجل وضع أجندة إصلاح بعيدة المدى. ونتيجة لذلك، ليس لدى حكام الجزائر حوافز مباشرة تُذكر لإطلاق هذه الإصلاحات الاقتصادية أو السياسية الجدّية.
 
ولعلّ من مصلحة الاستقرار الإقليمي طويل الأجل ألا ينخدع شركاء الجزائر الدوليون الرئيسيون - الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وروسيا والصين وتركيا وبلدان أخرى – بالمظهر الحالي الكاذب للاستقرار في الجزائر، أو أن يتلهّوا بالتركيز على المدى القصير على مكافحة الإرهاب. 
 
فهؤلاء الشركاء، مجتمعين، لهم دور رئيس في مساعدة القيادة الجزائرية على تفهم حقيقة أن الطريقة الوحيدة للاحتفاظ بالسلطة هي تقاسمها. ونظراً لمساحة الجزائر الكبيرة - أكثر من أربعة أضعاف مساحة فرنسا - وعدد سكانها الكبير، وموقعها الإستراتيجي في قلب المغرب العربي والدول الهشّة المجاورة في منطقة الساحل، وتاريخها الحديث المضطرب، فإن لدى شركاء الجزائر مصلحة كبيرة في تجنّب حدوث فوضى فيها من خلال التشجيع على إجراء إصلاحات سياسية واقتصادية حقيقية و منظّمة.
 
إن الوقت يمر. وإذا لم يبدأ النظام بالسير في طريق الإصلاح السياسي والاقتصادي الموجّه في وقت قريب، في الوقت الذي يمتلك فيه كماً كبيراً من ريع النفط والغاز، فسيفوت أوان الإصلاح بسرعة. وتواجه الجزائر خياراً قاسياً: إما أن تقوم بعملية الإصلاح الآن أو تنهار في وقت لاحق.

نبذة عن الكاتب

الحسن عاشي هو باحث رئيس غير مقيم  في مركز كارنيغي للشرق الأوسط في بيروت. وهو خبير اقتصادي في التنمية والاقتصاديات المؤسّسية والتجارة والعمل. تتركّز أبحاثه على منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
 
شغل عاشي بين العامين 2004 و2009 منصب أستاذ في المعهد الوطني للإحصاء والاقتصاد التطبيقي في المغرب، حيث درّس اقتصاديات التنمية والاقتصاديات الدولية، وكان قد شغل قبيل ذلك منصب باحث في الجامعة الحرة في بروكسل، وأستاذ زائر في برنامج الماجستير الدولي المشترك بين الجامعة الحرة وجامعة نامور. كما سبق لعاشي أن عمل مستشاراً في البنك الدولي، وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، واللجنة الاقتصادية لأفريقيا.  وعاشي هو أيضاً باحث في منتدى البحوث الاقتصادية ERF، وعضو في مجلس إدارة المنتدى الأورومتوسطي لمعاهد العلوم الاقتصادية FEMISE.

 أودّ أن أنوّه بجهود غيوم نيكيز وكلارا كابيلي ووليام بروك على مساعدتهم الممتازة في عملية البحث. والشكر موصول أيضاً إلى بول سالم وسارة تشايس على تعليقاتهما واقتراحاتهما بشأن نسخة سابقة من الورقة.
 

هوامش:

  1. John Mitchell, Paul Stevens, and Elisa Cassinadri, “Resource Depletion, Dependence and Development: Algeria,” Chatham House, 2008. A recent report by the Algerian Electric and Gas Regulatory Commission revealed that the country may not be able to meet domestic demand by 2020, despite its reserves.

  2. Freedom House, “Algeria,” Countries at the Crossroads (New York: Freedom House, 2011).

  3. World Economic Forum, Global Competitiveness Report: 2012–2013 (Geneva: World Economic Forum, 2012).

  4. “Global Integrity Report,” Algeria, 2009, http://report.globalintegrity.org/Algeria/2009.

  5. حسابات الكاتب استنادا إلى المكتب الوطني الجزائري للإحصاء. 
     
  6. Based on UNDP data, http://hdrstats.undp.org.

  7. Ahmed Benbitour,"Une révolution en attente de son accomplissement: le multipartisme de façade" (Revolution in the making:  opinion editorial, Facade Multipartism), Liberté

  8. Louisa Dris-Aït Hamadouche and Yahia H. Zoubir, “Power and Opposition in Algeria: Toward a Protracted Transition?” in L’année du Maghreb (Paris: CNRS editions, 2009).

  9. لسوء الحظ ليست هناك إحصاءات دقيقة بشأن الظاهرة. لكن موقع http://elharraga.wordpress.com  يورد وبصورة منتظمة أخباراً عن حالات الهجرة السرية من الجزائر إلى أوروبا.

  10. للمزيد من التفاصيل انظر: http://elharraga.wordpress.com

  11. اللجنة معروفة أيضاً باسم "لجنة بن صالح – تواتي – بوغازي".

  12. يرأس اللجنة رئيس مجلس الشيوخ عبدالقادر بن صالح، ويشارك في رئاستها الجنرال محمد تواتي ومستشار الرئيس علي بوغازي. ويمثل الثلاثة الأجنحة الثلاثة المهيمنة في النظام الحاكم.

  13. Abdelkader Cheref, “Algerian ‘Reforms’ Are All Smoke, But No Real Substance,” National, July 1, 2011,
     
    www.thenational.ae/thenationalconversation/comment/algerian-reforms-are-all-smoke-but-no-real-substance.

  14. International Monetary Fund, “Algeria: 2011 Article IV Consultation—Staff Report,” 2012.

  15. ثمّة قضية مثارة بشأن من يستفيد حقاً من هذه الإعانات. فالمستوردون وتجار الجملة يحصلون على الإعانات ولكنها في الغالب لا تنعكس في أسعارهم إلا بصورة جزئية. وكثيراً ما تتحدث الصحافة عن الحالات التي تتقدّم فيها أسعار السوق على الأسعار المدعومة.

  16. IMF, “Algeria: 2011 Article IV Consultation.”

  17. هناك قانون صدر في العام 2001 يحظر تنظيم أي تجمعات جماهيرية في مدينة  الجزائر العاصمة.

  18. حسابات الكاتب استناداً إلى بيانات صندوق النقد الدولي.

  19. تصريح صحافي لوزير التجارة مصطفى بن بادة.

  20. بسام فتوح ولورا الكتيري، "المعونات المالية للطاقة في العالم العربي"، تقرير التنمية البشرية العربية، سلسلة الأوراق البحثية، برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، 2012   

  21. Detailed data is available at IMF, “Algeria: Statistical Appendix,” 2012.

  22. تبين إحدى الدراسات الاستقصائية أن متوسط الاستمرارية بالنسبة إلى أكثر من 1400 مشروع مولته الوكالة الوطنية لدعم تشغيل الشباب بين عامي 1997 و2003 لم يتجاوز 34 في المئة.

  23. “Algéria: French Construction Companies Boycott Algerian Market,” La Tribune, November 30, 2012. 

  24. “Those Lobbies That Threaten the State,” L’Expression, June 4, 2012. 

  25. قدّرت صحيفة الوطن اليومية الجزائرية (9 حزيران/يونيو 2011) أن قوات مكافحة الشغب الجزائرية تدخلت كل ساعتين منذ كانون الثاني/يناير 2011. ووفقاً للصحيفة نفسها، فقد تم تسجيل أكثر من 500 تظاهرة احتجاجية في المتوسط في البلاد شهرياً، بسبب عوامل اجتماعية واقتصادية مثل رداءة السكن والبطالة والتضخم.

  26. منحت الجزائر اثنين فقط من أصل عشرة تراخيص للتنقيب عن النفط والغاز في أول جولة لمنح التراخيص في العام 2011. وقد فازت كل من سوناطراك الجزائرية و"سبسا – Cepsa" الإسبانية. وكان ذلك ثالث عطاء على التوالي يلقى اهتماماً فاتراً من جانب الشركات الأجنبية. انظر:  Energy Information Administration, “Algeria,” Country Analysis Briefs, March 8, 2012, www.eia.gov/cabs/Algeria/pdf.pdf

  27. Mitchell et al., “Resource Depletion, Dependence and Development: Algeria.”

  28. Ali Kefaifi, “Algérie 2015: Le spectrelancinant du début de la fin des exportations pétrolières,” La Nation, December 27, 2011, www.lanation.info/Algerie-2015-Le-spectre-lancinant-du-debut-de-la-fin-des-exportations-petrolieres_a595.html.

  29. International Monetary Fund, “Algeria: Selected Issues Paper,” IMF County Report no. 11/41, February 2011, www.imf.org/external/pubs/ft/scr/2011/cr1141.pdf.

  30. Ian Cronshaw, “Medium Term Oil and Gas Markets—2010,” presentation at the Center for Strategic and International Studies, http://csis.org/files/attachments/100707_IEA_Gas.pdf.

  31. IMF, “Algeria: Selected Issues Paper.”

  32. IMF, “Regional Economic Outlook Update: Middle East and Central Asia,” November 2012.

  33. FRR هو مختصر تسمية الصندوق في الفرنسية نظرا إلى التقلب الكبير في عائدات النفط والغاز في الجزائر، أنشأت البلاد صندوق ضبط الإيرادات في العام 2000.

  34. منذ العام 2006، مثّل إجمالي الدين الخارجي أقل من 5 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي في الجزائر.

  35. IMF, “Algeria: 2011 Article IV Consultation,” 2012.

  36. Hakim Darbouch, Algeria’s failed Transitions to a Sustainable Polity: Coming to Yet Another Crossroads, MEDPRO Technical Report (Brussels: Centre for European Policy Studies, 2011).

  37. في تقرير البنك الدولي "ممارسة أنشطة الأعمال 2012"، تحتل تونس المرتبة 46 والمغرب المرتبة 94 ومصر المرتبة 110.

  38. World Bank, “Algeria: Public Expenditure Review of Algeria,” 2007.

  39. أنظر Sadek Belhocine, “Etroite marge de manœuvre pour Sellal: La relance économique au cœur de la politique de développement,” Le Midi Libre, September 9, 2012, www.djazairess.com/fr/lemidi/1209090108.

  40. قال الرئيس بوتقليقة في خطابه المؤثر (كما وصفته وسائل الإعلام الجزائرية) يوم 8 أيار/مايو 2012، قبل يومين من الانتخابات البرلمانية، قال الرئيس بوتفليقة "لقد أخذ جيلي وقته. وأنا أخاطب جيل الشباب الذي يجب أن يستلم الراية. لقد أخذ جيلي وقته. البلاد أمانة في أيديكم، فقوموا على رعايتها".

  41. تمت الموافقة على ثمانية قوانين بشأن الأحزاب والجمعيات ولاانتخابات ومشاركة المرأة في الحياة السياسية والمؤسسات الدستورية.

  42. أنظر “NGO Law Monitor: Algeria,” International Center for Not-for-Profit Law, January 21, 2013,  www.icnl.org/research/monitor/algeria.html; “Algeria Passes New Law on Associations,” January 12, 2012, International Center for Not-for-Profit Law, www.icnl.org/news/2012/12-Jan.html; and Issam bin Al Shaykh, “The Algerian Reform Proposals: An Initiative for Change, or the Continued Monopolization of Power by the Authorities?" Arab Center for Research and Policy Studies, August 14, 2011, http://english.dohainstitute.org/Home/Details/5ea4b31b-155d-4a9f-8f4d-a5b428135cd5/dbaf3ca5-1e80-467b-9422-8282dc29ff14.

  43. من خلال فرض نظام الكوتا (الحصة) في القانون الانتخابي الجديد والتي تراوحت بين 20 و50 في المئة من تمثيل الإناث في قوائم الترشيحات الحزبية، حصلت المرأة على ثلث المقاعد تقريباً في البرلمان (145 من أصل 462).
End of document

تعليقات القراء (2)

 
 
  • رابح بوضينار
    واضح للعيان ان الجزائر ستكون هى المحطة للربيع العربى
    و دالك بعد الانتهاء من سوريا
    يقينا النظام العسكرى الجزائرى يعيش اخر ايامه
    او اخر شهوره
    فالرئيس الجزائرى فى المستقبل
    و المستقبل هو 2014 او 2015
    الرئيس الجزائرى يعيش حاليا فى ولاية كولورادوا الامريكية
    يعيش فى ارفاهية
    و تحت حراسة مشددة
    .و سيكون اول رئيس سينتخب عليه الشعب الجزائرى
    بعدما تطرد امريكا و الناتو الجينيرلات من الجزائر
    الى دول الخليج.
    الرئيس دو تكوين اسلامى معتدل
    سيخدم مصالح الشعب الجزائرى
    اولا و الغرب تانيا
    هكدا يكون الكل رابح رابح
     
     
    اكتب ردًا

     
    إقفال النافذة
  • باقي
    صحيح ان الحرية و الديمقراطية و كذلك الرفاهية محبذة و مطلوبة ولكن ماذا نفعل بربيع يتحول الى شتاء قارص او نار جهنم لاتبقي للبلاد قائمة و امثلة ليبيا و سوريا وحتى مصر و تونس ماثلة امام الجزائري .اظن ان الجزائر مقبلة على تغيير عميق ولكن هادئ.
     
     
    اكتب ردًا

     
    إقفال النافذة
Source: http://carnegie-mec.orghttp://www.carnegie-mec.org/2013/04/25/ثمن-الاستقرار-في-الجزائر/hkre

المزيد من مركز الأبحاث العالمي

Publication Resources

ابقوا على اطلاع

تسجّل للحصول على أحدث التحليلات من كارنيغي عبر البريد الإلكتروني! الخانات التي تحمل العلامة (*) إلزامية.

معلومات شخصية
 
 
Carnegie Middle East Center
 
شارع الأمير بشير، برج العازارية بناية 20261210، ط5 وسط بيروت ص.ب 1061 -11 رياض الصلح, لبنان
هاتف: +961 1 99 12 91 فاكس: +961 1 99 15 91
ملاحظة...

أنتم تخرجون الآن من موقع مركز كارنيغي-تسينغوا للسياسة العالمية وتدخلون موقعاً عالمياً آخر لكارنيغي.

请注意...

你将离开清华—卡内基中心网站,进入卡内基其他全球中心的网站。