الخطوة التالية بالنسبة إلى سورية

Source: Getty
سؤال وجواب
ملخّص
ما يحدث في سوريا سيكون له تأثير كبير على بقية المنطقة، وإذا ما سقط نظام الأسد، فسيكون ذلك بمثابة ضربة استراتيجية لإيران.
موارد إعلامية وأدوات ذات الصلة
 
مع إجراء تونس ومصر انتخابات ديمقراطية ومضي العملية الانتقالية فيهما قُدُماً، تواصل سورية الانزلاق إلى العنف. في سؤال وجواب مصوّر، يقول بول سالم إنه حتى مع انتشار المظاهرات السورية وفرض عقوبات إضافية من قبل الجامعة العربية وتركيا وأوروبا، لم يظهر نظام الأسد أي إشارة على الاستعداد الفعلي للتفاوض او التنازل. ويوضّح أن مايحدث في سورية سيكون له تأثير كبير على بقية أنحاء المنطقة، وإذا ما سقط النظام في دمشق، فسيكون ذلك أكبر ضربة إستراتيجية لإيران منذ الحرب الإيرانية - العراقية.
 

ما الذي يجري في سورية؟

بلغت الأزمة في سورية نقطة متقدمة جداً. فقد وصل عمر الانتفاضة المستمرة والقوية إلى تسعة أشهر وهي تنتشر في أنحاء كثيرة من البلاد، في داخل الكثير من المناطق الريفية والضواحي، وبعض المدن الصغيرة أيضاً. وقد أدّت الانتفاضة إلى تأسيس المجلس الوطني السوري، والذي هو في الغالب من خارج سورية، وهناك أيضاً لجان التنسيق داخل سورية. الانتفاضة سلمية في معظمها، لكن بعض الجماعات أصبحت مسلّحة. وقد ظهر أيضاً الجيش السوري الحرّ، الذي يتشكّل من مجموعة من ضباط الجيش السابقين الذين يستخدمون الأسلحة في التمرد.
 
وقف النظام بحزم ضد هذه الانتفاضة، وكان قاسياً بل وحشياً في الطريقة التي تعامل بها مع المتظاهرين. لكن على عكس الأنظمة في مصر وتونس واليمن، لم تحدث عمليات انشقاق كبيرة في قيادات النظام او القوات المسلحة حتى الآن. لذا فهي انتفاضة قويّة وصلبة ونظام قويّ وصلب في الوقت نفسه، بمعنى أن هناك نوعاً من توازن القوى.
 
بيد أن الوقت يمضي في غير صالح النظام لأنه مع مرور الوقت، يتعرّض الاقتصاد - الذي يعاني بالفعل من أوضاع صعبة جداً - للضغوط أكثر من أي وقت مضى. كما أصبحت البيئة الإقليمية والدولية عدائية بشكل متزايد للنظام. كان لدى سورية الكثير من الأصدقاء قبل بدء هذه الانتفاضة لكنها فقدت معظمهم. وبالتالي يبدو أن النظام، على الرغم من أنه لايزال صلباً ويقاتل بكل قوته، وله أصدقاء في إيران والعراق وفي حزب الله في لبنان، في انحدار تدريجي.
 

هل هذه هي بداية لحرب أهلية في سورية؟

أودّ أن أصف الوضع على أنه ليس حرباً أهلية بل معركة بين النظام وقطاعات واسعة من المواطنين. فحتى المتظاهرون السلميون قوبلوا بالعنف. وبالطبع أصبح بعض العناصر في الانتفاضة مسلحين وهؤلاء أيضاً يقابَلُون بالعنف.
 
ومع ذلك، إذا ما انهار النظام وانقسمت سورية إلى فئات متنافسة، ربّما على أساس طائفي، على غرار ما حدث في العراق وفي لبنان، فقد تصل سورية الى حالة حرب أهلية. وفي حين أن هناك مخاطر فعلية في هذا الاتجاه ، الا ان النظام يضخّم هذا الخطر، بل يسعى لتأجيج التوتر الطائفي، طارحاً نفسه على أنه البديل الوحيد للحرب الأهلية.
 
إذا ما انهارت الدولة تماماً، كما حدث في العراق وفي لبنان، فقد نشهد فترة وجيزة من الحرب الأهلية والطائفية أو أشكال أخرى من العنف. ولكن على عكس العراق ولبنان، ليس ثمّة توازن في القوى بين الطوائف في سورية لكي تحدث حرب أهلية طويلة الامد. وإذا وصل الأمر إلى ذلك، فإن الغالبية السنيّة العربية في سورية ساحقة - 70 في المئة وهي موجودة في كل المدن الكبرى – لدرجة لايمكن معها أن تحدث حرب أهلية مفتوحة. 
 
لذا فإن ثمّة خطراً بحدوث انتقال عنيف وفترة انتقالية صعبة، ولكني لا أعتقد أن الانزلاق إلى حرب أهلية طويلة الأمد ممكن في سورية.
 

ما مدى قوة الاقتصاد السوري؟

تقليدياً، كانت الصفقة من جانب النظام تتمثّل في أن يوفّر الاستقرار والأمن والازدهار والنمو، ولكن ليس الديمقراطية. الآن هذه الصفقة تنهار، لأن الاقتصاد السوري في حالة يرثى لها.
 
لم يكن أداء الاقتصاد السوري على ما يرام قبل بدء الانتفاضة، وقد بدأ يسوء فعلاً منذ بدء الاحتجاجات. وتوقّفت السياحة تماماً، وهي التي كانت تمثّل في السابق قطاعاً كبيراً جداً. الاستثمار الأجنبي المباشر، الذي كان ينتعش بشكل صحي جداً، انخفض إلى أرقام متواضعة بالمقارنة مع ما كان عليه في السابق. انخفضت التجارة بنسبة 60 إلى 70 في المئة، وآفاق حدوث انتعاش اقتصادي تبدو قاتمة جداً، لأنه يبدو أن هذه الأزمة ستكون طويلة الأمد.
 
ان الطبقة المتوسطة وطبقة رجال الأعمال في سورية - وبخاصة في المدن الكبرى والبلدات التي استفادت من بعض النمو الاقتصادي في السنوات الأخيرة – أمسوا الآن في مأزق حرج. ولكنهم ليسوا متحمّسين لانتفاضة كاملة يخشون من أنها يمكن أن تجلب فترة من الفوضى والمزيد من الخسائر الاقتصادية.
 
ان الاقتصاد ليس معزولاً بالكامل - بالطبع هناك عقوبات من جانب الغرب، وهناك تراجع في العديد من القطاعات - ولكنه لايزال مفتوحاً إقليمياً إلى حدٍّ ما. فلا يزال هناك تبادل تجاري مع إيران والعراق وتركيا ولبنان والأردن ودول الخليج. ولكن الاقتصاد يمرّ في ظروف صعبة للغاية.
 
الاقتصاد لن ينهار غداً، ولكن إذا ما نظرنا إلى الأمر بعد أشهر عدة من الآن، فإن الانتفاضة تشكّل عبئاً اقتصادياً ثقيلاً ، والشعب والنطام لا يستطيع ان يتحمّله طويلاً.
 

كيف يجب على الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي أن يتعاملا مع ما يحدث؟

كانت أدوار الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي تدرّجيّة وصحيحة حتى الآن. كانا بطيئين في ردّ فعلهما تجاه ما يحدث في البداية، حيث كانت العديد من الدول، في الأشهر القليلة الأولى من الانتفاضة ، متردّدة في التحدث علناً ضد النظام لأنها كانت تخشى الفوضى أو أنها كانت تخشى من بديل النظام.
لكن بحلول شهر آب/أغسطس، وصل الغرب إلى الموضع الصحيح لدعم الوقف الفوري للقمع والتنفيذ الفوري للإصلاحات، أو لتنحّي النظام أو الرئيس إذا لم يتم القيام بتلك الأمور فوراً. كان هذا ولايزال هو الموقف الصحيح، ولكن هناك المزيد الذي يجب القيام به للمضيّ قُدُماً.
 
إذا ما واصل النظام حملة القمع الوحشية من دون القيام بتغييرات جذرية، يمكن النظر مجدداً في مسألة العقوبات. ينبغي على الغرب، من خلال العمل مع جامعة الدول العربية وبلدان في داخل المنطقة، ومع المعارضة السورية، أن يدرس الإجراءات التي من شأنها تعزيز حماية المدنيين من قمع النظام والمساعدة على تشجيع أو فرض تغيير سياسي إيجابي في سورية.
 

ماذا يمكن أن تفعل الجامعة العربية أكثر؟

 جامعة الدول العربية، والتي كانت في سبات على مدى عقود، نشطة جداً في سورية، كما كانت في الأزمة الليبية. وهذا، في جزء منه، نتيجة للتغييرات في مصر، والتي هي الآن استعادت كثيراً من الشرعية في العالم العربي. كما أنه نتيجة لنشاط دول الخليج وخاصة قطر، والتي تلعب دوراً دبلوماسياً حيوياً جداً، من خلال قناة الجزيرة وعبر القنوات الدبلوماسية وجامعة الدول العربية.
 
إن موقف الجامعة العربية تجاه سورية مبني جزئياً على سابقة ليبيا ومسألة حماية المدنيين. وهو يعكس بالتأكيد التوتّرات الإقليمية بشأن النفوذ الإيراني في العالم العربي، حيث إن إيران حليفة سورية منذ مدة طويلة. ويعكس التوتّر المذهبي بين الدول السنيّة والدول غير السنيّة، سواء كان يهيمن عليها الشيعة أو العلويون، كما هو الحال في سورية. 
 
اتّخذت جامعة الدول العربية الموقف الصحيح حتى الآن، بغضّ النظر عن دوافعها. فقد دافعت دول الجامعة عن حقوق الإنسان في سورية، وحاولت وقف القتل وإيجاد تسوية عن طريق التفاوض، وهي تحاول إرسال وفد لحماية المدنيين. وأعتقد أنها قد أوصلت جامعة الدول العربية إلى وضع يمكّنها من الدعوة إلى مزيد من الخطوات، ربّما من قبل مجلس الأمن الدولي وأطراف أخرى، إذا ما زادت الأمور سوءاً في سورية.
 
ومن ثمّ أصبحت الجامعة العربية مرة أخرى لاعباً هاماً جداً في العالم العربي. أعتقد أن هذا شيء جيد. إن مجلس التعاون الخليجي هو لاعب مؤسّسي كبير ايضاً.
 

ما الأدوار التي تقوم بها كل من إيران وتركيا وغيرها من القوى الإقليمية ؟

كانت سورية في الماضي ، وعادت اليوم مرة أخرى، ساحة لتصارع النفوذ في الشرق الأوسط. إيران لديها أكبر قدر من الاهتمام والنفوذ. عقدت إيران تحالفاً مع سورية منذ قيام الثورة الإسلامية في العام 1979. ومن خلال سورية، اكتسبت إيران نفوذاً ليس فقط في سورية بل في لبنان، حيث دعمت نشوؤ حزب الله. وعبر وجودها في لبنان وسورية، تمكنت إيران أيضاً من الوصول إلى حركة حماس في الأراضي الفلسطينية، وأن تكون، عبر حزب الله وعبر سورية، على الحدود مع إسرائيل، وأن تكون لاعباً في الصراع العربي - الإسرائيلي وربما عملية السلام العربي - الإسرائيلي.
 
إن سقوط النظام في سورية، اذا حصل، سيكون أكبر ضربة إستراتيجية لإيران منذ الحرب العراقية - الايرانية في ثمانينيات القرن الماضي، وسيمثّل على الأرجح نهاية فترة تصاعد النفوذ الإيراني، والتي بدأت مع إطاحة الولايات المتحدة عَدُويّ إيران الطالبان وصدام حسين. كان هذا بمثابة هدية كبيرة إيران ومكنها من استعراض قوّتها، سواء في الشرق الأوسط أو في آسيا الوسطى. لكن خسارة سورية ستكون تراجعاً كبيراً. فإيران سوف تخسر آنذاك نفوذها في سورية ولبنان وفلسطين.
 
تركيا لديها اهتمام كبير بسورية. وفي حين أنه ليس بحجم اهتمام إيران ، فقد بنت تركيا علاقات جيدة جداً مع سورية، باعتبار ذلك وسيلة لبسط نفوذها في العالم العربي، وأيضاً باعتبار سورية بوابة اقتصادية للشرق العربي. العلاقة توفّر طريقاً برية إلى دول الخليج والأسواق في سورية والأردن ولبنان. كما توفّر إمكانية نقل الغاز والنفط براً من مناطق العراق والخليج إلى شرقي البحر الأبيض المتوسط، وهو ماتهتم به تركيا كثيراً.
 
تركيا مهتمة أيضاً بأن يكون لها نفوذ في العالم العربي في مرحلة ما بعد الربيع العربي. تركيا ديمقراطية بالفعل ويقودها حزب له جذور إسلامية قوية. وهذا ما يمكن أن يكون عليه الحال في نهاية المطاف في مصر، وهو بالفعل الحال في تونس تقريباً، ويمكن أن يكون في سورية بعد الأسد. ومن ثمّ يرى حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا أنه من خلال هذه التحولات، يمكن أن يكون له تأثير أيضاً على الحكومات ذات الميول الإسلامية التي يمكن أن تأتي إلى السلطة. هذا يمكن أن يكون نعمة بالنسبة إلى النفوذ السياسي التركي ولمصالح تركيا الاقتصادية.
 
المملكة العربية السعودية لديها اهتمام كبير كذلك، لأنها تحاول باستمرار موازنة النفوذ الإيراني. ودول الخليج أيضاً قلقة جداً ومهتمة بنهاية ما يحدث في سورية. وهي الآن تدعم المعارضة بصورة فعّالة ومعادية للنظام. وسيكون تغيير النظام في سورية بالتأكيد موضع ترحيب من قبل معظم دول الخليج.
 

ما تأثير الصراع في سورية على بقية المنطقة؟

يمكن أن يكون للصراع في سورية مستويان من التأثير. أحد المستويين هو إذا ما تغير النظام، وكانت علاقات النظام الجديد الخارجية مختلفة عن علاقات النظام الحالي. فإذا ما تخلّى النظام الجديد عن تحالفه العميق مع إيران لصالح إقامة علاقات وثيقة مع تركيا والسعودية ودول الخليج وأوروبا فإنه سينهي ثلاثين عاماً من التحالف السوري - الإيراني. ومن شأن ذلك أن يقلّص بشكل كبير النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط على سورية ولبنان وفلسطين وإسرائيل.
 
سيؤثّر تغيير النظام في سورية أيضاً بصورة مباشرة على البيئة الإستراتيجية لحزب الله. فقد بنى حزب الله نفسه كقوة إستراتيجية كبرى بغطاء إستراتيجي وجسر وفّرته سورية. إذا تمّت إزالة هذا الجسر، فإن حزب الله سيكون في وضع إستراتيجي أضعف وأكثر صعوبة. عملياً، قد لا يكون الحزب قادراً على التزوّد بما يحتاجه من جديد بالمعدلات التي كانت سائدة في السابق لو أنه دخل في حرب أو تعرّض إلى هجوم.
 
الآن، هذا الوضع قد يشعل فتيل حرب بين إسرائيل وحزب الله في وقت لاحق، أو قد يفتح إمكانية استئناف محادثات السلام بين سورية وإسرائيل. إن نظاماً جديداً يقوم في دمشق سيرغب بالتأكيد في استعادة مرتفعات الجولان عن طريق التفاوض، وفي الوقت نفسه قد يرغب في الحدّ من نفوذ حزب الله. لذا يمكن للمرء أن يتصوّر مساراً للسلام يتعامل مع حزب الله بطريقة سلمية أو آخر يؤدي الى خطر اندلاع الحرب.
 
ومن شأن تغيير النظام في سورية ايضاً قطع روابط حماس مع إيران عبر سورية، ووضع حماس، التي اقتربت أكثر من مصر، بدرجة أكبر على هذا المسار. 
 
مع احتمال تغيير النظام في سورية وانسحاب القوات الأميركية من العراق، ربما نلاحظ حصول تحوّلات للقوة في الشرق الأوسط، مع احتمال أن تصطف سورية إلى جانب الخليج وتركيا، وتستغل تركيا وإيران الانسحاب الأميركي عبر محاولة بناء مزيد من النفوذ داخل العراق.
 
بخلاف ذلك، فإن عملية انتقال طويلة وعنيفة داخل سورية تنطوي على مخاطر نشوب صراع طائفي - قتال بين الجماعات السنّية والعلوية - وقد يؤدي إلى إشعال فتيل القتال بين الجماعات السنيّة والشيعية في لبنان، أو يجعل الأمور أسوأ في العراق. ثم أن تعرّض الطائفة المسيحية في سورية الى تعديات من قبل بعض الجماعات المتطرفة، والذي يخشى كثيرون في سورية من حدوثه في فترة من الفوضى، قد يكون له تأثير كبير على الطائفة المسيحية هناك، كما تأثرت الطائفة المسيحية في العراق أيضاً بسبب الفوضى في العراق.
 ثمّة بالتأكيد الكثير من الفرص المتاحة في سورية. وهذا البلد يستحق أن يكون لديه في النهاية مجتمع محكوم بطريقة جيدة وديمقراطية ومنظّمة، لكن النظام الحالي متشبث وقوي، وعملية الانتقال قد تكون صعبة للغاية.

 

End of document
Source: http://carnegie-mec.orghttp://www.carnegie-mec.org/2011/12/02/الخطوة-التالية-بالنسبة-إلى-سورية/baty

المزيد من مركز الأبحاث العالمي

ابقوا على اطلاع

تسجّل للحصول على أحدث التحليلات من كارنيغي عبر البريد الإلكتروني! الخانات التي تحمل العلامة (*) إلزامية.

معلومات شخصية
 
 
Carnegie Middle East Center
 
شارع الأمير بشير، برج العازارية بناية 20261210، ط5 وسط بيروت ص.ب 1061 -11 رياض الصلح, لبنان
هاتف: +961 1 99 12 91 فاكس: +961 1 99 15 91
ملاحظة...

أنتم تخرجون الآن من موقع مركز كارنيغي-تسينغوا للسياسة العالمية وتدخلون موقعاً عالمياً آخر لكارنيغي.

请注意...

你将离开清华—卡内基中心网站,进入卡内基其他全球中心的网站。