من تونس إلى مصر: الاحتجاجات في العالم العربي

ميشيل دنّ، عمرو حمزاوي، مارينا أوتاوي، مروان المعشّر 31 كانون الثاني/يناير 2011 واشنطن العاصمة
ملخّص
أشعلت التظاهرات في تونس، التي دفعت بالرئيس بن علي إلى مغادرة البلاد، احتجاجات واسعة النطاق في المنطقة، امتدّت إلى مصر والأردن واليمن، علماً أن الاحتجاجات في مصر هي في تَنامٍ ولم يسبق لها مثيل منذ عقود. فهل ستبقى تونس حالة منعزلة أم تكون نقطة انطلاقٍ لموجة من التغيير؟
 
 
أشعلت التظاهرات التونسية، التي أجبرت الرئيس بن علي على الفرار من البلاد، احتجاجات واسعة النطاق في المنطقة امتدّت إلى مصر والأردن واليمن، علماً أن الاحتجاجات في مصر ضدّ نظام الرئيس حسني مبارك في تَنامٍ، ولم يسبق لها مثيل منذ عقود. 
 
مروان المعشّر ومارينا أوتاوي وميشيل دن من مؤسسة كارنيغي ناقشوا التطوّرات في مصر وتداعياتها على العالم العربي. وقد انضمّ إليهم عمرو حمزاوي من مركز كارنيغي للشرق الأوسط مباشرةً من قلب الاحتجاجات في ميدان التحرير في القاهرة.

ما الخطوة التالية في مصر؟

يشهد الوضع في مصر تغيّراً سريعاً جداً في ظلّ الاحتجاجات والإضراب العام الذي دُعي إليه في الأول من شباط/فبراير. ويُقدّر حمزاوي أن هذه الاحتجاجات ستكون على الأقلّ بحجم مثيلاتها التي حدثت يوم الجمعة الفائت، مشيراً إلى أن الحكومة المصرية منعت القطارات من دخول القاهرة، في محاولة منها للحدّ من عدد المتظاهرين. في المقابل، رأت ميشيل دن أن الساعات الأربع والعشرين المقبلة ستشكّل على الأرجح نقطةً مفصليةً في مصر. فالأحداث ستتّجه إما نحو انتقال ما للسلطة وإما نحو قمع للمتظاهرين بالقوة.
 
أما مسار أيِّ انتقال للسلطة فسيتّخذ شكله وفقاً لما ستفعله قوى المعارضة والنظام، اللذين لا تزال مواقفهما غير ثابتة. 

قوى المعارضة

  • القيادة والتنظيم:  قادت التظاهرات في كلٍّ من تونس ومصر حركاتٌ شعبية لامركزية، ما ساهم في منع النظام من استلحاق هذه الحركات أو تفكيكها. في الوقت نفسه، سيكون ثمة حاجة، وفقاً لأوتاوي، إلى تفاوض بعض القيادات على انتقال السلطة. والشبابُ الذين يقودون الاحتجاجات يدركون أنه سيكون عليهم أن يسلّموا زمام القيادة إلى أفراد أكبر سناً. لكن على الرغم من بروز محمد البرادعي كشخصية محتملة تحظى بإجماع حولها، لفت حمزاوي إلى أن التنافس الحاد على القيادة يتواصل، وأن البرادعي يتمتّع بمصداقية محدودة في صفوف المصريين العاديين. وجماعة الأخوان المسلمين، على وجه الخصوص، لا تعتقد بأنه قادر على التعبير عنها أيضاً.

  • تنوّع المعارضة: أوضحت أوتاوي أن هناك فئات ثلاث مختلفة من المعارضة هي: حركة الشباب الليبرالية، التي نظّمت معظم الاحتجاجات إلى الآن، والحركة العمّالية، والأخوان المسلمين. وستكون التظاهرات والإضراب العام في الأول من شباط/فبراير مؤشّراً هاماً للغاية على ما إذا كانت هذه القوى قد اتّحدت أم لا. ثم أن جماعة الأخوان المسلمين، وإن كانت تتميّز بتنظيم أفضل من أحزاب المعارضة الليبرالية، لا تحظى بدعم أغلبية المصريين، كما تقول أوتاوي التي أضافت أنه من غير المحتمل أن تبرز حكومة إسلامية تُسيطر عليها الجماعة.

  • المطالب: وفقاً لحمزاوي، مطالب المعارضة الرئيسة هي تنحّي الرئيس مبارك عن السلطة، وحلّ البرلمان، وتشكيل جمعية دستورية جديدة، وإجراء انتخابات جديدة برلمانية ورئاسية. وقد ركّزت الاحتجاجات على المطالب المحلية ولم تتخلّلها أي شعارات إسلامية أو مُناهِضة للولايات المتحدة أو إسرائيل. 

النظام المصري

  • الحكومة: اعتبر المعشّر أن الرئيس مبارك قد انتهى سياسياً، سواء أكان ذلك غداً أو بعد ستة أشهر. وأضاف حمزاوي أن استجابة النظام للاحتجاجات كانت بطيئةً ومخيّبةً للآمال، وأن النظام فشل في معالجة المطالب الأساسية للمحتجّين. أما دن فأشارت إلى أن الردّ على الاحتجاجات كان إلى الآن موجّهاً من أعلى، ولا يزال من غير الواضح ما إذا كانت الحكومة المصرية مستعدّة للتفاوض على انتقال للسلطة.

  • الجيش: السؤال الأساسي المطروح، وفقاً لحمزاوي، هو ما إذا كان الجيش سيستمرّ في دعمه مبارك أو يقتدي بالمثال التونسي فيدعم عملية انتقال للسلطة. بدورها رأت أوتاوي أن مصر تواجه أزمةً اقتصاديةً خطيرةً نتيجة التظاهرات، ولن يكون الجيش قادراً على إعادة إرساء النظام قبل أن يتنحّى مبارك عن السلطة. إلا أن حمزاوي حذّر من أن مبارك لا يزال قائد المؤسسة العسكرية، ولن يحبّذ الجيشُ أن يتمّ اعتقاله أو محاكمته. 

التداعيات على العالم العربي

تخطّت الاحتجاجات حدود تونس ومصر ممتدّةً إلى اليمن والأردن ومزعزعةً العديد من الفرضيات الأساسية التي تقوم عليها الحكومات الاستبدادية العربية.
  • الاحتجاجات المتوسّعة: لفت المعشّر إلى أنّ كل نظام عربي سعى إلى القول إن بلاده ليست تونس، بيد أن الدول العربية كافة لها نقاط ضعفها. لذلك، تعهّد الرئيس السوري بشار الأسد بإجراء إصلاح سياسي، وعلى الحكومات العربية الأخرى أن تجري إصلاحات إذا ما أرادت أن تتفادى نشوب احتجاجات كبيرة ضدّها. 

  • الحوكمة هي المشكلة: أكّد المعشّر أن فتيل هذه الاحتجاجات أشعلته التظلّمات الاقتصادية في البداية، لكنّ سببها في الأساس هو سوء نوعية الحوكمة. بالتالي، لن يكفي أن تقدّم الحكومات العربية تنازلات اقتصادية. وأضاف أن الأنظمة العربية لطالما زعمت أن التقدّم الاقتصادي يجب أن يأتي قبل الإصلاح السياسي، غير أن التحرّر الاقتصادي من دون ضوابط وموازين أدّى إلى تنامي الفساد ومشاعر الاستياء.

  • أسطورة الإصلاح التدريجي: أوضح المعشّر أن مقاربة الإصلاح التدريجي من فوق إلى تحت في العالم العربي فشلت، وأن الأنظمة العربية لم تعد تتمتّع برفاهية تأجيل الإصلاح إلى ما لانهاية. لطالما نُظِر إلى الشعوب العربية على أنها سهلة الانقياد، إلى أن أظهرت الأحداث الأخيرة أنها لن تنتظر الإصلاح بصبر بعد الآن. 

  • تخطّي الخوف من الإسلاميين: تمسّكت الحكومات العربية طويلاً بالحجة القائلة بأنّ التحرّر السياسي من شأنه أن يتيح للإسلاميين السيطرة، لكن مَن قاد الاحتجاجات في تونس ومصر كانوا مواطنين عاديين، خصوصاً من الطبقة الوسطى. وأوضح المعشّر أن انعدام المساحة السياسية هو تحديداً ما حال دون قيام الحركات المعارِضة الليبرالية التي يمكن أن تتنافس مع الإسلاميين. وأضاف أن الإسلاميين يشكّلون قوةً سياسيةً كبرى، والأحزاب الإسلامية المسالِمة يجب أن تُضَمّ إلى أي حكومة وحدة وطنية تُشَكَّل، كي تكون حكومةً تتمتّع بالمصداقية.

تحدّيات أمام السياسة الأميركية

تهدّد الأحداث في تونس ومصر السياسة الأميركية القديمة القائمة على دعم القادة الاستبداديين العرب باسم الاستقرار، ولذلك سيكون على الولايات المتحدة أن تعيد تقييم مقاربتها للمنطقة. 
  • اتّخاذ موقف واضح: وفقاً لأوتاوي، حافظت الولايات المتحدة إلى الآن على موقف وسطي تجاه مصر، معبّرةً عن دعمها للمتظاهرين والنظام على حدٍّ السواء، لكنها هذه مقاربة ما عاد بالإمكان المحافظة عليها. واعتبر حمزاوي معقّباً على ذلك أنّ المصريين محبَطون إزاء الاستجابة الأميركية البطيئة، وعلى الرغم من أن التصاريح الأخيرة لوزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون عن دعم انتقال للسلطة كانت إيجابيةً جداً، لا بدّ من القيام بالمزيد. ونصح كلٌّ من أوتاوي وحمزاوي الولايات المتحدة بالدعوة إلى تشكيل حكومة وحدة وإلى إجراء انتخابات حرّة. 

  • تفادي إضاعة المزيد من الفرص: أوضح كلّ من المعشّر وأوتاوي أن الولايات المتحدة أضاعت فرصتها في التأثير على الأحداث في مصر، وأن دورها تراجع الآن إلى دور المتفرّج فقط. ومع ذلك، اعتبر المعشّر أنها قادرة على الاضطلاع بدور أهمّ في دعم الإصلاح الجدّي والتشجيع عليه في البلدان العربية الأخرى. وختم المعشّر بأن الأحداث في تونس ومصر يمكن أن تساعد الولايات المتحدة على التخلّي عن الفكرة القائلة بأن خيارَيها الوحيدَين هما إما دعم القادة الاستبداديين وإما مواجهة الثورات. 

  • دعم الديمقراطية: أشار المعشّر وأوتاوي إلى أن البرامج الأميركية لمساعدة الديمقراطية لم تكن فعّالةً في تعزيز الإصلاح العربي، بل استخدمتها الولايات المتحدة والأنظمة العربية عوضاً عن ذلك لتطبيق ديموقراطية شكلية.

  • التداعيات على إسرائيل: الشعب المصري ليس داعماً لإسرائيل، وأيّ حكومة مصرية ديمقراطية ستبدي ودّاً أقلّ تجاه هذه الأخيرة. مع ذلك، توقّع المعشّر وأوتاوي أن تكون مثل هذه الحكومة منهمكةً بمعالجة المسائل الداخلية، ولن تُغيِّر سياسة مصر الخارجية جذرياً أو تُبطِل معاهدة السلام مع إسرائيل. وأضاف المعشّر أنه ما مِن عملية سلام إسرائيلية-فلسطينية موثوقة حالياً، وسحب الدعم المصري للعملية لن يكون له بالتالي تأثير يُذكَر. وبعبارة أشمل، خلص المعشّر إلى القول إن هذه الاحتجاجات لا تتعلّق بإسرائيل، والشعوب العربية مستاءة لأن الولايات المتحدة لا تراها سوى من منظار إسرائيل.
Source: http://carnegieendowment.org/2011/01/31/من-تونس-إلى-مصر-الاحتجاجات-في-العالم-العربي/fubt

المزيد من مركز الأبحاث العالمي

ابقوا على اطلاع

تسجّل للحصول على أحدث التحليلات من كارنيغي عبر البريد الإلكتروني! الخانات التي تحمل العلامة (*) إلزامية.

معلومات شخصية
 
 
Carnegie Middle East Center
 
شارع الأمير بشير، برج العازارية بناية 20261210، ط5 وسط بيروت ص.ب 1061 -11 رياض الصلح, لبنان
هاتف: +961 1 99 12 91 فاكس: +961 1 99 15 91
ملاحظة...

أنتم تخرجون الآن من موقع مركز كارنيغي-تسينغوا للسياسة العالمية وتدخلون موقعاً عالمياً آخر لكارنيغي.

请注意...

你将离开清华—卡内基中心网站,进入卡内基其他全球中心的网站。