الاختبارات المقبلة للمعارضة السورية

Source: Getty
مقال تحليلي
ملخّص
يجب على المعارضة السورية حلّ الخلافات الناجمة عن الانقسامات الطبقية والسياسية بين من هم في المنفى والمعارضة الداخلية إذا كانوا يأملون في ترجيح كفة الميزان ضد نظام حازم وقوي.
مواضيع ذات صلة
موارد إعلامية وأدوات ذات الصلة
 

مهما يكن المصير النهائي لوقف إطلاق النار الهش في سورية، فإن المرحلة المقبلة ستشكّل اختباراً قاسياً للمعارضة السورية. ومن هنا لابدّ للمعارضة من أن تتغلّب على اثنين من الانقسامات الكبرى التي شرذمتها بشدّة وأضعفت قدرتها على صياغة إستراتيجية متماسكة لتحقيق التحوّل الديمقراطي في سورية. يتمثّل الأول في منطق المنافسة السياسية بين الجماعات والقيادات الموجودة في المنفى، وتلك الموجودة في داخل سورية، وهو المنطق الذي أفضى إلى توليد انقسامات مريرة حول ما إذا كان ينبغي استدعاء التدخل العسكري الأجنبي، وتسليح المعارضة، والدخول في حوار مع النظام السوري أم لا. ويمتدّ الانقسام على طول الهوّة الطبقية العميقة داخل سورية، والذي ينعكس في المواقف المتباينة تجاه الاستقطاب الطائفي والعسكرة، والتجذّر الإسلامي السلفيّ. وما لم تنجح المعارضة في تجاوز هذه الانقسامات، فلن تكون قادرة على ترجيح كفّة الميزان ضدّ نظام مصمّم وقادر على التكيّف.

المنفى مقابل الداخل

في الأول من نيسان/أبريل الجاري، قدّم مؤتمر أصدقاء سورية دفعة قويّة للمجلس الوطني السوري، ائتلاف المعارضة الرئيس في المنفى، وذلك من خلال الاعتراف به بوصفه "المنظمة المظلّة التي تجتمع فيها جماعات المعارضة السورية". وقد بدا أن هذه الدفعة ألقت بظلالها على المنافس الرئيس للمجلس الوطني السوري داخل سورية، هيئة التنسيق الوطني لقوى التغيير الديمقراطي، ولكن بشكل مؤقّت فقط.

لقد اختلف الائتلافان في الجوهر على ثلاث مسائل تقسم المعارضة السورية عموماً. فقد طالب المجلس الوطني السوري بالتدخّل العسكري الخارجي وبتسليح المعارضة على حدّ سواء، فيما عارض محاورة النظام كوسيلة لتحقيق الانتقال الديمقراطي في سورية. ويريد تنحّي الرئيس بشار الأسد قبل البدء بالمفاوضات، علماً أنه عاد وتراجع عن ذلك على مضض عند قبوله خطة أنان للسلام، فاعتبره غاية نهائية منشودة. وفي المقابل، فإن خطة أنان تسعى إلى تحقيق "الانتقال السياسي بقيادة سورية إلى نظام سياسي ديمقراطي تعدّدي" من دون المطالبة بمغادرة الأسد السلطة، لا سابقاً ولا لاحقاً.

ولقد تبنّت هيئة التنسيق الوطني منحى معاكساً، رافضةً التدخّل وعَسْكَرة المعارضة، وداعيةً إلى الحوار كوسيلة رئيسة لتحقيق التغيير، مع الإصرار على إنهاء العنف الذي يمارسه النظام كشرط مسبق للتفاوض. ويبدو أن هذه المقاربة لقيت مايؤكّد صحّتها، إذ أن خطة أنان الداعية إلى "الحوار السياسي الشامل" قد صادَقَ عليها كلٌّ من مجلس الأمن الدولي، وجامعة الدول العربية، ومجموعة أصدقاء سورية.

فقد جرى استقبال وفود هيئة التنسيق الوطني ثلاث مرات في تونس، التي كانت أول دولة عربية تستضيف المجلس الوطني السوري. ويبدو أن هيئة التنسيق مؤهّلة لتلعب دوراً هاماً في المستقبل، لأنها بذلت جهداً لإبقاء قنوات الاتصال مفتوحة مع روسيا، إذ زار وفدها موسكو في 17 نيسان/أبريل. لقد أثبتت روسيا أن لها نفوذاً هاماً على النظام السوري وأكّدت نفسها كطرف فاعل لاغنى عنه مهما كانت الطريقة التي تتجلّى من خلالها الأزمة السورية.

خلال زيارة موسكو الأخيرة، أشار رئيس هيئة التنسيق، حسن عبد العظيم، إلى تحوّل محتمل نحو مطالبة الأمم المتحدة بإصدار قرار بالتدخّل "الإنساني" في سورية إذا فشلت خطة أنان. لكن، مع أن هذا التحوّل من شأنه أن يقرِّب موقف الهيئة من موقف المجلس الوطني السوري، غير أنه ينبغي عدم المبالغة في تقدير أبعاده. فقد أبدى نائب رئيس هيئة التنسيق وممثّله في الخارج، هيثم منّاع، بعض التحفّظ، محذّراً أن أي تدّخل خارجي قد يشعل صراعاً إقليمياً. والأرجح أن هيئة التنسيق ليست مستعدّةً حتى الآن لتبنّي الدعوة إلى التدخّل الخارجي بالكامل، وخاصة في غياب التأييد الروسي وعدم استعداد أطراف أصدقاء سورية للقيام بأي عمل عسكري جادّ في الأمد المنظور.

يبقى الانقسام على أشدّه بين أطراف المنفى وأطراف الداخل في مايتعلّق بعَسْكَرة المعارضة. ويتخوّف المعارضون من أن إصرار المجلس الوطني السوري على تسليح المعارضة وتطوير الجيش السوري الحرّ، الذي شكّله ضباط منشقّون في نهاية تموز/يولوي 2011، إنما سيهمّش النشاط السياسي وسيجعل من العسكريين قوّةً محوريةً في سورية مابعد الأسد.

تشترك جماعات معارضة أخرى داخل سورية في آرائها مع هيئة التنسيق الوطني. أحد الأمثلة على ذلك هو ائتلاف "الوطن"، الذي أعلنت عن تشكيله أربع عشرة من الجماعات والأحزاب الجديدة في دمشق في شباط/فبراير 2012. وقد عبّر ائتلاف "الوطن" عن قلقه الشديد تجاه فكرة عسكرة المعارضة، حتى وإن أعرب عن تفهّمه لما قام به أفراد الجيش الذين انشقّوا لتجنب إطلاق النار على أهلهم، ودعا الجيش السوري الحر لأن يخضع، بشكل لالُبس فيه، للقيادة السياسية. ويُعَدّ ائتلاف "الوطن" من بين العديد من التجمعات الوليدة التي لم تظهر قدراتها بعد، بيد أن ناشطين مخضرمين موجودين في سورية مثل لؤي حسين، الذي يرأس هيئة جديدة أخرى هي "بناء الدولة السورية"، انتقدوا باستمرار عسكرة المعارضة والدعوات إلى التدخّل الخارجي.

وينطبق الأمر نفسه حتى على بعض الجماعات المنضوية تحت لواء المجلس الوطني السوري، من التي تختفظ بوجود منظّم داخل سورية. فبعد أيام فقط من انتهاء أعمال مؤتمر أصدقاء سورية في اسطنبول في مطلع نيسان/أبريل، قال رياض الترك، رئيس حزب الشعب الديمقراطي والعضو البارز في منبر إعلان دمشق داخل المجلس الوطني السوري الذي لايزال مختبئاً في سورية، إن على المعارضة أن تقبل خطة أنان للسلام وتنخرط في حوار مع بعض شخصيات النظام، حتى في الوقت الذي كان يكرّر فيه إصراره على رحيل الأسد. وبالطريقة نفسها لاتزال مجالس قيادة الثورة التي ظهرت كهياكل حكم محلّية وليدة في العديد من المدن، أهمها حمص، موالية للمجلس الوطني السوري، بيد أنه يُقال أنها تعبّر داخلياً عن انزعاجها المتنامي تجاه المسار السياسي للمجلس، وتحذّره من ازدياد التحدّيات التي تواجهها المعارضة بسبب العسكرة والتجذّر.

هذه التوترات لن تتبدّد، لأسباب ليس أقلّها أنها باتت مرتبطةً بالمنافسة السياسية الأوسع الدائرة بين أطراف المنفى وبين أطراف الداخل. فإن الدعوة إلى التدخّل الأجنبي وتسليح المعارضة هي من بين الوسائل القليلة المتوفّرة لدى المجلس الوطني السوري لإظهار القيادة والحفاظ على النفوذه والتأثير بين مَن يقاتلون النظام داخل سورية. فقد رفع الوعد الذي قطعه مؤتمر أصدقاء سورية في اسطنبول بتقديم مساعدات مالية وإنسانية سقف التوقّعات بين المتظاهرين والمتمرّدين المسلّحين في البلاد، بيد أن قدرة المجلس الوطني السوري على توصيل المساعدات تظلّ محدودة. كما أن المجلس لم يقدّم، على الرغم من تزايد الاعتراف الإقليمي والدولي به، استراتيجية سياسية ذات صدقيّة لتغيير النظام، أو خريطة طريق مفصّلة لعملية انتقالية تتم عن طريق التفاوض. 

لهذا السبب أيضاً، قدّم المجلس الوطني السوري نفسه المرّة تلو المرّة بوصفه حليفاً وراعياً للجيش السوري الحر، حتى في الوقت الذي كان هذا الأخير يشكّك بوجود المجلس الوطني السوري على الأرض، وينتقد أداءه. ومن المفارقات أن قيادة الجيش السوري الحر، الموجودة في المنفى في تركيا، لم تتمكّن هي الأخرى من إظهار سوى القدرة الركيكة جداً على ممارسة السيطرة الفعلية على الكتائب الثلاثين التي تدّعي أنها موالية لها داخل سورية. وما من شكّ في أن ماذُكِر بشأن تعهّد المملكة العربية السعودية وقطر والإمارات العربية المتحدة بتقديم مبلغ 100 مليون دولار إلى المجلس الوطني السوري لدفع رواتب الجيش السوري الحر سيعزّز نفوذ المجلس الذي سيصرف الأموال، على قيادة الجيش، ويعزّز أيضاً تبعية الجماعات المحليّة المسلحة للجيش السوري الحر، ولكن هذا لايضمن ولاءها السياسي أو توجّهها الإيديولوجي. إن الموجودين في المنفى واقعون في مأزق: فقد تبدو العسكرة وسيلة لتأكيد مزاعمهم بأنهم يشكّلون القيادة السياسية العليا، ولديهم صفة التمثيل الوطني، لكنها قد تعجّل في ظهور منافسين محليّين وفي تمكين مَن هم في الداخل على حساب المنفيين.

جماعة الإخوان المسلمين السورية تحمل مفتاح المنفى

إن جماعة الإخوان المسلمين في سورية، التي تشكّل الفصيل الرئيس والعمود الفقري للمجلس الوطني السوري، هي الحركة الوحيدة في المنفى التي تملك القدرة على سدّ هذا الانقسام. فقد كانت الجماعة منذ فترة طويلة أكبر حركات المعارضة السورية وأفضلها تنظيماً، بيد أن قيادتها كلّها تقريباً لاتزال في المنفى منذ عملية القمع الوحشية للتمرّد المسلح الذي قامت به بين العامين 1976-1982. أما أعضاؤها الذين لم يقتلوا أو يسجنوا فقد فرّوا أيضاً إلى الخارج هرباً من قانون الطوارئ رقم 49 للعام 1980 الذي اعتبر عضويّة الجماعة جريمة يُعاقَب عليها بالإعدام. وقد أعاد كثيرون منهم بناء أنفسهم كرجال أعمال ناجحين في الخليج وفي لبنان والأردن وتركيا المجاورة، وأبعد من ذلك في أوروبا وأميركا الشمالية.

ولعلّ هذا يفسّر بطء جماعة الإخوان في الانضمام إلى الانتفاضة في أسابيعها الأولى، ولماذا مالت قاعدتها الاجتماعية الطبيعية في المدن الرئيسة إلى تمويل المتظاهرين والمتمرّدين المسلحين بهدوء بدلاً من مواجهة النظام مباشرة. مع ذلك، يؤكّد بعض الشخصيات المعارضة البارزة المقرّبة من المجلس الوطني السوري، ومثلهم بعض منتقدي الإخوان من أطراف هيئة التنسيق، أن 10 في المئة فقط من نشطاء المعارضة داخل سورية أو من الشعب عموماً موالون لجماعة الإخوان المسلمين، غير أنه من الواضح أنها تحظى بالنفوذ الكبير في المنفى إذ تسيطر على 25 في المئة من مقاعد المجلس الوطني السوري الـ270.

مع ظهور جماعات إسلامية جديدة في سورية، بما في ذلك السلفيّون المتشدّدون وحزب التحرير الإسلامي، حاولت جماعة الإخوان طمأنة الجمهور الخارجي والأقليّات في سورية بأنها تمثّل "الاتجاه الإسلامي المعتدل"، وأنها "موجودة في جميع المحافظات السورية". في 25 آذار/مارس، أصدرت الجماعة وثيقة "عهد وميثاق" التي تحدّد التزامها المفصّل بإقامة دولة مدنيّة ودستور مدني في سورية، على أساس الديمقراطية الكاملة والتعدّدية والتداول السلمي للسلطة، والمواطنة المتساوية بين الجميع بغضّ النظر عن العرق أو الدين أو الجنس، والتزام لالُبس فيه بحقوق الإنسان وسيادة القانون وحرية الرأي والمعتقد. وكرّرت الوثيقة مبادئ سبق أن وردت في ميثاق الشرف الوطني الذي أصدرته الجماعة في العام (2001) والمشروع السياسي (2004)، بيد أنها كانت تهدف من خلال تجديدهما إلى تأكيد التزامها بالبرنامج السياسي للمجلس الوطني السوري قبيل انعقاد مؤتمر أصدقاء سورية في الأول من نيسان/أبريل.

وفي الوقت ذاته، دخلت جماعة الإخوان المسلمين في أتون النزاع العسكري في محاولة واضحة لاستباق تنامي منافسة الجهاديين المسلّحين لها على الأرض، وفي نهاية المطاف لتهيئة نفسها للقيام بدور مركزي في سورية مابعد الأسد. منذ بداية العام 2012، إن لم يكن قبل ذلك، كانت الجماعة تموّل الجماعات المسلحة الخاصة بها داخل سورية بالاعتماد على مساهمات شبكة واسعة من أعضائها الذين طُرِدوا إلى المنفى بعد العام 1982. ولايمكن القول حتى الآن أنه لدى الجماعة جناح عسكري متكامل بهرمية قيادية جاهزة، لكن يبدو أنها نجحت في كسب ولاء بعض الجماعات المسلّحة التي تطلق على نفسها تسمية "ألوية" داخل مدينة حماة وحولها.

عسكرة جماعة الإخوان المسلمين هذه تجعل علاقتها مع شركائها غير المسلّحين في المجلس الوطني السوري، ومع بقية أطياف المعارضة، موضع شكّ. أولاً، لأن جماعة الإخوان تتصرّف من طرف واحد، مايبدو أنه يؤكّد مزاعم المنشقّين عن المجلس الوطني السوري، مثل يلماز سعيد من المجلس الوطني الكردي، التي تقول إن فريقاً ثلاثياً يحتكر عملية صنع القرار في المجلس الوطني السوري. وأبرز هؤلاء، نائب المراقب العام للإخوان، محمد فاروق طيفور، الذي يُعتَقَد أنه الشخصية الأكثر تأثيراً داخل الجماعة من الناحية التنظيمية والسياسية، بالإضافة إلى الإسلاميَّين أحمد رمضان ونذير الحكيم، أوّلهما ينتمي إلى الكتلة الوطنية، وثانيهما عضو في حصة الإخوان المسلمين داخل المجلس الوطني السوري.

ثانياً، يمثّل تشكيل ألوية مستقلّة تابعة لجماعة الإخوان عقبة إضافية في طريق بناء الجيش السوري الحر كجناح عسكري موحّد للمعارضة، في الوقت الذي أصبح فيه العديد من الجماعات المحليّة المسلحة المنبثقة بصورة فضفاضة من الجيش السوري الحر، مثل كتيبة الفاروق، التي تعمل في منطقة حمص أم كتيبتي الفرقان وأبو عبيدة الجرّاح في ريف دمشق، أكثر طائفيّة وأكثر سلفيّة.

فباتت المعارضة المسلّحة تتألّف من خليط من الجماعات آخذ بالتنوّع: كبار الضباط المنشقّون عن الجيش السوري العلمانيون غالباً، الذين التحقوا بمقرّات قيادة الجيش السوري الحر أو منافسه المجلس العسكري الأعلى، وكلاهما في تركيا؛ والسلفيون المسلّحون المنضوون معنوياً تحت راية الجيش السوري الحر؛ والجهاديون المستقلّون؛ والآن ألوية الإخوان المسلمين. ويشكّل توحيد هذه القوى كافة تحدّياً لايقلّ أهمية وصعوبة عن توحيد المعارضة سياسياً، وسيكون له التأثير نفسه أو أكثر على مصير الانتقال في سورية.

كما أن ظهور جماعة الإخوان المسلمين كمنافس عسكري قد يؤثّر على تماسكها الداخلي. فهي لم تَعُد بالقدر نفسه من التنظيم المحكم والمنضبط مثلما كانت في السابق. ولم يتمكّن كبار كوادرها ومحاربوها القدامى من العودة إلى سورية لتولّي زمام القيادة أو جلب خبرتهم مباشرة إلى الميدان. كما أن أعضاء الجماعة المنتشرين في المنفى ليسوا متّفقين بشكل كامل بشأن الاستراتيجية السياسية التي يتعيّن اتّباعها. من الواضح أن أعضاءها المانحين يعتمدون على العلاقات الشخصية لتمويل الشبكات المحلية واللجان داخل سورية، بدلاً من العمل من خلال إطار مركزي وفقاً للأولويات المتّفق عليها. الكثير من هذا الدعم يذهب على الأرجح إلى لجان الإغاثة والمساعدة الإنسانية والعمل الاجتماعي، حيث تسعى جماعة الإخوان، من خلال ذلك، إلى إعادة بناء التنظيم داخل سورية والتأثير في التطورات على أرض الواقع. 

إنها لمفارقة أن جماعة الإخوان هي الجهة الأكثر احتمالاً لأن تتولّى عملية إيصال المساعدات المالية والإنسانية التي تعهّد مؤتمر أصدقاء سورية بتقديمها إلى المحتاجين في سورية - وبالتالي لجني المكاسب السياسية - لأن لديها أوسع شبكة دعم داخل سورية، ولهذا السبب، تتولّى إدارة مكتب الإغاثة ومشاريع التنمية في المجلس الوطني السوري، الذي يتلقّى المساعدات الخارجية.

في حين تعيد جماعة الإخوان المسلمين بناء نفسها في الميدان، فقد تنشأ ديناميات وتوازنات داخلية جديدة بين كبار قادتها في المنفى وبين المنافسين المحلّيين الشباب الذين سينبثقون حتماً من الصراع اليومي في سورية. وقد يزيد هذا من التصدّعات القديمة ضمن جماعة الإخوان. فإن ثلاثي القيادة الحالي المكوّن من المراقب العام محمد رياض الشقفة وطيفور ورئيس مجلس الشورى محمد حاتم الطبشة كله من فرع الجماعة في حماة، المعروف بنزعته الاجتماعية والدينية المحافظة. غير أنه يعتقد أن معظم تمويل جماعة الإخوان في الوقت الحالي يأتي من أعضائها في المملكة العربية السعودية، والذين يُعتبر الكثيرون منهم مقرّبين للمراقب العام السابق للجماعة علي صدر الدين البيانوني، القادم من فرع الجماعة في حلب، الذي يعتبر تاريخياً أكثر تسامحاً. ويقال إن العلاقات بين أعضاء المجموعة السعودية وزملائهم في أماكن أخرى يشوبها التوتّر.

إذا ما استمرّ النزاع المسلح والاتجاه نحو العسكرة، فقد تعاني جماعة الإخوان المسلمين من الاستقطاب المنهك داخل صفوفها. فقد حصل ذلك في السابق، إذ انفصل الأعضاء الأكثر تشدّداً ليشكّلوا تنظيم "الطليعة المقاتلة" في العام 1979. هذا الأمر ليس بعيد المنال: ففي ظلّ وجود القيادة في المنفى وإسلاميين ينافسون الجماعة لكسب القلوب والعقول على الأرض، قد تجد جماعة الإخوان نفسها تندفع نحو المواقف المتشدّدة كوسيلة لتأكيد شرعيتها. وكما أظهرت ماتسمّى "سجلات سنجار" التي استولت عليها القوات الأميركية في العراق، فإن الجهاديين الذين واجهتهم تلك القوات بعد العام 2003 استخلصوا دروساً كبيرة من تجارب الطليعة المقاتلة.

الحرب الطبقية

ينبغي على المعارضة أيضاً تجاوز الانقسامات الطبقية العميقة في داخل المجتمع السوري. إذ أن المجلس الوطني السوري وجماعة الإخوان المسلمين، بالإضافة إلى هيئة التنسيق الوطني وجماعات المعارضة الأخرى داخل سورية التي تعارض العسكرة، تنتمي كلها إلى الطبقة الوسطى الكبيرة المدينية، غير تلك الشرائح الريفية حديثة الثراء، أو التي تعتمد كلياً على الدولة لكسب عيشها. 

في المقابل، وباستثناءات قليلة فقط، إن جميع أعمال العنف حتى الآن وقعت في أوساط القطاعات الشعبية الأكثر تضرّراً في العقد الأخير من سياسات اللبرلة والخصخصة الاقتصادية، ومن الممارسات الحكومية الافتراسية، التي شملت سحب الاستثمارات الحكومية في البنية التحتيّة، وتدهور الخدمات العامة، والخفض الشديد لدعم أسعار السلع الاستهلاكية الأساسية. وتتمركز هذه القطاعات في مراكز المحافظات مثل درعا وإدلب ودير الزور وأريافها، والأحياء الداخلية في مدينتي حمص وحماة اللتين ازدهرت فيهما شبكات التهريب. كما تتواجد في ريف دمشق وحلب، الذي يتكوّن في الواقع من أحزمة فقر مدينية كبيرة غذّتها الهجرة من الريف، وتتخلّلها بلديات أكثر استقراراً وغنية نسبياً وأقلّ عداءً للنظام.

هذه هي سورية "الأخرى"، التي أصبحت الأكثر نفوراً من النظام، ولجأت إلى السلاح، وأصبحت متديّنة وسلفيّة بشكل ظاهر جداً. وتشكّل دوما، أكبر "مدينة" في ريف دمشق، شاهداً على ذلك: فقد بلغ عدد سكانها 109 آلاف في إحصاء العام 2004، لكنه يقدّر الآن بنحو 400 ألف، حيث تضخّم بسبب الجفاف والنمو الحضري اللذين دفعا نحو مليون من سكان المناطق الريفية إلى المدن بين العامين 2003 و2009، ونتيجةً للنزوح الجماعي من أحياء دمشق "التقليدية" الفقيرة، إثر تحوّلها إلى أحياء مرغوبة لدى الطبقة الوسطى الجديدة، وأخيراً بسبب تدفّق اللاجئين العراقيين والفلسطينيين. 

إن دوما والمناطق المشابهة لها هي التي قاطعت، بشكل جماعي، الاستفتاء على الدستور المعدّل الذي أعلن عنه الأسد في شباط/فبراير. في حين فضّلت المعارضة المنتمية للطبقة الوسطى - بما في ذلك بعض شركاء حزب البعث الحاكم في "الجبهة الوطنية" التي من المفترض أن تحكم البلاد، وأهمهم الحزب الشيوعي – عموماً أن تصوّت بـ"لا". وعندما تم استئناف الاحتجاجات المدنية عقب البدء بتنفيذ وقف إطلاق النار الأخير، وقع أكبر تلك الاحتجاجات في دوما.

تنطوي المقارنة على نتائج عديدة بالنسبة إلى المعارضة. فمن ناحية، أنتجت الطبقة الوسطى المدينية مجموعة محيّرة من الأحزاب السياسية والجمعيات الجديدة غير المرخّصة، معظمها إما علمانية أو تتجنّب على الأقل الأجندات الدينية. بيد أنه يتم تأطير الخطاب السياسي في سورية "الأخرى" بشكل كامل تقريباً عن طريق الإشارة إلى الإسلام. وعلى الرغم من أن هذا يوفّر مدخلاً محتملاً بالنسبة إلى جماعة الإخوان المسلمين، فإن الانقسام الطبقي يزيد حظوظ الاتجاهات السلفية متعدّدة الأوجه والأشكال. 

هذا الأمر لايتعلّق ببساطة بمستويات الدخل، إذ ليس الجميع في سورية "الأخرى" فقراء. الأهم من ذلك هي الطبيعة غير الرسمية وغير المنظّمة للاقتصاد المحلي، واعتماده على انتقال العمالة داخل سورية وإلى لبنان والأردن والخليج، وعلى التهريب أو غيره من الأنشطة غير المشروعة. وعلى العكس من ذلك، فإن جماعة الإخوان المسلمين هي الأقوى بين أصحاب الحرف والمهن الحرة وفي قطاع التجارة - في الاقتصاد الرسمي، بعبارة أخرى. تدعم الجماعة اقتصاد السوق الحر، وبالتالي تعتمد على توزيع المساعدات الخيرية كوسيلة للوصول إلى الشرائح الاجتماعية الأكثر فقراً، بدلاً من تحبيذ قيام الدولة بذلك الدور الرعوي. وإذا ما أردنا أن نحكم من خلال التجربة الانتقالية في المناطق الريفية والحضرية الفقيرة في مصر، في مرحلة مابعد مبارك، فإن البنية الفوقية لجماعة الإخوان المسلمين ضدّها حتى في أوساط المستفيدين منها، الذين ينظرون في المقابل إلى السلفيين على أنهم متساوون معهم اجتماعياً، ويقدّمون أملاً أكبر بوضع حدّ للتبعيّة والاتكالية على المنح الخيرية.

يكشف الانقسام الطبقي كذلك عن مفارقة. إذ لاتزال ائتلافات المعارضة الرئيسة تعتمد اعتماداً كبيراً على سورية "الأخرى" كي تبقي على ضغطها على النظام، لكنها لاتمثّلها حقاً. يقتنع قادة المعارضة على صواب بأن سورية "الأخرى" ستواصل انتفاضتها بحماسة ثابتة، لكن هؤلاء القادة هم المعروفون لدى العالم الخارجي، وهم الذين سيتولّون حتماً قيادة أي عملية انتقالية، سواء تم التوصّل إليها من خلال المفاوضات أم الإكراه. ومع ذلك، تقدّم هذه القيادات رؤى لسورية المستقبل يبدو أنها سوف تبتعد شيئاً فشيئاً عمّا تتوقّعه جماهير سورية "الأخرى". ستكون هناك طرق للتعامل مع هذه التناقضات في سورية مابعد الأسد، على افتراض أنها لن تطيح المعارضة أولاً. كما قد تؤدّي إلى صفقة سياسية واجتماعية مختلفة عما تتبنّاه رسمياً جماعات وائتلافات المعارضة الرئيسة في الوقت الحاضر.

التحديات المقبلة

سيكون من الصعب على المعارضة السورية التغلّب على هذين الانقسامين. فعلى الرغم من الحاجة الواضحة إلى الوحدة الوطنية، تستمرّ مشاعر انعدام الثقة العميقة بين المجلس الوطني السوري في المنفى، وبين هيئة التنسيق الوطني في الداخل: إذ يتّهم أعضاء بارزون في المجلس الوطني السوري هيئة التنسيق الوطني بالترويج لنفسها لرئاسة حكومة مؤقتة أو حكومة وحدة وطنية وبإيواء عملاء النظام، في حين يصف البعض في هيئة التنسيق الوطني نظراءهم في المجلس الوطني السوري بأن أيديهم ملطّخة بالدماء بسبب تشجيع العسكرة، وبأنهم عملاء وخَوَنة بسبب قبول التمويل الأجنبي. الأهم من ذلك أن هيئة التنسيق الوطني، وحتى بعض الجماعات التابعة للمجلس الوطني السوري داخل سورية، يخشون سيناريو مستقبلياً يعود فيه المنفيّون من الخارج للاستيلاء على السلطة، كما فعل المؤتمر الوطني العراقي في العراق تحت حماية الولايات المتحدة في العام 2003. 

في الواقع، قد ينتقل مركز ثقل المعارضة من المنفى إلى الداخل، إذا ما أحرزت خطة أنان للسلام تقدماّ، مهما يكن ذلك التقدّم مؤلماً وبطيئاً. لكن قد تعيق جماعة الإخوان المسلمين ذلك الانتقال طالما يعني تضاؤل نفوذها. غير أنه يمكن تفادي ذلك المصير، إذا تمكّنت الجماعة من ترجمة مكانتها القيادية في المجلس الوطني السوري إلى وجود ملموس على الأرض في سورية أيضاً.

سيكون التغلّب على الانقسام الطبقي الأكثر صعوبة في سورية مابعد الأسد لو انتقل الحكم فعلاً. إذ أن سورية "الأخرى" لم تكن تظهر فقط نتيجة السياسات الاقتصادية الليبرالية الجديدة والسلوك الافتراسي للنظام في العقد الماضي. بل تكمن جذور سورية "الأخرى" أيضاً في الانفصام الرسمي للاقتصاد الوطني إلى اقتصادين عام وخاص مختلفين كليّاً في تسعينيات القرن الماضي، حيث لكلٍّ منهما أطره التشريعية والإدارية الخاصة. وبالتالي، إن الاختلافات في الاتجاهات السياسية والإيديولوجية طويلة الأجل وهيكلية حقاً. 

سوف تزداد وتتعقّد هذه التحدّيات لأن السلطات الجديدة ستتعرّض إلى ضغوط هائلة من الغرب والمؤسسات المالية الدولية - وأيضاً من جماعة الإخوان المسلمين المؤيّدة لاقتصاد السوق الحر وكبار رجال الأعمال في سورية - لاستئناف وتوسيع الإصلاحات الاقتصادية الليبرالية الجديدة نفسها التي يعتقد الكثيرون أنها أفقرتهم. فتجارب مابعد الفترة الانتقالية في العراق المجاور بعد العام 2003، وفي ليبيا واليمن منذ العام 2011، توضّح بجلاء مدى صعوبة التغلّب على انصهار الموروثات الاجتماعية والاقتصادية، والعسكرة، والاحتقان الطائفي والعرقي والإقليمي.

هذه الانقسامات هي التي ستحدّد المسار الذي ستتبنّاه المعارضة السورية في الأشهر المقبلة، ويكون لها في نهاية المطاف تأثير هائل على أي عملية انتقاليّة مستقبليّة. وسواء خاضت المعارضة مفاوضات طويلة وشاقّة مع الأسد ونظامه، أو عادت إلى المواجهة المسلّحة غير المتكافئة، فإن أي تقدّم تحرزه باتجاه الوحدة والمصالحة سيكون متكلَّفاً المرّة تلو المرّة إلى درجة الانهيار.

End of document
Source: http://carnegie-mec.orghttp://www.carnegie-mec.org/2012/04/19/الاختبارات-المقبلة-للمعارضة-السورية/akaj

المزيد من مركز الأبحاث العالمي

Publication Resources

ابقوا على اطلاع

تسجّل للحصول على أحدث التحليلات من كارنيغي عبر البريد الإلكتروني! الخانات التي تحمل العلامة (*) إلزامية.

معلومات شخصية
 
 
Carnegie Middle East Center
 
شارع الأمير بشير، برج العازارية بناية 20261210، ط5 وسط بيروت ص.ب 1061 -11 رياض الصلح, لبنان
هاتف: +961 1 99 12 91 فاكس: +961 1 99 15 91
ملاحظة...

أنتم تخرجون الآن من موقع مركز كارنيغي-تسينغوا للسياسة العالمية وتدخلون موقعاً عالمياً آخر لكارنيغي.

请注意...

你将离开清华—卡内基中心网站,进入卡内基其他全球中心的网站。