ماذا تريد الولايات المتحدة فى مصر؟‎

Source: Getty
مقال تحليلي المصري اليوم
ملخّص
يراود شعور بالإحباط والخيانة عدداً كبيراً من المصريين بشأن الدور الأمريكى فى بلادهم والشعور بأن الولايات المتحدة تسىء إلى حد بعيد فهم الحقائق المصرية وتريد تهميش مصر.
مواضيع ذات صلة
موارد إعلامية وأدوات ذات الصلة
 

على مرّ الأعوام الماضية، كرّر العديد من الأصدقاء المصريين على مسامعى حيرتهم وأسفهم، وأحياناً غضبهم من السياسة الأمريكية حيال بلادهم. تتعدّد شكواهم، لكن تبرز بينها مسألة أساسية فى شكل خاص: إنهم مقتنعون بأن الولايات المتحدة وقفت، فى عهدَى جورج بوش وباراك أوباما على السواء، إلى جانب الإخوان المسلمين.

عندما أسألهم لماذا برأيهم تبنّت الولايات المتحدة خطاً داعماً للإخوان، يقولون إنها تريد إضعاف مصر، وإن تأجيج الانقسامات فى البلاد وإيصال الإخوان إلى السلطة طريقة لتحقيق ذلك. ويضيفون أن الأمريكيين يتعاطون مع مصر انطلاقاً من منظور استشراقى، يعنى أن مصير البلاد الطبيعى هو أن يحكمها الإسلاميون.

Carothers is a leading authority on international support for democracy, rights, and governance and on comparative democratization as well as an expert on U.S. foreign policy.
Thomas Carothers
المزيد من إصدارات الباحث
أتلمّس جيداً مدى قوّة هذه النظرة. إنها تجسّد الشعور بالإحباط والخيانة الذى يراود عدداً كبيراً من المصريين بشأن الدور الأمريكى فى بلادهم والشعور بأن الولايات المتحدة تسىء إلى حد بعيد فهم الحقائق المصرية وتريد تهميش مصر. أوافق على أن السياسة الأمريكية حيال مصر تعانى من الشوائب منذ سنوات كثيرة لكن المشكلة ليست فى تفضيل الإخوان.

وجّه بوش بعض الانتقادات إلى مبارك فى ٢٠٠٤-٢٠٠٥ فى إطار اهتمامه المفاجئ بالتغيير الديمقراطى العربى الذى تبيّن لاحقاً أنه مجرد اهتمام سطحى. لكن سرعان ما عاد بوش إلى تبنّى النهج السابق فى الامتناع عن انتقاد مبارك، بعدما أقلقه الأداء القوى الذى حقّقه الإخوان فى الجولتَين الأوليين من الانتخابات التشريعية فى العام ٢٠٠٥، وفوز حركة حماس فى الانتخابات الفلسطينية فى العام ٢٠٠٦.

حافظ أوباما على روابط وثيقة مع مبارك منذ العام ٢٠٠٩ حتى مطلع العام ٢٠١١، مشيداً بالتعاون المصرى فى مكافحة الإرهاب والمساعدة التى قدّمتها مصر فى التعامل مع الفلسطينيين. عندما اندلعت احتجاجات حاشدة ضد مبارك، أمل فريق أوباما فى البداية بأن يتمكّن هذا الأخير من البقاء فى الحكم عبر تقديم بعض التنازلات السياسية، ونصحوه بالقيام بذلك. لكن عندما اتّضح لهم أن الأمر قد قُضى وأن مبارك انتهى، ابتعدوا عنه خشية الوقوف فى الجانب الخطأ للاتّجاه التاريخى الجديد الذى بدأت مصر سلوكه، وشعروا بأنه ليس أمامهم من خيار سوى التسليم بخروجه من السلطة.

دعَم فريق أوباما الانتخابات بعد رحيل مبارك، ليس لأنهم أرادوا وصول الإخوان إلى السلطة، بل لأنهم اعتبروا أن إجراء انتخابات تتمتع بالمصداقية هو المسار الوحيد الكفيل بأن يؤدّى إلى قيام حكومة مستقرّة تحظى بالشرعية فى عيون الشعب المصرى المعبّأ. لم يكن المسؤولون الأمريكيون متحمّسين لفوز الإسلاميين فى الانتخابات. فقد كانوا يخشون أن يؤدّى تشكيل حكومة يقودها الإسلاميون إلى إحداث تغيير فى اتجاه السياسة الخارجية المصرية، وأن تتراجع مثل هذه الحكومة عن التعاون فى مكافحة الإرهاب.

لكنهم اعتبروا أيضاً أنهم إذا تبّنوا موقفاً سلبياً من الإسلاميين فى الانتخابات، فسوف يؤدّى ذلك إلى تعزيز قدرة هؤلاء على لعب البطاقة المناهِضة للولايات المتحدة فى حملتهم، وزيادة عدائهم لواشنطن فى حال وصولهم إلى السلطة. ولذلك امتنع فريق أوباما عن إبداء تفضيله لفوز هذا الفريق أو ذاك فى الانتخابات التشريعية أو الرئاسية.

عندما تسلّم مرسى الحكم، عقدت الإدارة الأمريكية العزم على التعاون معه. لم يكن الهدف هنا تبنّى سياسة داعِمة للإخوان، بل أرادت الولايات المتحدة اعتماد سياسة داعمة للحكومة المصرية، وذلك فى مسعى لاستكمال نمط التعاون الوثيق القائم منذ وقت طويل بين واشنطن والقاهرة. وعندما باشر مرسى حكم البلاد، عادت الإدارة الأمريكية إلى مزاولة الأسلوب نفسه الذى تعاملت به مع مبارك طيلة عقود: طالما أن الرئيس المصرى لا يشكّك فى معاهدة السلام مع إسرائيل، ويؤدّى دوراً مجدياً فى المفاوضات مع الفلسطينيين، ويسمح بالتعاون الأمريكى- المصرى فى المجال الأمنى، سوف يحصل على الدعم الأمريكى حتى لو كان حكمه غير ديمقراطى.

وكانت إدارة أوباما على موعد مع مفاجأة جديدة الصيف الماضى (كما فى مطلع العام ٢٠١١) لدى اندلاع الاحتجاجات الشعبية الحاشدة والسقوط السريع لرئيس مصرى آخر، فسعت جاهدة لوضع مقاربة متماسكة. لم تشعر واشنطن بالأسف لرحيل مرسى، ولم تطالب قط بإعادته إلى منصبه. وقد حرص فريق أوباما على تجنّب استعمال كلمة «انقلاب» فى معرض الإشارة إلى التغيير فى الحكم، لأن استعمالها يُفضى إلى فرض قيود قانونية على المساعدات الأمريكية، ما يجعل من الصعب على الولايات المتحدة متابعة تعاونها الوثيق مع الجيش المصرى. لقد افترض المسؤولون الأمريكيون أنهم سيتمكّنون من إرساء روابط قوية مع الرئيس المقبل أياً تكن هويته. وكانت للبهجة الشديدة التى أثارها عزل مرسى فى الأوساط الإسرائيلية أصداءٌ قوية فى الدوائر المحافظة فى واشنطن، وفى أجزاء من الإدارة الأمريكية.

لم تبدأ الإدارة الأمريكية بتوجيه الانتقادات إلا بعد أحداث رابعة العدوية فى آب/أغسطس الماضى، مع العلم بأنها اكتفت ببيانات «التعبير عن القلق». لم يكن الهدف من هذه البيانات دعم مرسى أو الإخوان؛ بل عكست قلقاً إنسانياً من استخدام هذا القدر من العنف الشديد ضد المدنيين. كما أنها انطلقت من تفكير براجماتى يتمثّل فى الخوف من أن تساهم مثل هذه التكتيكات فى نشر التشدّد وتفاقم النزعة إلى العنف فى صفوف بعض الإسلاميين. هذا المنطق بالذات هو الذى يقف خلف الدعوات الأمريكية للمصالحة أو إشراك مختلف الأفرقاء - وذلك خوفاً من أن يؤدّى القمع إلى توليد مزيد من التشدّد وزعزعة الاستقرار.

تستعدّ إدارة أوباما، على مشارف الانتخابات الرئاسية والتشريعية المصرية، لتطبيع العلاقات على مدار هذا العام. وقد يقتضى ذلك رفع التعليق الجزئى للمساعدات، وزيادة وتيرة الزيارات المنتظمة التى يقوم بها مسؤولون مصريون كبار إلى واشنطن، واستئناف التعاون المعتاد على الصعيدَين الدبلوماسى والأمنى. كما كان الحال خلال عهد مبارك ومن ثم مرسى، لن يستند هذا الموقف إلى تفضيل ضمنى لأى مجموعة أو شخصية سياسية فى مصر، بل إلى الرغبة الأساسية فى التعاون مع من يتسلّم مقاليد السلطة أياً تكن هويته.

باختصار، لا شك فى أن هناك نقاط كثيرة يمكن انتقادها فى السياسة الأمريكية حيال مصر على مر سنين طويلة، خلال حكم مبارك وبعده. فقد ركّزت السياسة الأمريكية على التعاون مع كل من يدير مصر، وذلك بهدف تحقيق منافع استراتيجية للولايات المتحدة، حتى لو لم يُظهر أولئك القادة أى التزام حقيقى بالديمقراطية أو الحقوق أو مساعدة المصريين العاديين. انطلاقاً من هذا الواقع، إنه لأمر طبيعى ومبرّر أن يشعر المصريون بخيبة الأمل والاستياء. فالولايات المتحدة لم تكن الصديقة التى يتمنّونها. لكن السياسة الأمريكية، على الرغم من شوائبها، لم تتضمّن فى طيّاتها تفضيلاً للإسلاميين أو رغبة فى رؤية مصر تخضع لحكم الإخوان المسلمين.

لطالما ذُهِلتُ بحجم الاهتمام الشديد الذى يوليه عدد كبير من المصريين لما تفكّر فيه الولايات المتحدة وتقوله وتفعله بشأن بلادهم. آمل بأن ينصبّ استياؤهم على المسائل التى أخطأت فيها الولايات المتحدة فعلاً. فعبر تحويل اهتمامهم نحو قراءة غير صحيحة للمقاربة الأمريكية، لا يُستفيدون من القدرة التى يملكونها لحضّ الولايات المتحدة كى تكون شريكاً لجميع المصريين، شريكاً قيماً أكثر فعالية وتمسّكاً بالمبادئ.

تم نشر هذا المقال في جريدة المصري اليوم.

End of document

تعليقات القراء

 
Source: http://www.carnegie-mec.org/2014/05/01/ماذا-تريد-الولايات-المتحدة-فى-مصر/h9qi

المزيد من مركز الأبحاث العالمي

ابقوا على اطلاع

تسجّل للحصول على أحدث التحليلات من كارنيغي عبر البريد الإلكتروني! الخانات التي تحمل العلامة (*) إلزامية.

معلومات شخصية
 
 
Carnegie Middle East Center
 
شارع الأمير بشير، برج العازارية بناية 20261210، ط5 وسط بيروت ص.ب 1061 -11 رياض الصلح, لبنان
هاتف: +961 1 99 12 91 فاكس: +961 1 99 15 91
ملاحظة...

أنتم تخرجون الآن من موقع مركز كارنيغي-تسينغوا للسياسة العالمية وتدخلون موقعاً عالمياً آخر لكارنيغي.

请注意...

你将离开清华—卡内基中心网站,进入卡内基其他全球中心的网站。