خيار التدخّل التركي في سوريا

Source: Getty
مقال ذا ناشونال
ملخّص
إن تفاقم الأزمة السورية يتيح الفرصة أمام حزب العمال الكردستاني التركي لتعزيز نفوذه داخل سوريا، وزيادة تواجده على الحدود السورية-التركية.
موارد إعلامية وأدوات ذات الصلة
 

أتاح فشل تركيا في رصد تطوّر القضية الكردية في سورية، والصراع الطويل الذي يخوضه الرئيس السوري بشار الأسد من أجل السلطة المجال أمام الأطراف الأخرى لفرض أجنداتها هناك. وعلى سبيل المثال، في المناطق المأهولة بالسكان الأكراد في سورية، يوسّع حزب العمال الكردستاني التركي جبهة عملياته العسكرية ضد تركيا، كما يوسّع قادة إقليم كردستان العراقي نفوذهم السياسي ويقومون بحملات تهدف إلى إنشاء منطقة كردية في سورية.

يمكن لتوسُّع أجندة حزب العمال الكردستاني والأجندة الكردية العراقية إلى سورية أن يكون مصدراً للكثير من المشكلات والمتاعب غير المتوقعة بالنسبة إلى القضية الكردية في تركيا، ما يفضي إلى تشجيع المطالب الكردية بالحكم الذاتي وتعزيز الكفاح المسلح الذي يخوضه حزب العمال الكردستاني. ولذا تعيش تركيا في حالة من الذعر، فهي تحاول التأثير على الوضع في سورية بكل الوسائل من أجل تجنّب حدوث أزمة داخلية فيها.

ترى تركيا في المسألة الكردية أهمّ تهديد لاستقرارها. فالأكراد يمثّلون ما يقرب من 20 في المئة من سكانها، وتتراوح مطالبهم بين الاعتراف بالحقوق الثقافية للأكراد إلى انفصال المناطق التي يقطنها الأكراد عن الدولة التركية. وقد سعى رئيس الوزراء التركي رجب طيب إردوغان، منذ العام 2007، إلى التخفيف من حدّة هذه المسألة من خلال منح الأكراد بعض الحقوق الثقافية، لكنه لايزال يمنعهم من الحصول على أي درجة من الحكم الذاتي ويقاوم النزعة الانفصالية. وقد رأت تركيا أن سقوط نظام الأسد يمثّل فرصة لتسوية المشكلة الكردية في سورية باستخدام صيغة مماثلة.

كانت تركيا تأمل في الإشراف على المفاوضات بشأن القضية الكردية من خلال استضافة المجلس الوطني السوري على أراضيها. من الناحية المثالية، سوف يتم الاعتراف، في مرحلة ما بعد الأسد،  بحقوق الأكراد ضمن "وحدة الدولة السورية". وهكذا، سيتم منع أكراد سورية من الحصول على أي شكل من أشكال الحكم الذاتي، حيث سيتم إضعاف فرع حزب العمال الكردستاني في سورية - حزب الاتحاد الديمقراطي - ولن تتم إثارة مشاعر الحركة الانفصالية الكردية في تركيا نفسها أكثر. علاوة على ذلك، اعتمدت تركيا على نفوذ الأكراد العراقيين على الأحزاب الكردية السورية لقبول التفاوض بموجب هذه الشروط.

بيد أن الاستراتيجية التركية جاءت بنتائج عكسية. فالأسد لم يسقط كما كانت ترغب تركيا. ويضغط الأكراد العراقيون بهدف تحقيق أجندتهم الخاصة بهم، في حين يردّ الأسد عن طريق إطلاق العنان لحزب العمال الكردستاني في سورية.

 وفي هذه الأثناء، فشل المجلس الوطني السوري في اجتذاب واستبقاء أعضائه من الأكراد، ما أفسح المجال أمام أكراد العراق كي يضمّوا الأحزاب الكردية السورية تحت جناحهم. وفي كانون الثاني/يناير، سحبت الأحزاب الكردية عضويتها من هيئات المعارضة السورية، ثم انضمّ 11 حزباً منها في نهاية المطاف إلى المجلس الوطني الكردستاني تحت المظلّة الكردية العراقية.  ولم يبقَ في المجلس الوطني السوري سوى بضعة أعضاء من الأكراد، ولم تبقَ له كذلك الشرعية اللازمة لتشكيل أساس للمفاوضات. ولذا فقد قُدّرَ لمستقبل أكراد سورية أن يتقرّر في "العاصمة" الكردية العراقية أربيل.

لقد وسّع الأكراد العراقيون دائرة نفوذهم السياسي على الأحزاب الكردية السورية تحت رعاية المجلس الوطني الكردستاني، وهم يتبنّون الآن شعار إقامة منطقة حكم ذاتي كردية في سورية. وعلى الرغم من أن معظم المطالب الكردية في سورية كانت تقتصر في السابق على اللامركزية، فقد ذهبت الهيئة التنفيذية للمجلس الوطني الكردي إلى حدّ الدعوة إلى الفيدرالية، مطبّقة بذلك الرؤية الكردية العراقية بإقامة منطقة كردية على سورية.

وفيما تستمرّ الأزمة السورية، يعكف أكراد العراق على تمكين المجلس الوطني الكردستاني باعتباره الممثل الشرعي والوحيد للمطالب الكردية. فأكراد العراق يدركون تمام الإدراك أن أي كيان سياسي يطمح إلى حكم سورية في المستقبل القريب سوف يحتاج إلى دعم من الأكراد من أجل ترسيخ نفسه كسلطة شرعيّة. وقد يزيد المجلس من أهمية المخاطر ولا يتعامل إلا مع نظير له يقبل مطالبه في الحصول على درجة كبيرة من الحكم الذاتي، تمشياً مع رغبات الأكراد العراقيين.

كما يعزّز حزب العمال الكردستاني أجندته، حيث وجد في الأسد حليفاً مستعدّاً لتعزيز وتوسيع جبهة عملياته العسكرية عبر الحدود السورية. ففي خلال الأشهر الماضية، حصل الحزب على تفويض مطلق لممارسة أنشطته في منطقة عفرين الواقعة في شمال غرب سورية. ومن عفرين، يبدو أن حزب الاتحاد الديمقراطي آخذ في التوسع شرقاً، وهو يفتح مكاتب جديدة في مدينتي رأس العين وعين العرب الواقعتين على الحدود السورية - التركية. وقد يستغلّ حزب العمال الكردستاني الآن توسيع فرعه السوري لتأسيس جبهة عسكرية تمتدً من غرب سورية إلى شرق العراق، تطوّق تركيا.

إن تفاقم الأزمة السورية وتحوّلها إلى صراع أهلي طويل الأمد، يوفّر أفضل فرصة لحزب العمال الكردستاني على وجه الخصوص لتعزيز نفوذه والانتشار في داخل سورية. وفيما يستمرّ نظام الأسد في صراعه من أجل الاحتفاظ بالسلطة، فإنه سيمنح مهلة أكثر لحزب الاتحاد الديمقراطي وهو يسعى للاحتفاظ بسيطرته على المناطق الكردية شمال سورية. وإذا ما اجتاح النزاع المسلّح المناطق الكردية، فربّما يساعد حزب الاتحاد الديمقراطي على ترسيخ جذوره في المنطقة والتي هو في أمسّ الحاجة إليها. وبما أنه الحزب الكردي السوري الوحيد الذي يحمل السلاح، فقد يحاول الحزب أن يكسب الشرعية بوصفه حامي المدنيين الأكراد.

وهكذا، تواجه تركيا تهديداً عسكرياً متزايداً على طول حدودها الجنوبية واحتمال نشوء منطقة كردية أخرى كجارة جنوبية لها. والسبيل الوحيد أمامها لكبح جماح حزب العمال الكردستاني وقوّة الأكراد العراقيين المتنامية هو من خلال ممارسة الأسلوب الصارم في تطوّر الأزمة السورية.

على مدى الأشهر الماضية، حاولت تركيا أن تتدخّل في سورية تحت ستار جبهة دولية. وقد تم كبح الدعوة لتدخّل دولي بسبب الفيتو الروسي والصيني على قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة بشأن هذه المسألة. في أعقاب مؤتمر أصدقاء سورية التي عقد في 24 شباط/فبراير في تونس، دعت تركيا إلى فتح ممرّات انسانية على الحدود التركية - السورية، وعزّزت حملتها لإقامة منطقة عازلة في شمال سورية، وطرحت إمكانية تقديم الدعم المسلح للجيش السوري الحر. ولكن، قد لاتجد تركيا المفاتيح اللازمة للوصول إلى سورية من خلال أي من هذه الخيارات.

يمكن للمجلس الوطني السوري، الذي حصل على تفويض مؤخراً، أن يكون طريق تركيا لاختراق سورية واستعادة درجة معينة من السيطرة على القضية الكردية. فقد افتتح المجلس الوطني السوري الآن مكتباً عسكرياً، يُفتَرَض أن يكون مسؤولاً عن تنظيم المقاومة المسلحة للجيش السوري الحر ضد النظام. ومن خلال هذه الهيئة، يمكن أن تسعى تركيا لتوجيه الدعم المقدّم للجيش السوري الحر، وضمان ولائه في الإبقاء على المحافظات الشمالية تحت السيطرة السورية، ووقف التقدّم العسكري لحزب العمال الكردستاني. وقد تأمل تركيا أيضاً في إعادة صياغة المجلس الوطني السوري باعتباره الهيئة الشرعيّة الوحيدة المعارضة في سورية، من أجل اعادة الأعضاء الأكراد مرة أخرى إلى صفوفه، واستعادة الإشراف على المفاوضات حول القضية الكردية في سورية.

إن توجيه الدعم المسلّح من خلال المجلس الوطني السوري يخدم مصلحة تركيا في القضاء على أجندة حزب العمال الكردستاني والأجندة الكردية العراقية. ولكن بدلاً من مساعدة الثورة السورية في إنجاز هدف اسقاط النظام، تخاطر تركيا بإغراق سورية في أتون صراع محلي شامل وطويل.

End of document
Source: http://carnegie-mec.orghttp://www.carnegie-mec.org/2012/03/15/خيار-التدخ-ل-التركي-في-سوريا/b9ii

المزيد من مركز الأبحاث العالمي

ابقوا على اطلاع

تسجّل للحصول على أحدث التحليلات من كارنيغي عبر البريد الإلكتروني! الخانات التي تحمل العلامة (*) إلزامية.

معلومات شخصية
 
 
Carnegie Middle East Center
 
شارع الأمير بشير، برج العازارية بناية 20261210، ط5 وسط بيروت ص.ب 1061 -11 رياض الصلح, لبنان
هاتف: +961 1 99 12 91 فاكس: +961 1 99 15 91
ملاحظة...

أنتم تخرجون الآن من موقع مركز كارنيغي-تسينغوا للسياسة العالمية وتدخلون موقعاً عالمياً آخر لكارنيغي.

请注意...

你将离开清华—卡内基中心网站,进入卡内基其他全球中心的网站。