هل يستطيع السودان تفادي تجدد الحرب الأهلية في عام 2011؟

صدى - تحليلات
ملخّص
مع اقتراب اجراء استفتاء على استقلال جنوب السودان في أقل من 100 يوم، يتزايد القلق في المجتمع الدولي حول امكانية حدوث كارثة في السودان. ولكن أحد الإيجابيات في البلاد هو أنه ليس لأي من القوة الخارجية مصلحة في زعزعة استقرارها.
موارد إعلامية وأدوات ذات الصلة
 

سيشهد العام 2011 على الأرجح ولادة دولة جديدة في ما يُعرَف الآن بجنوب السودان. فلاشكّ في أن سودانيي الجنوب سوف يصوّتون للاستقلال في يناير/كانون الثاني، ويُطلقون بالتالي مرحلة انتقالية من ستّة أشهر قبل قيام الدولة الجديدة. قبل نحو مئة يوم فقط من الاستفتاء، وصفت وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون في سبتمبر/أيلول السودان في عبارة شهيرة بأنّه "قنبلة موقوتة" مما يعكس المزاج القلق في واشنطن على مشارف الاستفتاء. على أي حال، يتخوّف مسؤولون وناشطون وخبراء كثر من أن السودان يتّجه ربما نحو حرب شبيهة بالحرب الأهلية التي أسفرت عن مقتل حوالي مليوني سوداني منذ الخمسينات.

بيد أن العودة إلى الحرب ليست محتملة، ولامحتومة. فلدى كل من الخرطوم وجوبا (عاصمة الجنوب) حوافز قويّة لتفادي تلك النتيجة. وخلافاً لفلسطين/إسرائيل، ليست الأراضي المتنازَع عليها مقدّسة، وليس هناك مفسِدون خارجيون حقيقيون. في الواقع، لن تجني الدول التي تملك المصالح الأكبر في السودان، بغض النظر عمّا إذا كانت تميل إلى جوبا (مثل الولايات المتحدة) أو الخرطوم (مثل الصين ومصر)، الكثير بل على العكس ستخسر كثيراً إذا تجدّد النزاع.

فمن شأن الحرب في السودان أن تورّط إدارة أوباما في أزمة دولية مكلفة أخرى – ومضرّة سياسياً – وتهدّد أمن الطاقة في الصين (7 في المئة من وارداتها النفطية من السودان). كما تسود أجواء من الالتباس في القاهرة في شأن التعاون بين البلدَين حول نهر النيل الذي يشكّل شريان الحياة في الاقتصاد المصري. من شأن الحرب أن تهدّد أيضاً الاستثمارات الكبرى في الأراضي السودانية التي تقوم بها شركات خليجية تعمل في قطاع الزراعة، وحكومات خليجية ترى في البلاد منطقة أساسية لإنتاج الحبوب. وبعدما استشعر الدبلوماسيون في بيجينغ والقاهرة النتيجة المرجَّحة للاستفتاء، أطلقوا حملات للاستحواذ على القلوب في جوبا، بما في ذلك مبادرات استثمارية جديدة كبرى في الجنوب للحفاظ على مصالحهم الجوهرية في مجالَي الطاقة وأمن المياه.

صحيح أنّ الشمال والجنوب تصادما مراراً وتكراراً بسبب العائدات النفطية منذ توقيع اتفاق السلام الشامل العام 2005، واستعمل الجانبان أكثر من 30 في المئة من عائداتهما لبناء القوات المسلحة، لكن يمكن أن يشكّل النفط قوّة تساهم في التسوية في المستقبل. فبما أنّ الجزء الأكبر من الاحتياطي موجود في الجنوب، في حين أن البنى التحتية الأساسية، بما في ذلك خطوط الأنابيب والمرافئ، تقع في الشمال، فإن الطرفين عالقان في نوع من التبعيّة المتبادلة. ثم أنه من المستبعد جداً بناء خط أنابيب في الجنوب، إذ هو يتطلّب سنوات طويلة من العمل ومبالغ طائلة. وإزاء هذا الواقع، تسقط الحسابات المحفوفة بالمخاطر التي يمكن أن تسعى كل عاصمة من خلالها إلى الربح على حساب تكبّد العاصمة الثانية خسارة موازية. فنظراً إلى أن الخرطوم تعتمد على العائدات النفطية في 60 في المئة من موازنتها، وتعتمد عليها جوبا في 98 في المئة من موازنتها، لايستطيع أيّ من الجانبَين أن يخاطر بخسارة هذه السيولة الآن.

بما أنّ احتمال خسارة الجنوب هو كأس مرّة تتجرّعها الخرطوم، فمن الضروري الحفاظ على نموذج عادل لتقاسم العائدات في السنوات الخمس المقبلة تقريباً، مع الانتقال شيئاً فشيئاً من تقسيم العائدات بالتساوي كما يحدث حالياً إلى رجحان تدريجي في كفّة الميزان لصالح جوبا. وسيتعيّن على الولايات المتحدة ممارسة ضغوط قوية على جوبا كي تكبح مطالبها المتطرّفة في مجال العائدات النفطية.

سيكون المليونا جنوبي الذين سيواصلون على الأرجح العمل في الخرطوم وإرسال تحويلات مالية أساسية إلى عائلاتهم شهرياً، عنصراً آخر في هذا الرابط الاقتصادي، فتبقى المنطقتان متداخلتَين بالنسبة إلى ملايين السودانيين على المستوى العائلي الأكثر جوهرية. وتستطيع الخرطوم أن تلغي حقوق العمل الممنوحة للمهاجرين أوتطردهم، لكن من شأن هذه الخطوة أن تقوِّض اقتصادها، وتدفع بجوبا إلى الرد انتقاماً.

سيكون لتطبيع العلاقات مع واشنطن تأثير محفِّز للاعتدال لدى الخرطوم. فالاستراتيجية الأمريكية تسلّط الضوء على الجزرات الديبلوماسية التي تبدي الإدارة استعداداً لعرضها على الخرطوم، وتضفي طابعاً رسمياً عليها، بعد نحو عامَين من التجاذب الداخلي في واشنطن بين الصقور تجاه السودان وبين من يفضِّلون استيعاباً على طريقة ليبيا في 2003. إذا التزمت خرطوم بنتيجة الاستفتاء، سوف تبدأ الولايات المتحدة رفع القيود عن التجارة والاستثمارات غير النفطية. وعند تلبية كامل مقتضيات اتفاق السلام الشامل في يوليو/تموز وتسوية نزاع دارفور، سوف ترفع واشنطن العقوبات وتتوقّف عن تصنيف السودان في خانة الدول الداعمة للإرهاب، وتعمد إلى تطبيع علاقاتها معها وتدعم الجهود التي تبذلها في صندوق النقد الدولي والبنك الدولي لشطب ديونها البالغة 38 مليار دولار.

بالتأكيد، لاشيء من هذا يضمن طلاقاً سلمياً بين الشمال والجنوب، ولكن من السهل أن تحضر سيناريوهات الهلاك. وفي ما يأتي اثنان من هذه السيناريوهات:

تسيطر الخرطوم على حقول النفط قرب الحدود: يمكن أن تنجم مثل هذه الخطوة عن انهيار الاستفتاء ومفاوضات الوضع النهائي، مايقود إلى إعلان الاستقلال من طرف واحد. وقد تردّ حكومة البشير بالسيطرة على حقول النفط الكبرى في الجنوب، فتُترَك أنابيب النفط على الأرجح عرضة إلى التخريب. ويمكن أن يؤدّي ذلك إلى تراجع الإنتاج بمعدّل 400000 برميل في اليوم (مايسدّد ضربة قوية إلى شركات "سي إن بي سي" و"بتروناس" و"أو إن جي سي"، وكذلك إلى الصين). قد تصبح حقول هجليج النفطية، وهي الأكبر في السودان، نقطة تفجّر أساسية، فكل طرف يعتبر أن هذه الحقول التي يشغّلها الصينيون تقع حكماً ضمن حدوده.

تُسلِّح الخرطوم أتباعاً لها لزعزعة الاستقرار في المناطق الحدودية (20 بالمئة): يُرجَّح أن تقوم الخرطوم بشيء من هذا القبيل، لكن زعزعة الاستقرار في مناطق بكاملها مثل ولاية الوحدة ومنطقة أبيي وولاية أعالي السودان عبر استثارة الخصومات الإتنية أو تلك التي تتسبّب بها الموارد (ولاسيما بين جماعتَي دينكا والنوير)، تتطلّب مجهوداً منهجياً ومستداماً. ويمكن أن تقود أيضاً إلى هجمات مضادّة تنفّذها القوات الجنوبية داخل المناطق الحدودية الشمالية مثل جنوب كردفان، ويُحتمَل أن تؤدّي إلى تجدّد الحرب.

هناك مخاطر جمّة أخرى أيضاً. إذ يمكن أن تنشب خلافات على الأراضي بين مجتمعات دينكا الزراعية وبدو عرب المسيرية في أبيي بعد الاستفتاء، ويتدخّل فيها الجنود والميليشيات المحتشدون في جانبَي الحدود. وقد كادت مواجهة عنيفة بين الجيش الشعبي لتحرير السودان والقوات المسلّحة السودانية في أبيي قبل عامَين أن تُجهِز على اتفاق السلام الشامل. فعلى الرغم من صدور حكم دولي حول الحدود العام الماضي اعتبر أنّ الجزء الأكبر من النفط المتنازَع عليه في المنطقة يقع في الشمال في حين أن الأراضي الأكثر خصوبة تقع في الجنوب، لاتزال الحدود الفعلية من دون ترسيم شأنها في ذلك شأن باقي الحدود الممتدّة على طول 1800 كيلومتر.

الخطر المحتمل الآخر هو الاصطدام بحائط مسدود بعد الاستفتاء، مع رفض الخرطوم النتيجة بحجّة أن العملية مشوبة بعيوب فادحة ولاتتمتّع تالياً بالمصداقية. وعلى الأرجح أن ذلك سيدفع بالجنوب إلى إعلان الاستقلال من جانب واحد، فيقع المجتمع الدولي في حيرة دبلوماسية استقطابية حول الاعتراف بالجنوب دولة مستقلّة أو عدم الاعتراف به. ويمكن أن يتسبّب هذا السيناريو بانقسام داخل الاتحاد الأفريقي ومجلس الأمن الدولي (غالب الظن أن الجامعة العربية ستدعم الخرطوم بكامل أعضائها في هذا السيناريو)، فيقود هذا في الغالب إلى مأزق يزيد من حدّة التشنّجات الدبلوماسية بين الخرطوم وحلفاء جوبا مع بقاء مسألة الدولة الجنوبية من دون حل. يشار في هذا السياق إلى أن الدول المتخوّفة من إرساء سابقة تستغلّها الحركات الانفصالية في مناطقها، قد تقف إلى جانب الخرطوم في النزاع.

بيد أن المرحلة الانتقالية الممتدّة لستّة أشهر بين الاستفتاء وولادة الدولة رسمياً يمكن أن تمنح الوقت الكافي للتوصّل إلى تسويات عملية في مسائل "الوضع النهائي" تساعد الطرفَين – والمجتمع الدولي – على تفادي السنياريوهات الأسوأ. لكن لايمكن أن تظلّ هذه المفاوضات متوقِّفة بانتظار الصباح الذي يلي الاستفتاء – فالمسائل معقَّدة جداً والرهانات عالية جداً والطرفان متباعدان جداً. الخبر السارّ هو أنّ المحادثات الجدّية انطلقت، وأخيراً، بين مفاوضين من حزب المؤتمر الوطني وآخرين من الحركة الشعبية لتحرير السودان، وتشير التقارير إلى أن العمل جارٍ من أجل التوصّل إلى تسويات في مسألتَي أبيي وتقاسم العائدات النفطية. ومنذ التحذير الذي أطلقته كلينتون عن "القنبلة الموقوتة"، أصبحت الولايات المتحدة والاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة أكثر انخراطاً بصورة لافتة في التخطيط السابق للاستفتاء والتعامل مع نتائجه بعد حدوثه. فالمجتمع الدولي، وعلى الرغم من التباين أحياناً في وجهات النظر والمصالح في موضوع السودان، موحَّد في شكل أساسي في الرغبة في تفادي العودة إلى النزاع الدموي.

ستكون الأشهر الثلاثة المقبلة محورية على جبهتَين: الاستعدادات لاستفتاء ذي مصداقية (وهي ليست بالمهمّة السهلة في منطقة حيث البنى التحتية شبه معدومة) تقوده الأمم المتحدة، والتعجيل في مفاوضات الوضع النهائي. وسيساعد تحقيق تقدّم في هذه المفاوضات على تجنّب وقوع الاستفتاء، واحتمال استقلال الجنوب، فريسة حسابات الربح والخسارة المحفوفة بالمخاطر في العاصمتَين والتي يمكن أن تُفجِّر هذه القنبلة الموقوتة.

فيليب دو بونتيه مدير الشؤون الأفريقية في مجموعة أوراسيا.
 

End of document

تعليقات القراء (2)

 
 
  • musaad bakr
    اعتقد ان السيناريو المسبق اعداه من قبل اخذ موضع التنفيذ.. و مصر جزء لايتجزء من هذا السيناريو لذا كان خبر انتشار القوات الاممية اليوم من الاجدر ان يؤخذ فى الاعتبار وكان ينبغى ان تشارك مصر بدور دبلوماسى لانه امر بلا شك يهمها خاصة ما يدور من حقن طائفى داخلى ليس المسلمون وحدهم المسئولون عنه بقدر ما يجرى على الساحة الداخلية من تمميزضد الرموز الاسلامية فالمجتمع المصرى متدين بطبعه والاقباط ملتحمين مع المسلمين فى حياتهم اليومية فلا مجال لاثارة المشاعر لان ما يجرى على ارض السودان يجعلنا اكثر حرصا لتفادى عقبات تعوق دفع عجلة التنمية .
     
     
    اكتب ردًا

     
    إقفال النافذة
  • محمد الواثق الجريفاوي
    الأسؤا في مسألة الإستفتاء هو التعامل مع قيامه كاحد استحقاقات اتفاقية السلام - فالحق متفق عليه - ولكن تطور عملية تنفيذ الإتفاقية لايبشر باجراء مثالي للإستفتاء - واتفق فيما جاء به التحليل من التقليل من فرضية قيام حرب مرة اخرى بين الشمال والجنوب .
    وانا اكتب هذا التعليق بعد شهرين من نشره ارى انا سياق الأحداث يذهب في اتجاه التحليل حيث بدأت مصر في التقرب من جنوب السودان وطرحت فكرة الكونفيدرالية - على الرغم من انها فكرة قديمة طرحها القس / دانفورث من قبل في العام 2001 وزاد اهتمام الصين بالجنوب وحكومته . وهناك بوادر تلوح من بعيد نحو تأجيل الإستفتاء لعدة اسابيع اخرى .
    ختاماً ، وجد شريكا الحكم نفسيهما في وضع محرج وامام التزام سياسي وقانوني يصعب تجاوزه ، بعد ان تركا التطور العفوي والحراك السياسي اليومي يقود الإتفاقية بعيدا عن التفكير والتخطيط الإستراتيجي .
     
     
    اكتب ردًا

     
    إقفال النافذة
Source: http://carnegie-mec.orghttp://carnegieendowment.org/sada/?fa=41727&lang=ar

ابقوا على اطلاع

تسجّل للحصول على أحدث التحليلات من كارنيغي عبر البريد الإلكتروني! الخانات التي تحمل العلامة (*) إلزامية.

معلومات شخصية
 
 
Carnegie Middle East Center
 
شارع الأمير بشير، برج العازارية بناية 20261210، ط5 وسط بيروت ص.ب 1061 -11 رياض الصلح, لبنان
هاتف: +961 1 99 12 91 فاكس: +961 1 99 15 91
ملاحظة...

أنتم تخرجون الآن من موقع مركز كارنيغي-تسينغوا للسياسة العالمية وتدخلون موقعاً عالمياً آخر لكارنيغي.

请注意...

你将离开清华—卡内基中心网站,进入卡内基其他全球中心的网站。