المعارضة السورية في حاجة إلى استراتيجية سياسية

Source: Getty
مقال تحليلي
ملخّص
لن تتمكّن المعارضة السورية من إحداث تغيير جذري في المعادلة القائمة، ما لم تقدّم خطة انتقالية واضحة واستراتيجية سياسية ذات مصداقية لكسب تأييد – أو تحييد – قطاعات اجتماعية وسياسية أساسية في سورية.
مواضيع ذات صلة
موارد إعلامية وأدوات ذات الصلة
 

دعت جامعة الدول العربية الفصائل الرئيسة للمعارضة السورية، المنقسمة على حالها، للتوحّد بهدف "التفاوض مع الحكومة السورية ككتلة واحدة". ووصولاً إلى ذلك، دعت تلك الفصائل إلى الالتقاء في القاهرة في منتصف أيار/مايو الحالي. وقد عقدت لجنة مؤلّفة من عشرة ممثّلين عن المجلس الوطني السوري، وهيئة التنسيق الوطنية للتغيير الديمقراطي، والمجلس الوطني الكردي في سورية، والمنبر الديمقراطي السوري، اجتماعات شبه أسبوعية منذ أواسط نيسان/أبريل، بغية صياغة رؤية موحَّدة لسورية ما بعد الأسد. لكن لن تتمكّن المعارضة من إحداث تغيير، ما لم تقدّم خطة انتقالية واضحة واستراتيجية سياسية ذات مصداقية لكسب تأييد – أو تحييد – قطاعات اجتماعية وسياسية أساسية في سورية.

تمَثَّل أحد التحدّيات التي جابهت المعارضة منذ صيف 2011 في صعوبة الاتفاق على حصص التمثيل الفصائلي، وتوزيع المناصب واللجان القيادية، والإجراءات العملية في إطار تنظيمي مشترك وموحَّد. لكن حتى إذا توصّلت الفصائل المجتمعة في القاهرة إلى صيغة للوحدة الشكلية، فهي ليست جاهزة بعد لمواجهة التحدّيات المعقَّدة المقبلة، بغضّ النظر هل تبدأ مباحثات جدّية مع النظام السوري أم لا.

وعلى سبيل المثال، وافق المجلس الوطني السوري على مبدأ "الحوار السياسي الشامل" المتضمَّن في خطة المبعوث الدولي-العربي المشترك كوفي أنان للسلام على مضض فقط، ولم يقدّم استراتيجية مُقنِعة للمشاركة الفعّالة وللاستفادة من المباحثات لو حصلت، وللتقدّم فيها لو أُتيح ذلك. بل يبدو جلياً أن المجلس الوطني السوري يفترض أن لجوء النظام المتكرّر إلى العنف سوف يقود حتماً إلى إجهاض العملية الدبلوماسية بأكملها، ما يريح المعارضة من وزر إعداد وتقديم خطة تفاوضية ذات مصداقية.

والأهم من ذلك أن المعارضة السورية لم تَصُغ حتى الآن استراتيجية لاستنزاف وتقويض قاعدة تأييد النظام سياسياً. فمن أجل إحداث التغيير، ينبغي على المعارضة أن تشجّع على الاختلاف والانشقاق في صفوف النظام نفسه، وفي أوساط قاعدته المجتمعية. لابدّ من طمأنة الأقليات التي لاتزال تساند النظام خوفاً من البديل عنه، عن مستقبلها في سورية ما بعد الأسد. كذلك، تحتاج المعارضة إلى إقناع الطبقة الوسطى المدينية الكبيرة، التي لاتحبّ أو تؤيِّد النظام، ولكن التي يردعها الثمن الباهظ للإعلان عن موقفها وتقوِّض من عزمها شرذمة المعارضة وعسكرتها، أنها، أي المعارضة، تقدّم بديلاً مقنعاً.

تشكّل هذه القطاعات من المجتمع السوري المفتاح لقلب الميزان الداخلي وحسم الصراع على السلطة. بل إن منطق مجموعة "أصدقاء سورية" في فرض العقوبات الاقتصادية والمالية على سورية هو أنها ستدفع في نهاية المطاف ببعض العناصر الرئيسيين داخل النظام إلى إزاحة الرئيس بشار الأسد عن الحكم، أو ستحرِّض الأقليات والطبقة الوسطى في المدن على إظهار معارضتها للنظام علانية. إلا أنه، في غياب استراتيجية سياسية لتحويل وتوجيه وزر ما تتحمّله هذه الشرائح الاجتماعية، ولإقناعها بوجود بديل مُجدٍ، لايكفي الاتّكال على العقوبات ظنّاً أنها ستؤدّي إلى النتائج المرجوّة. فتلك ليست استراتيجية. ولابدّ من الملاحظة أن تسرُّب رجال الأعمال إلى خارج البلاد، ولجوء كبار الضباط إلى تركيا لعجزهم عن الانشقاق مع وحداتهم كاملةً وقيادتها ميدانياً، يعنيان أن بعض القطاعات التي تعلق المعارضة بها الآمال آخذة بالتآكل.

بمقدور "أصدقاء سورية" التعايش مع غياب الاستراتيجية السياسية، لكن المعارضة لاتقدر على ذلك. فهي لم تتحاور حتى الآن في ما بينها لصياغة ما أسماه المُعارِض السوري المجرَّب ميشيل كيلو "تعهّداً عملياً سياسياً، توقِّع عليه جميع الأطراف السياسية التي تعمل الآن في المعارضة، ويحدّد ملامح شكل الانتقال، ومرحلة الانتقال، وطول فترة الانتقال، ومهام فترة الانتقال، وسُبُل تصفية الاستبداد وبناء البديل الديمقراطي وضمان حقوق الشعب، وإلى آخره". إن الإعلان عن خطة انتقالية مُقنِعة يتّسم بالأهمية في حال انطلق حوار جدّي مع النظام، على الرغم من كل ما يشير إلى عكس حدوث ذلك، كما في حال استمرّ النظام في ممارسة العنف بلا تمييز وألغى إمكانية حدوث انتقال عبر التفاوض أو اتفاق مرحلي.

يترتّب على المعارضة إذاً أن تذهب إلى أبعد من مجرّد المطالبة بسقوط النظام أو من التصريح برؤى مثالية لمستقبل ديمقراطي لسورية. فإن الالتزام بالديمقراطية وسيادة القانون، وبالتعددية السياسية والثقافية، والحقوق المدنية والإنسانية، ومساواة جميع المواطنين، وحرية الرأي والاعتقاد، كلّها أمور جديرة بالثناء، لكن توضيح كيفية انتقال البلاد من واقعها الراهن إلى ذلك المستقبل هو أمر آخر. فلا يكفي تقديم المقترحات العامة للإجراءات والآليات المتعلقة بصياغة دستور جديد وبالمصادقة عليه، أو المتعلقة بتعديل النظام الانتخابي. بل إن الانتقال الديمقراطي في سورية يستوجب، من دون مفرّ، التفاوض حول الصِيَغ والمعادلات للمشاركة في الحكم، وحول الضمانات للأفراد والأحزاب والقطاعات المجتمعية التي ستخسر الكثير.

فالسؤال الأصعب الذي يواجه المعارضة هو كيفية إقناع العلويين، أو على الأقل شريحة واسعة منهم، بأنه سيظلّ مكانهم الطبيعي في سورية ما بعد الأسد. ويرتبط ذلك أيضاً ارتباطاً وثيقاً بالسؤال عما تنوي المعارضة فعله تجاه حزب البعث الحاكم لو تمّت إزاحته عن السلطة، وكذلك تجاه كبار ضباط القوات المسلّحة وأجهزة الأمن الداخلي. فلا بدّ من "دمَقرَطة" القطاعين العسكري والأمني، بمعنى الانتهاء من هيمنة العلويين على أعلى المناصب (إن لم يكن احتكارهم إياها). لكن لابدّ أيضاً من تحقيق ذلك الإصلاح من دون إفقار شرائح كبيرة من الطائفة العلوية التي تتّكل معيشياً على التوظّف في القطاع الحكومي، ومن دون إشعارها بإنها تتعرّض إلى العقاب الجماعي.

ويُضاف إلى ذلك أن تحريم حزب البعث، كما حصل في العراق، يبدو أنه لن يكون حكيماً. ولايعود ذلك أساساً إلى انتماء قرابة ثلاثة ملايين مواطن إلى حزب البعث في سورية، مقارنةً بنظيره العراقي الذي تبنّى نهجاً نخبوياً فحافَظَ على عضوية ضيّقة لضمان الولاء والفعالية، حيث السواد الأعظم من أعضاء الحزب في سورية لن يوالونه إذا فَقَدَ السلطة. غير أن المنطق في التعايش مع بقاء حزب البعث إنما ينمّ عن توفيره أداةً مؤسّسية لاشتراك العلويين في الحياة السياسية العلنية، ووسيلة برلمانية محتملة تكون أكثر من مجرّد واجهة للمصالح الفئوية العلوية.

على أي حال، ليست المعارضة في موقع يتيح لها حلّ حزب البعث أو إملاء شروطها. فهي تلاقي الصعوبات حتى في توحيد صفوفها وصياغة القواعد المشتركة للحوار والنشاط السياسيَّين في ما بين فصائلها وائتلافاتها. ومع ذلك، إن المعارضة، ومعها بعض الأطراف الخارجية المؤيِّدة لها، لم تستوعب حتى الآن مغزى أنها تُجابِه نظاماً يتعرّض إلى الضربات والوهن ولكنه لايزال بعيداً عن التسليم بأمره. أولئك في المعارضة ممَّن يلجأون إلى الاعتقاد بحتمية سقوط النظام ليعفوا أنفسهم مسؤولية صياغة استراتيجية سياسية قادرة على تحقيق الانتقال الحقيقي، إنما يجازفون بالتعرّض إلى التهميش.

إن كل تجربة انتقالية عاشتها المنطقة العربية منذ عقد من الزمن، وليس أقلّها تجربة العراق منذ العام 2003، تدلّ على أن الانتقال الديمقراطي يمرّ عبر مراحل عدة، تظهر في كلٍّ منها المعيقات والموانع، الدامية أحياناً. إن العملية بطيئة، غير أن إقناع وتطمين أولئك الخائفين على مصائرهم والقلقين إزاء هوية ونوايا مَن سيحكمهم مستقبلاً، يحتاج إلى الحوار في إطار استراتيجية واضحة.

هنا تكمن أهمية خطة أنان للسلام: في إرغام المعارضة السورية على تطوير خطة شاملة للمرحلة الانتقالية واستراتيجية سياسية للتعامل مع النظام – أكان ذلك من خلال مفاوضته أم مجابهته – ومع القطاعات الأساسية في البلاد. لن تقنع المعارضة الأسد بمبدأ المشاركة في الحكم أو بمغادرة السلطة بمجرّد إصدار مثل هذه الخطة والاستراتيجية، لكن يمكنها أن تولِّد الضغوط في داخل قاعدته، وأن تساعد على بناء الدوائر الاجتماعية والسياسية التي ستدفع بقوة نحو الانتقال، والتي ستكون مشاركتها حيوية في مرحلة ما بعد النزاع من أجل تحقيق المصالحة السياسية وإعادة البناء الاقتصادي.

في حال انطلق الحوار الرسمي أم لم ينطلق في المستقبل القريب، فإن محصلة الجمود الحالي في الأزمة السورية ستتوقّف على تحريك وتغيير الميزان السياسي الداخلي لسورية في غضون ستة إلى تسعة أشهر مقبلة. وهذه المدة ستشهد المزيد من التآكل في صفوف النظام، وانخفاض قيمة العملة، وانقطاع الوقود اللازم للرّي والنقل الزراعي في موسم الصيف، الذي هو على الأبواب، كما للتدفئة في موسم الشتاء المقبل. ومفاد كل ذلك التهيئة والتمهيد لتوسيع رقعة تقبُّل الاستراتيجية السياسية للمعارضة في أوساط المجتمع السوري. ولكن لابدّ أولاً من إيجاد مثل تلك الاستراتيجية.

End of document
Source: http://carnegie-mec.orghttp://www.carnegie-mec.org/2012/05/10/المعارضة-السورية-في-حاجة-إلى-استراتيجية-سياسية/b766

المزيد من مركز الأبحاث العالمي

ابقوا على اطلاع

تسجّل للحصول على أحدث التحليلات من كارنيغي عبر البريد الإلكتروني! الخانات التي تحمل العلامة (*) إلزامية.

معلومات شخصية
 
 
Carnegie Middle East Center
 
شارع الأمير بشير، برج العازارية بناية 20261210، ط5 وسط بيروت ص.ب 1061 -11 رياض الصلح, لبنان
هاتف: +961 1 99 12 91 فاكس: +961 1 99 15 91
ملاحظة...

أنتم تخرجون الآن من موقع مركز كارنيغي-تسينغوا للسياسة العالمية وتدخلون موقعاً عالمياً آخر لكارنيغي.

请注意...

你将离开清华—卡内基中心网站,进入卡内基其他全球中心的网站。