مأزق العملية الانتقالية في مصر

Source: Getty
مقال فورين بوليسي
ملخّص
أظهرت التطورات المتسارعة خلال الشهر الماضي أن الثغرات القانونية والدستورية قادرة على تقويض العملية الانتقالية الديمقراطية في مصر.
مواضيع ذات صلة
موارد إعلامية وأدوات ذات الصلة
 

أضحى مصطلح "العملية الانتقالية المصرية" تناقضاً لفظياً مضحكاً مبكياً في ضوء التطورات المُحيِّرة التي عرفتها مصر خلال الشهر الفائت. وبعبارة مجازية أكثر، دفعت الأحداث قطعاناً برمّتها من الفِيَلة إلى التهافت على حشر نفسها عبر ثقب كلّ منفذ قانوني ودستوري يشتمل عليه النظام السياسي المؤقّت للبلاد.

 هناك بالطبع بعض القواعد. ففي الأسابيع السبعة التي أعقبت الرحيل القسري للرئيس السابق حسني مبارك في العام الماضي، شكّلت سلسلة البيانات السياسية للمجلس الأعلى للقوات المسلحة، ومجموعة التعديلات الدستورية التي اقترحتها لجنة خاصة عيّنها المجلس لهذا الغرض وتمّت الموافقة عليها في استفتاء عام، و"الإعلان الدستوري" الذي صيغ سرّاً وأعُلِن من قبل المجلس، شكّلت مروحةَ إجراءات ترمي إلى إعادة بناء النظام السياسي المصري. ومع أن هذه الإجراءات طُبِّقَت إلى حدّ كبير، إلا أنها قادت مصر إلى حالة من الارتباك التام.

 إن المزيج من العناصر الغريبة (مثل حرمان كلّ مَن سبق لأبويه أن حملا جنسية أجنبية من أهلية الترشّح للرئاسة) والثغرات والإغفالات غير المتوقّعة (مثل الفشل في تحديد أي تسلسل زمني للانتخابات الرئاسية وعملية صياغة الدستور، أو الصمت على الوسائل التي خُوِّل للبرلمان بموجبها الإشراف على الحكومة)، زرع سلسلةً من الألغام على طول السبيل. وما زاد الطين بلّة هو الطريقة التي بدت فيها الهيئات الأساسية المسؤولة عن الإدارة والحكم والفصل أطرافاً منحازة أو منغمسة جداً (أو نُظِر إليها على أنها كذلك): البرلمان بصفته ذراع الإسلاميين؛ والمجلس الأعلى للقوات المسلحة بصفته مرتبطاً بمجموعة من المصالح السياسية والمادية؛ ومجلس الدولة بصفته مستعدّاً لانتهاز أي فرصة لتحقيق فهمه الطموح لدوره القضائي؛ وحتى لجنة الانتخابات الرئاسية بصفتها هيئة يرأسها رئيس قضاة المحكمة الدستورية، الذي يُنظر إليه على أنه مقرّب من المؤسسة العسكرية والأمنية. وقد أدّى تأجيل البتّ بالمسائل الهامة، كمسألة إصلاح القطاع الأمني، إلى تعقيد الأمور أكثر.

نعم، توجد قواعد، لكن إذا كان ثمة معنى باقٍ لكلمة "عملية" (process)، فهو لايمكن أن ينطبق على السياسة المصرية اليوم.

 قد تكون صورة "الألغام" الاستعارة المتفجّرة الخاطئة. بدلاً من ذلك، إذا ما أخذنا في عين الاعتبار أن هذه المشاكل كلّها برزت منذ عام، فربما من الأفضل الاستعانة بالنصيحة التي أسداها أنطون تشيخوف للكتّاب المسرحيين: "إذا علّقتم مسدساً على الجدار في الفصل الأول من المسرحية، فلا بد أن تُطلَق النار منه في الفصل التالي". غير أن الفصل الثاني من ثورة مصر لايقتصر على طلقة نارية واحدة، فالمصريون في الأسابيع القليلة الماضية انقضّوا على الأسلحة المخزَّنة بشكل كبير منذ عام وأطلقوا النار من المسدسات جميعها في آن.

 إذن، مَن ذا الذي علّق المسدّسات كلّها على جدران مصر؟ هنا تنهار استعارة تشيخوف، إذ أننا لانلحظ وجود أي كاتب مسرحي. فلا أحد وضع هذا الكمّ الكبير من الأسلحة في إطار مؤامرة واضحة منه، على الرغم من التكهّنات السائدة حيال ذلك. لكن يبدو أن أطرافاً ثلاثة تقف وراء معظم هذا العمل:

 أولاً، إن اللجنة المؤلّفة من ثمانية أعضاء والتي وضعت التعديلات الدستورية على عجل في صلب "العملية"، كانت مقيَّدةً للغاية في تركيزها، وبالتالي هي وضعت مقترحات لم تقدِّم أجوبة على الأسئلة الرئيسة. لكن على الرغم من أن المجلس الأعلى يعيق عملها، لايبدو أنها تنصاع إلى رغبات هذه الأخير بشكل آلي. ففي مقابلات شخصية أجريتها، كان عضوان من اللجنة صريحين للغاية (وموحّدَي الرأي) في الكلام عن قلة التوجيه الذي تلقّياه من الحكام العسكريين المؤقّتين. فقد طُلِب منهما تعديل بعض المواد لكن ليس بطريقة واضحة، كما اقترحا بعض التعديلات الأخرى بمبادرة منهما.

ثانياً، كان ابتهاج القادة الثوريين لرحيل مبارك في شباط/فبراير الماضي كبيراً جداً إلى حدّ أنهم لم يعترضوا لفترة طويلة على سلطة المجلس الأعلى. وهم على مايبدو، اعتقدوا حقاً أن الجيش والشعب هما "يد واحدة" إلى أن فات الأوان لإبعاد الجيش عن الاضطلاع بدور مُهيمِن. وعندما توصّل الثوار، في نهاية المطاف، إلى مقترح جدّي (وذكي على الأرجح) لإنشاء مجلس رئاسي مؤقّت يتولّى حكم البلاد بدلاً من المجلس الأعلى للقوات المسلحة، عملوا على تطبيقه بطريقة غير متّسقة، وأضافوا إلى ذلك محاولتهم تأخير الانتخابات بحجةٍ واضحة (وصريحة جداً)، وهي أن الإسلاميين سيحقّقون نتائج جيدة حالما يتوجّه المصريون إلى صناديق الاقتراع. ومن خلال السعي إلى تأخير الانتخابات على مثل هذه الأُسُس المنحازة بشكل صريح، ساهموا في إرساء وضع استقطابي (مساهمة طابَقَها الإسلاميون لاحقاً)، ماجعل إمكانية التوصّل إلى مقاربة أكثر توافقية شبه مستحيلة.

 أخيراً، تعود حصة الأسد من المسؤولية إلى جنرالات المجلس الأعلى الذين انتهجوا مقاربةً غير متّسقة على الصعيدين السياسي والقانوني. صحيح أن هذه المقاربة لم تصبّ في مصلحتهم دائماً، إلا أنهم لم يقدروا على تغييرها (كما دلّ بوضوح فشل المحاولة الظاهرة والجريئة، في الخريف الماضي، للقيام بعملية "إنزال" لبعض "المبادئ فوق الدستورية" التي تخدم رؤية المجلس الأعلى).

 مع ذلك كلّه، لم يسقط الأمل بعد في تحقيق الانتقال إلى مصر أكثر تعددية وديمقراطية. فما يتشفّع بمصر - أي حقيقة أن الطلقات النارية هي مجازية بمعظمها؛ والنفوذ المتواصل الذي لاتزال تتمتّع به مؤسساتها السياسية، على الرغم من عمق فساد وتورّط العديد منها؛ وعجز أي طرف سياسي فاعل عن السيطرة على البلاد - يمكن أن يساعدها على تحقيق هذا الهدف.

 بيد أن غياب أي سلطة أو عملية ضبط يجعل الأطراف السياسية الفاعلة في مصر تشعر إلى حدّ ما وكأنها لاتعيش مسرحية من مسرحيات تشيخوف أو لم تُصَمّ من وابل الرصاص كما في قتال "أوكي كورال" في الغرب الأميركي وحسب، بل أيضاً وكأنها عالقة في مسرحية لويجي بيرانديلو، "ستّ شخصيات تبحث عن مؤلِّف".

End of document
Source: http://www.carnegie-mec.org/2012/04/19/مأزق-العملية-الانتقالية-في-مصر/b760

المزيد من مركز الأبحاث العالمي

ابقوا على اطلاع

تسجّل للحصول على أحدث التحليلات من كارنيغي عبر البريد الإلكتروني! الخانات التي تحمل العلامة (*) إلزامية.

معلومات شخصية
 
 
Carnegie Middle East Center
 
شارع الأمير بشير، برج العازارية بناية 20261210، ط5 وسط بيروت ص.ب 1061 -11 رياض الصلح, لبنان
هاتف: +961 1 99 12 91 فاكس: +961 1 99 15 91
ملاحظة...

أنتم تخرجون الآن من موقع مركز كارنيغي-تسينغوا للسياسة العالمية وتدخلون موقعاً عالمياً آخر لكارنيغي.

请注意...

你将离开清华—卡内基中心网站,进入卡内基其他全球中心的网站。