التوازن الاستراتيجي في سورية في نقطة تحوّل

Source: Getty
مقال
ملخّص
يشير سقوط مدينة القصير السورية في يد قوات الأسد إلى أن النظام مُهيَّأ لتحصين موقعه في المدى الطويل. وعلى المعارضة أن تعالج نقاط ضعفها الكبيرة.
مواضيع ذات صلة
موارد إعلامية وأدوات ذات الصلة
 

دخل الصراع السوري مرحلة حرجة مع سقوط بلدة القصير في يد قوات النظام مدعومة بمقاتلي حزب الله في الساعات الأولى من صباح 5 حزيران/يونيو. وعلى مدى الأشهر الستة الماضية حقّق كلا طرفي الصراع مكاسب ومنيا بخسائر، ولذا ينبغي ألا يكون الاستيلاء على القصير مختلفاً. بيد أن التفاوت بين جوانب القوة الكامنة في النظام ونقاط الضعف المستمرة لدى المعارضة المسلحة بدأت تظهر معالمه جليّاً.

وإذا ما مال التوازن الاستراتيجي الذي نشأ منذ تشرين الثاني/نوفمبر 2012 أكثر، فإنه سيكون تحولاً حاسماً في صالح النظام. ولذا يتعيّن على الأجنحة السياسية والعسكرية للمعارضة معالجة أوجه القصور الأكثر خطورة فيها. وإن هي لم تفعل فستكون في حالة تقهقر إن لم يكن اندحاراً كاملاً، بحلول نهاية العام 2013.

الآثار الاستراتيجية

إن لسقوط القصير تداعيات استراتيجية خطيرة على الصراع الدائر في سورية. من بين الآثار المباشرة أن الاستيلاء على البلدة يغلق طريق رئيس يستخدمه مقاتلو المعارضة من شمال لبنان المجاور للتسلّل وإرسال الأسلحة إلى محافظة حمص، والتي هي بوابة استراتيجية لبقية أنحاء سورية. بالإضافة إلى ذلك، يساعد إغلاق الطريق النظام على تأمين الطرق الرئيسة التي تربط حمص ودمشق بالمنطقة الساحلية حول طرطوس واللاذقية، والتي تعتبر ممرّات عبور رئيسة للعتاد العسكري والوقود والسلع الأساسية التي يجري شحنها عن طريق البحر. وسيواجه الثوّار مهمّة شاقّة لعزل وطرد المعسكرات الموالية للنظام التي ستبقى في المنطقة المحيطة بالقصير وإعادة بناء منطقة إمدادات وتخزين آمنة هناك. وعلاوة على ذلك فإن سقوط البلدة يضع في متناول النظام وحدات قتالية تتمتّع بالخبرة لخوض القتال في أماكن أخرى.

لكن النقطة الرئيسة الحقيقية تكمن في أن النظام صار مؤهّلاً على نحو متزايد للاستفادة من جوانب قوّته وتأمين نفسه على المدى الطويل. إذ تم منذ البداية الاستخفاف بقدرته على البقاء بصورة مبالغة.

لقد كانت معركة السيطرة على القصير مجرّد جزء من حملة استراتيجية مستمرة حقق فيها الجيش السوري مكاسب ليست بقليلة. فمنذ أوائل نيسان/أبريل طوّق الجيش المناطق التي يسيطر عليها الثوّار في شرق وجنوب غرب دمشق، وأبعد الثوّار عن قلب العاصمة نفسها، و اخترق خطوط الثوّار لكي يعزّز ويمدّ معسكراته المحاصرة في وادي الضيف بالقرب من إدلب وحول حلب. كما استعاد النظام الكثير من الأراضي التي خسرها مؤخراً على يد الثوّار في جنوب سورية حول مدينة درعا وفي منطقة الجولان وعلى الحدود مع الأردن، وهو يقاتل كي يسيطر بصورة كاملة على الطريق الدولي إلى الأردن. ويحاول الجيش الالتفاف من الجانبين الشمالي والجنوبي حول حلب، والتي يعتبرها جائزته الاستراتيجية، في محاولة لتطويق معاقل الثوّار قبل أن يسيطر على المدينة بصورة كاملة.

القوات الموالية للنظام ليست قادرة على تحقيق نصر عسكري تام. إذ يعاني الجيش من نقص شديد في القوة البشرية، وسيصاب بالإنهاك بصورة خطيرة ويضعف من جديد إن هو سعى إلى استعادة أكثر من الممكن من الأراضي التي فقدها في السابق. إذ إن معركة السيطرة على حلب وحدها يمكن أن تجعله يتعثّر على مدى أشهر من القتال المكلف في المناطق المبنيّة. بيد أن النظام أظهر مرونة وقدرة كبيرة على التعلّم والتكيّف. وهو يظل الطرف الأقوى، ليس فقط من حيث قدرته على إنزال مقاتلين مدربين ومسلحين بصورة جيدة ويتمتّعون بالعزيمة إلى الميدان، ولكن أيضاً من حيث قدرته على التنظيم والتنسيق، وبالتالي تحسين فرص الحصول على المعلومات الاستخباراتية واستخدامها.

لكن الحرب لم تنته بعد بالنسبة للثوّار. إذ لا يزال بمقدورهم الاستمرار في محاربة النظام حتى  التعادل. ولكن بالرغم من أنهم يدّعون أن لديهم ما بين 180 و310 آلاف مقاتل - التقدير المنخفض أكثر موثوقية - فهم في موقف دفاعي استراتيجي. والنظام طرف موحّد من الناحية السياسية ولديه هيكل قيادة وسيطرة عسكرية متماسك. أما الثوّار فهم ما زالوا مشرذمين بصورة كبيرة. وهم يواجهون مشاكل مستمرة على صعيد التماسك الداخلي وضعف القيادة والسيطرة والانقطاعات المتكرّرة في توريد الأسلحة والذخيرة من الدول الرئيسة الداعمة لهم في الخليج.

الأهم من ذلك كله هو أن الثوّار يفتقرون إلى وجود قيادة سياسية محنّكة من الناحية الاستراتيجية. ففي هذه اللحظة الحاسمة، يوشك إطار المعارضة الرئيس، الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية، على الانهيار بسبب المشاحنات الداخلية المستشرية في صفوفه. ويبدو واضحاً أن القوى الدولية الداعمة للائتلاف -- مجموعة أصدقاء سورية -- تتردّد. ويقال إن الولايات المتحدة حجبت مبلغ 62 مليون دولار من المساعدات التي كانت قد وعدت بتقديمها إلى مكاتب تنسيق المعونة والإغاثة الإنسانية في الائتلاف الوطني. ويقرّ دبلوماسيون من الاتحاد الأوروبي في أحاديثهم الخاصة بأن الرئيس السوري بشار الأسد سيبقى في منصبه تحت أي سيناريو متوقّع.

يوميات موت معلن

لم تكن هذه هي التوقعات دائماً. فقد تنبّأت مجموعة من اللاعبين بزوال وشيك للنظام منذ كانون الثاني/يناير 2012، بما في ذلك قائد جيش السوري الحر، رياض الأسعد، وصانعو السياسات الغربيون والعرب والإسرائيليون، بمن فيهم وزير الدفاع الإسرائيلي إيهود باراك ورئيس الأركان بيني غانتز، وجهاز المخابرات الألمانية، وأصوات معارضة مختلفة، مثل محمد فاروق طيفور، نائب المراقب العام لجماعة الإخوان المسلمين السورية ونائب رئيس المجلس الوطني السوري، والتي تعدّ القوة المهيمنة في الائتلاف الوطني. وتوقعّت مصادر المتمرّدين الأكثر رصانة أن تبدأ معركة السيطرة على دمشق، والتي تم الترويج لها كثيراً، بحلول أيار/مايو 2013.

يبدو واضحاً أن الأحوال تبدّلت منذ ذلك الحين. ومع ذلك، لا يزال رئيس المجلس الوطني السوري السابق برهان غليون يرفض المزاعم التي تتحدّث عن النجاحات التي حققها النظام قائلاً إنها "ليس لا لها أي أساس من الصحة"، حيث أكد في 20 أيار/مايو، أن النظام "متهافت ومنخور من الداخل"، وأنه أصبح بالفعل "بحكم الماضي".

ربما لا يكون النظام قادراً على توسيع جميع مكاسبه أو الاحتفاظ بها إلى أجل غير مسمّى. لكن في المقابل لا يمكن للمعارضة أن تستمر في مواجهة نظام واسع الحيلة وماكر بالغطرسة الثورية. فهي بحاجة إلى إعادة تقييم الكيفية التي مكّنت النظام من البقاء في مواجهة تمرّد مسلّح شامل، وفقدان الأراضي والمصادر الرئيسة للإيرادات، والعقوبات الاقتصادية القاسية ومازال يقاتل.

يفسّر الكثيرون قدرة النظام على الاستمرار عبر الإشارة إلى المساعدات العسكرية والمالية الهائلة التي يتلقّاها من روسيا وإيران، ومن حزب الله مؤخراً. ويعتقد أيضاً أن النظام كان يعتمد بشكل كبير على المستشارين الذين أرسلهم حلفاؤه. ولكن ليست المساعدات الخارجية هي وحدها المهمّة، بل ما فعله النظام بها. وقد أثبت النظام أنه بارع في الاستفادة بصورة فعّالة من الدعم المادي وفي استيعاب المشورة وتطبيقها.

لقد ارتكب نظام الأسد أخطاء سياسية وعسكرية فظيعة على حسابه على مدى العامين الماضيين، ولكنه أظهر أيضاً أنه قادر على التفكير بصورة استراتيجية، وادّخار أرصدته العسكرية، وانتظار الفرصة المناسبة لاستخدامها. أما المعارضة السورية، والتي لم تظهر القدرات نفسها، فهي تتجاهل هذه الحقيقة الحاسمة في مواجهة الخطر المحدق بها.

وقد استفاد النظام من العديد من المزايا الأخرى. فهو لا يحتاج، أولاً وقبل كل شيء، سوى إلى البقاء. ولعل هذا يشكّل تحدياً كبيراً، ولكنه مع ذلك يبسّط الأمور بالنسبة إلى النظام.

في المقابل، جعلت المعارضة من النصر التام هدفاً لها، ويقاس بإزاحة الأسد والنواة الداخلية للنظام، والتي قدّرها رئيس الائتلاف الوطني السابق معاذ الخطيب بنحو 500 شخص. وهذا يعني هزيمة الجيش والقوى الموالية الأخرى وحلفاء النظام، الأمر الذي يتطلّب جهداً أكبر وتنظيماً أرفع مستوىً. وإلى أن يتحقق ذلك، يجب على المعارضة إثبات قدرتها على حكم المناطق المحررة بشكل فعّال وتأمين إمدادات الغذاء والمياه والرعاية الطبية والمأوى للاحتفاظ بقاعدتها الشعبية وشرعيتها. لكنها فشلت حتى الآن في تحقيق أي من الشرطين.

وفي سياق معركته من أجل البقاء، يتصرّف النظام وكأنه ميليشيا أكثر منه دولة. فهو لا يحاول استعادة الشرعية السياسية المحلية والدولية أو ضمان رضوخ المجتمع السوري لسياسات الدولة. بدلاً من ذلك، يعمد النظام إلى تغيير الحسابات الاقتصادية الخاصة بخوض حرب داخلية مطوّلة من خلال التغاضي عن مهمة الحكم المكلفة.

تمثّل أحد الردود الأولية للنظام على فرض عقوبات اقتصادية من جانب مجموعة أصدقاء سورية قبل أكثر من عام بزيادة مدّخراته بشكل كبير من خلال خفض الاستثمار العام، والذي كان يمثّل 45.5 في المئة من الموازنة العامة للدولة المعتمدة لعام 2011. ومنذ ذلك الحين عمدت الحكومة أيضاً إلى التخلّص من جزء كبير من تكاليف التشغيل المترتّبة على تقديم الخدمات العامة وإنفاذ القانون، ولا سيما في المناطق التي لا تخضع لسيطرتها.

كان من المفترض أن تؤدّي العقوبات إلى شلّ قدرات النظام وجعل قطاعات اجتماعية رئيسة، مثل رجال الأعمال أو الموظفين الحكوميين ينقلبون ضد الأسد. بيد أن ذلك لم يحدث. وعن طريق خفض التكاليف في أماكن أخرى، استمر النظام في دفع رواتب معظم العاملين في القطاع العام، حتى في المناطق المحرّرة. وفي الوقت نفسه، أخذ النظام على عاتقه التكاليف الإضافية المترتّبة على تجنيد عشرات الآلاف من رجال الميليشيا الموالين له وتقديم الإغاثة، في أبسط مستوياتها، للنازحين داخلياً والمحتاجين الذين يحتمون في المناطق التي تسيطر عليها الحكومة.

وقد عوّضت المساعدات الروسية والإيرانية والعراقية جزئياً الانخفاض الكبير في الإيرادات الحكومية من صادرات النفط ورسوم الاستيراد والضرائب المباشرة وتجميد أصول النظام والدولة السورية المحجوزة في البلدان الأكثر تعاطفاً مع المعارضة. وقد شمل هذا التعويض تحويلات نقدية واحتياطيات لدعم قيمة العملة السورية، وتوريد المعدات العسكرية والوقود والغذاء والسلع الأخرى مقابل مبيعات النفط السوري في المستقبل وشراء السلع السورية. وما زال رجال الأعمال الموالين للنظام يساهمون في المجهود الحربي للحكومة، مثلما هو الحال بالنسبة إلى الشركات المربحة مثل شركتي الهاتف المحمول في البلاد، اللتان يسيطر عليهما رامي مخلوف ابن خال بشار الأسد.

ومن المفارقات أن تدفّق الأموال، من حكومات مجموعة أصدقاء سورية ومن الجهات المانحة الخاصة في الخليج إلى الهيئات المدنية المعارضة وجماعات الثوّار في سورية، خفّف بصورة شبه مؤكّدة من نقص السيولة في جميع أنحاء البلاد. وبطبيعة الحال لا يمكن التحقق من المبالغ، غير أن الحجم الكبير للتجارة غير النظامية والإمدادات بين المناطق التي تسيطر عليها الحكومة وتلك التي يسيطر عليها الثوّار يجعل العملة قابلة للاستبدال. كما تعوّض معونات الإغاثة الإنسانية الدولية، التي يتم توجيه الجزء الأكبر منها من خلال جمعية الهلال الأحمر السورية الرسمية والتي لا تزال تعمل في المناطق التي يسيطر عليها الثوّار، ومن خلال المنظمات غير الحكومية الموجودة في المناطق التي تسيطر عليها الحكومة، بعض تكاليف تقديم الخدمات العامة.

ساعد هذا المزيج من العوامل في إبقاء النظام السوري واقفاً على قدميه. وتعتبر القوة النسبية للعملة السورية مقياساً بسيطاً لذلك. فقد قيل الكثير عن انخفاض سعر صرف الليرة السورية من 47 ليرة مقابل الدولار الأميركي في بداية الأزمة إلى المستوى الحالي الذي يتراوح بين 135 و150 ليرة مقابل الدولار. ولكن يبدو أن الليرة أفضل حالاً بما لا يقاس من الدينار العراقي، الذي انخفض من 3.2 دولار للدينار بالسعر الرسمي (0.33 دولاراً في السوق السوداء) عشية الغزو العراقي للكويت وفرض عقوبات دولية شاملة إلى 3000 دينار مقابل الدولار في العام 1995. وظلت الليرة السورية أيضاً أكثر استقراراً من نظيرتها اللبنانية، التي انخفضت من 3 ليرات مقابل الدولار في بداية المرحلة الثانية من الحرب الأهلية الطويلة في العام 1983 إلى 2500 ليرة للدولار بحلول العام 1992.

منذ أوائل العام 2013، تظاهر النظام، مدعوماً بجهوده الناجحة لتحقيق الاستقرار المالي النسبي حتى الآن، بأنه أعاد الخدمات العامة والبنية التحتية في المناطق التي يسيطر عليها والتي مزّقتها الحرب. بيد أن هذا لا يعدو كونه مجرّد حركة علاقات عامة حتى الآن، ولكن يمكن أن يتطور ليصبح جزءاً مهماً من استراتيجية النظام الأوسع لمكافحة التمرد، حيث يوشك السوريون ممن نزحوا داخلياً أو المحتاجين، والذين يصل عددهم إلى 6.8 ملايين، على دخول الصيف الثالث وهم يعانون من نقص في المياه والغذاء، وثمّة احتمال لأن يواجهوا شتاء قارساً ثالثاً.

الجيش السوري في العام 2013

تبدو قدرة النظام واستعداده للتعلّم والتكيّف أكثر وضوحاً في جيشه الذي تحدّى وقاوم عبئاً مزدوجاً تمثّل في خوض حرب داخلية شرسة وعانى من عمليات انشقاق وفرار جماعية. الجيش السوري في العام 2013 ليس جيش العام 2011. فقد أصبح اليوم آلة قتالية أصغر حجماً وأكثر شراسة.

يعود ذلك في أحد جوانبه إلى أن النظام كان انتقائياً حيث يستثمر موارده البشرية والمادية المحدودة، ويحدّد أولويات احتياطيه الاستراتيجي ويحافظ عليه. إذ بدا واضحاً منذ وقت طويل أن النظام يفضّل التخلي عن المناطق الريفية والمناطق النائية من البلاد للثوّار بدلاً من تكبّد الخسائر في محاولة استعادة الأرض المفقودة. ولكن من الملاحظ أيضاً أن قواته لم تتخلّ في معظم الأحيان عن مواقعها من دون قتال، حتى عندما بدا أنه لا يمكن وقف تقدّم الثوّار. فالمعسكرات التي ظلت تحت الحصار لأشهر عديدة ما زالت صامدة، وتقيّد قوات المتمردين، وتوفّر قواعد لإطلاق القصف لزعزعة الاستقرار في المناطق المحرّرة، وكما حذّر أحد نشطاء المعارضة في حلب، من المحتمل أن تكون هذه المعسكرات بمثابة منطلق لشن هجمات تقوم بها الحكومة.

لم يكن الجيش السوري مهيأً لهذا النوع من المواجهة العسكرية التي اضطرّ إلى خوضها منذ أوائل العام 2012. إذ تتمثّل خبرته السابقة في عمليات مكافحة التمرد والقتال في المناطق المبنية في لبنان بين العامين 1976 و1982. لكن ذلك لم يكن سوى اشتباك محدود وتمريناً في ما لا ينبغي القيام به إلى حدّ كبير. ومع ذلك، فقد قاتل الجيش، منذ منتصف العام 2012 إن لم يكن قبل ذلك، في 80-100 موقع في أي يوم معين، وغالباً على جبهة دائرية ومن دون وجود خطوط مواجهة واضحة.

ولعل هذا يوحي بالتماسك الكبير للجيش في الوحدات الأكثر ولاءً، واستعادته لروحه المعنوية منذ أوائل العام 2013. فقد ذكر ضباط ثوّار في حلب، على سبيل المثال، في منتصف أيار/مايو أن نظراءهم في مطار كويريس المحاصر قادرون ليس فقط على قضاء إجازة في دمشق، بل أيضاً، وهذا هو الأهم، على العودة إلى المطار فيما بعد. وبالإضافة إلى ذلك، تنعكس مسألة القيادة والسيطرة المحكمة التي يظهرها هذا الواقع، وفقاً لمصادر استخباراتية مطلعة، في قدرة النظام على الحفاظ على أسلحته الكيميائية تحت حراسة آمنة. فالنظام وقيادة الجيش لديهم من الدهاء ما يجعلهم يعرفون ما هو المطلوب منهم، وهم قادرون على الإشراف على تنفيذه.

وعلى صعيد آخر، قام النظام وقيادة الجيش بعمليتي إعادة تقييم على الأقل منذ شباط/فبراير 2012 ما أدّى إلى إعادة هيكلة الجيش وقوى الأمن، والاستخدام المبتكر للتشكيلات القتالية المختلطة لتنفيذ "مهمات محدّدة"، واستبدال القادة غير الأكفاء. وقد تولّى جيل أصغر من الضباط الحريصين على إظهار قدراتهم وكسب الترقيات، زمام القيادة في كثير من الوحدات القتالية وهياكل الدعم الرئيسة مثل الاستخبارات العسكرية. كما تم تطوير أساليب جديدة وفعّالة، بمساعدة ومشورة من حلفاء النظام الخارجيين، الذين درّبوا المئات وربما الآلاف من الضباط على خوض حرب المدن. ويقال أيضاً إن تبادل المعلومات بين القوات المسلحة والأجهزة الأمنية قد تحسّن.

وربما يتضح في المستقبل أن الحفاظ على سيطرة مستمرة وفعّالة على قوات الدعم والحماية شبه العسكرية التابعة للنظام مسألة في غاية الصعوبة. غير أن الجيش قادر، كما أكدت معركة القصير، على تحقيق المهمة الصعبة المتمثلة في تنسيق سلاسل القيادة المنفصلة مع تلك القوات ومع حزب الله في العمليات المشتركة التي تتم في المناطق المبنية.

وقد تمكّن النظام أيضاً من التخفيف من وطأة النقص في القوة البشرية القتالية، مع أن هذا الجانب لا زال يشكّل تحدّياً حاسماً وربما يكون التحدّي الأكبر بالنسبة له. تختلف تقديرات الخسائر التي مني بها الموالون للنظام بصورة كبيرة، إلا أن الإصابات التي مني بها و خسائره من المنشقين والفارين (أي المجندون وجنود الاحتياط الذين لا يلتحقون بالخدمة) كبيرة بالتأكيد، وهي في تصاعد مستمر. ولا شك أن تعويض الخسائر في صفوف الأفراد المحترفين صعب للغاية. وهذا ينطبق بشكل خاص على ضباط الصف، الذين يشكّلون العمود الفقري للقوات الخاصة ووحدات المشاة التي يجب أن تتحمّل العبء الأكبر للقتال في المناطق المبنية، فضلاً عن الضباط المتخصّصين مثل الطيارين المقاتلين.

وقد حوّل النظام جزءاً من العبء المترتّب على حماية المناطق الخلفية والمنشآت الاستراتيجية التابعة له والمراكز السكانية الموالية وطرق الإمداد إلى اللجان الشعبية التي تشبه الميليشيا وجيش الدفاع الشعبي الجديد، والذي يعتقد أنه يضم 50-60 ألفاً من الأفراد. وكما اكتشف الجيشان الجزائري والتركي أثناء مواجهة حركات التمرّد الإسلامية والكردية في تسعينيات القرن المنصرم، فإن تلزيم الحرب إلى الحراس القرويين أو المحليين يخفّف الضغط على القوات النظامية. ومع أن هذا يقلّل من تدفق المجنّدين الذين تشتد الحاجة إليهم إلى صفوف الجيش، فإنه يتيح لهم أن يخدموا في مناطقهم الأصلية ويقلّل من التكاليف السياسية لفرض التجنيد على الجماعات الموالية للحكومة، والتي تزداد فزعاً إزاء ارتفاع معدلات الخسائر. في المقابل، قد يكون المرسوم التشريعي الذي أصدره الأسد في 27 أيار/مايو، والذي رفع بموجبه رسم إعفاء السوريين الذين يعيشون في الخارج من التجنيد من 5000 إلى 15000 دولار، محاولة للحصول على عائدات من الكثير من السوريين الذين يفضّلون تجنّب القتال من دون أن يتكبّدوا العقوبات المترتّبة على الفرار من التجنيد إذا ما انتصر النظام في نهاية المطاف.

ومع ذلك، يستمر النقص في القوى البشرية في الجيش. وقد تأكد ذلك من خلال تدخّل حزب الله المباشر في القتال، ودعوة جنود الاحتياط السوريين في آذار/مارس (أو قبل ذلك)، وإعلان النفير الصادر في 10 آذار/مارس عن المجلس الأعلى للإفتاء الموالي للنظام (للمسلمين السنة) والذي يعتبر الخدمة في الجيش واجباً دينياً.

بيد أن حدّة المشكلة قد تخفّ قريباً. فقد تباطأت وتيرة الانشقاقات بين الجنود وضباط الصف السنة. ويقدّر كبار قادة الثوّار أن ما يصل إلى 60 في المئة من الضباط السنة و80 في المئة من الأفراد المجندين السنة قد انشقوا عن بعض الوحدات الأكثر تضرّراً، ولكن النسب تبدو أقلّ في أماكن أخرى، حيث يبدو أن الذين ظلوا في وحداتهم يطيعون الأوامر. وقد جعلت معركة السيطرة على القصير صورة الصراع السوري أكثر وضوحاً باعتباره صراعاً يدور بين المسلمين السنة والشيعة في مختلف أنحاء المنطقة، غير أن نتائج هذا الصراع قد تولّد اتجاهاً عكسياً داخل الجيش السوري. فمن خلال إظهار قوة النظام وتحالفاته، ربما يقتنع المزيد من العسكريين بالعدول عن فكرة الانشقاق، ويزيد عدد المجندين الذين يستجيبون لدعوة الالتحاق بالخدمة، ويمكّن الجيش من نشر وحدات لم يكن يثق بها في السابق في العمليات القتالية.

النظام والتفوق في التصعيد 

هذه الحقائق المروّعة والاتجاهات المثيرة للقلق تضع أصدقاء سورية أمام عدد قليل من الخيارات، لا يبدو أن أياً منها مقبول في الواقع. ولذا يمكنهم أن يتّخذوا قراراً جريئاً لا رجعة فيه يقضي بتزويد المتمردين السوريين بصواريخ متطورة مضادة للدبابات والطائرات يحملها الأفراد، لأنهم ليسوا على استعداد لاتخاذ قرار أكبر بإقامة ملاذات آمنة أو مناطق حظر طيران وحمايتها عسكرياً. بيد أن النظام يمتلك "التفوق في التصعيد"، أي القدرة على التحكّم في وتيرة التصعيد. وقد طبّق بالفعل تكتيكات الأرض المحروقة لإخلاء مناطق واسعة حول دمشق وأماكن أخرى من السكّان. فهو قد يردّ على حصول الثوّار على أسلحة أكثر فعّالية من خلال التسبّب عمداً في تدفّق أعداد ضخمة جديدة من اللاجئين إلى الأردن ولبنان، والتي يثقل اللاجئون كاهلها أصلاً. إذ اتبعت صربيا تكتيكات مماثلة في كوسوفو رداً على بدء حلف شمال الأطلسي عمليات القصف في العام 1999، ما جعل الحلفاء الغربيين في مواجهة احتمال الاضطرار إلى توفير قوات برية لحماية السكان الكوسوفيين.

من المفارقات أن سمعة النظام السوري في استخدام الأسلحة الكيميائية قد يجعل من الأسهل بالنسبة إليه التسبّب في عمليات فرار جماعي لأعداد كبيرة من اللاجئين. فالحديث عن إقامة منطقة عازلة في جنوب سورية لإيواء اللاجئين ومنعهم من التدفّق على الأردن لم يكن ذا مصداقية في البداية، وذلك لأن المنطقة كانت ستظل تحت رحمة المدفعية التقليدية للنظام، ولكن هذا الحديث تلاشى مع تقدم النظام حول درعا.

في الوقت الراهن على الأقل، يلتزم أصدقاء سورية بإطار "جنيف 2" لمؤتمر السلام الذي اقترحته الولايات المتحدة وروسيا بدلاً من تسليح الثوّار. ولكن اليد العليا تبقى للأسد هنا أيضاً، خاصة بعد أن استعاد السيطرة على القصير. فقد قال رئيس المجلس العسكري الأعلى للثوّار، العميد سليم إدريس، إنه "لكي تكون المفاوضات مجدية، علينا أن نصل إلى توازن عسكري استراتيجي، حيث يشعر النظام من دونه أنه في موقع قوة يملي فيه الشروط أو على الأقل يشتري فيه الوقت الثمين".

ثمّة احتمال ضئيل لأن يحدث ذلك. فقد أظهر الثوّار مهارة دفاعية عالية في القصير، ومن المرجّح أن يتمكنوا من القيام بذلك في حمص وحلب. ولكن القدرة العسكرية للنظام لم تُستنفَد بعد. فهو لم يستخدم حتى الآن أغلب وحداته أو المدرعات والمدفعية، ويمكنه الاستفادة من أي تهديد لتفوقه الاستراتيجي لتعبئة الطائفة العلوية وحشد المجندين بأعداد أكبر. ولذا ما لم يكن أصدقاء سورية مستعدين لقبول احتمال أن يبقى الأسد في منصبه والمشاركة في الانتخابات الرئاسية في العام المقبل، فلا يمكن أن يكون هناك أي اتفاق للسلام.

تحتاج المعارضة إلى إطار تفاوضي أكثر من أي قوة أخرى في هذه المعركة لتحقيق الاستقرار وتوطيد وتوليد خيارات سياسية تتمتّع بالصدقية للمرحلة الانتقالية. بيد أنها لا زالت ترفض بشدة حتى الآن أي عملية دبلوماسية لا تضمن رحيل الأسد كشرط مسبق. وينبغي ألا تراودها أي أوهام في ذلك. فلن تذهب مجموعة أصدقاء سورية إلى ما هو أبعد من ذلك، وسيؤدّي فشل مؤتمر جنيف 2 إلى شلّ معارضي الأسد سياسياً وعسكرياً ما لم يعالجوا نقاط الضعف المستمرة لديهم.

إن حالة الجمود الطويلة لن تكون ثابتة، حيث يمتلك النظام قدرة أكبر على الاحتفاظ بزمام المبادرة وإبقاء الثوّار في موقف دفاعي. كما أن بوسع النظام اغتنام الفرص لاستعادة الأراضي وإحداث وقيعة سياسية بين الفصائل الثائرة المختلفة وأمراء الحرب والعشائر وسواهم من سماسرة السلطة المحليين. وإذا ما تعثّر التمرد المسلح ، فإن انقساماته السياسية ستتعمّق، وبذلك يوفّر للنظام المزيد من الفرص لإعادة تأكيد سيطرته.

لن يحقّق النظام نصراً عسكرياً تاماً، ولكنه يستطيع توطيد قبضته على المدن السورية، وتثبيت وضعه الاقتصادي، وإبقاء الثوّار في المناطق الهامشية من البلاد. وفي هذه الحالة سيحكم الأسد كياناً شبيها بميانمار على البحر الأبيض المتوسط، حيث يقاطعه الغرب وبعض الدول العربية ولكنه يعتاش على دعم حلفائه الخارجيين والشبكات الاقتصادية والتجارية غير الرسمية التي تتشكّل بالفعل عبر حدوده.

لا يمكن للوضع أن يستمر على هذا النحو، حيث ستنكسر حالة الجمود قريباً. فالوقت ينفد ولا يمكن للنظام أن ينتصر، لكن المعارضة يمكن أن تخسر.

End of document

تعليقات القراء

 
  • بلّغ عن إساءة
Source: http://carnegie-mec.orghttp://www.carnegie-mec.org/2013/06/12/التوازن-الاستراتيجي-في-سورية-في-نقطة-تحو-ل/galp

المزيد من مركز الأبحاث العالمي

ابقوا على اطلاع

تسجّل للحصول على أحدث التحليلات من كارنيغي عبر البريد الإلكتروني! الخانات التي تحمل العلامة (*) إلزامية.

معلومات شخصية
 
 
Carnegie Middle East Center
 
شارع الأمير بشير، برج العازارية بناية 20261210، ط5 وسط بيروت ص.ب 1061 -11 رياض الصلح, لبنان
هاتف: +961 1 99 12 91 فاكس: +961 1 99 15 91
ملاحظة...

أنتم تخرجون الآن من موقع مركز كارنيغي-تسينغوا للسياسة العالمية وتدخلون موقعاً عالمياً آخر لكارنيغي.

请注意...

你将离开清华—卡内基中心网站,进入卡内基其他全球中心的网站。