الأحزاب الإسلامية في السلطة: عمل لمّا يكتمل بعد

Source: Getty
مقال تحليلي
ملخّص
يبدو أن الأحزاب الإسلامية، المعتدلة عموماً، تتطوّر بسرعة فيما هي تتعلّم كيف تخوض كلاً من عباب بحر السياسة اللّجِب والعمليات الديمقراطية الملتبسة في بلدانها.
موارد إعلامية وأدوات ذات الصلة
 

يثير نجاح الأحزاب الإسلامية في البلدان التي تمرّ بمرحلة انتقالية الكثير من القلق، بين العلمانيين في المنطقة والمراقبين في الغرب على حد سواء. والأسئلة المطروحة في هذا السياق تميل إلى أن تكون صارخة وُتطالب بإجابات مطلقة. من هذه الأسئلة: هل يوجد شيء من قبيل حزب إسلامي معتدل، أو هل تسعى جميع تلك الأحزاب في نهاية المطاف إلى إقامة دولة إسلامية كاملة؟ هل تقبل هذه الأحزاب قِيَم الديمقراطية، وليس فقط العملية الانتخابية، كوسيلة للفوز بالسلطة؟ وهل ستسلّم السلطة في حال وصلت إليها، إذا خسرت لاحقاً الانتخابات؟ هل ستدافع عن الحقوق الشخصية أم أنها ستحاول تشكيل المجتمع وقولبته تبعاً لقِيَمها؟

ليست ثمة أجابات مطلقة، كما توحي البحوث المتواصلة حول العمليات الانتقالية، وكذلك اللقاء الذي عُقد مؤخّراً في واشنطن ولمَّ شمل باحثين من مؤسّسة كارنيغي وممثّلين عن أحزاب إسلامية من مصر وتونس والمغرب. (تم أيضاً تمثيل أحزاب من ليبيا والأردن في الاجتماع، لكن لن تتم مناقشة مواقفها هنا، فهي ليست في موقع السلطة، كما أن المشاكل التي تواجهها مختلفة تماماً).

يبدو أن الأحزاب الإسلامية، المعتدلة عموماً، تتطوّر بسرعة فيما هي تتعلّم كيف تخوض كلاً من عباب بحر السياسة اللّجِب والعمليات الديمقراطية الملتبسة في بلدانها. إنها في الحقيقة عمل لمّا يكتمل بعد، ومن المرجّح أن يتأثّر تطوّرها بطبيعة ردات فعل الأحزاب العلمانية، وإلى حدّ أقلّ المجتمع الدولي، عليها.

تبدو الأحزاب الإسلامية وطنية حقا. كما لايتبدى أن هناك " أممية إسلامية" شاملة تنتمي إليها جميعها، أو حتى أن لها اتّصالاً محدوداً مع بعضها البعض. في المؤتمر على وجه الخصوص، شعرنا بأننا نعرف عنها أكثر مما تعرف هي عن بعضها البعض.

الأحزاب الإسلامية التي شاركت في اللقاء - حزب الحرية والعدالة في مصر، وحزب النهضة في تونس، وحزب العدالة والتنمية في المغرب - لها جذور إيديولوجية مشتركة في جماعة الإخوان المسلمين المصرية التي أسّسها حسن البنّا في العام 1928. الأفكار التي كانت تبثّها جماعة الإخوان المسلمين سرعان ما انتشرت إلى بلدان أخرى في الشرق الأوسط، وظهرت تنظيمات تستلهم منها في جميع أنحاء شمال أفريقيا والمشرق العربي. ومع أن إيديولوجيّتها حظيت بانتشار، ظلّت جماعة الإخوان المسلمين المصرية تنظيماً وطنياً، مستغرقاً في الأنشطة الدعوية والخيرية المحلّية، وفي صدامات متكرّرة مع الأنظمة المتعاقبة.

كان لدى التنظيمات في البلدان الأخرى التي ألهمتها جماعة الإخوان المسلمين تركيز محلّي مشابه دوما. ولم تنشأ الشبكات الدولية إلا بين الجماعات العنيفة الأكثر تطرّفا بهدف تجنيد المتطوّعين للجهاد في أفغانستان أو في العراق، على سبيل المثال.

أظهرت المناقشات في المؤتمر أن هذا التركيز المحلّي لايزال واضحاً جداً اليوم. ومع أن الأحزاب الإسلامية في تونس ومصر والمغرب - الموجودة الآن في الحكومة أو على الأقلّ في البرلمان - تواجه قضايا مماثلة في السياسة، فليس هناك مايدلّ على أنها تتشاور مع بعضها البعض بشأن كيفية التصدّي لها، أو أنها مهتمّة خصوصاً في معرفة ما تقوم به الأحزاب الأخرى. فكل حزب مُثْقَل بالمشاكل الداخلية والديناميكيات السياسية الخاصة ببلده.

هذه النقطة توضحها مسألة الشريعة. إذ أن مسألة ما إذا كان، أو كيف، ينبغي أن يشير الدستور إلى الشريعة، هي من اكثر القضايا الإديولوجية التهاباً التي تواجه البلدان العربية التي تعاين مرحلة انتقالية. وهي تظهر على نحو فاقع في العلاقة بين الإسلاميين وبين الأحزاب العلمانية، وتعتبر سبباً رئيساً للقلق بين العلمانيين. كل واحد من الأحزاب الثلاثة لديه حلول مختلفة، وهي متأصّلة جداً في سياسات بلده.

في المغرب، حيث وضعت الدستور الجديد لجنة عيّنها الملك، لم يضغط حزب العدالة والتنمية لإدراج الشريعة في النصّ الدستوري. بدلاً من ذلك قَبِل تعريف المغرب على أنه دولة مسلمة، واعتبر أن النص على أن الإسلام هو دين الدولة، كافٍ، مع أن بعض المسؤولين في حزب العدالة والتنمية يدّعون أنهم كانوا يفضّلون كلمات تعرّف المغرب بأنه "دولة مدنيّة ذات مرجعيّة إسلامية" ويؤيدون أيضاً حريّة الأديان الأخرى. كما قرّر حزب النهضة التخلّي عن أي إشارة إلى أحكام الشريعة، واكتفى بدلاً من ذلك باللغة المحايدة لدستور العام 1956 التي تنصّ ببساطة على أن "الإسلام هو دين [تونس]".

لكن في مصر، حيث لم يُكتب الدستور بعد، من المؤكّد أنه ستجري الإشارة إلى الشريعة الإسلامية بشكل بارز كمصدر للتشريع. السبب البسيط لذلك هو أن جميع الأحزاب الرئيسة، وجميع المرشّحين للرئاسة، يدعمون الفكرة صراحة في برامجهم.

لاتزال الأحزاب الإسلامية، مع استثناء جزئي لحزب العدالة والتنمية المغربي، تظهر علامات على عزلتها السابقة، سواء داخل بلدانها أو على الصعيد الدولي. وقد أجبرها القمع الحكومي وسياسات الولايات المتحدة والدول الأوروبية على البقاء داخل فقاعاتها. ليس كل الزعماء الإسلاميين في هذه المرحلة مطّلعون على، ومرتاحون مع، العالم خارج الفقاعة.

على الصعيد المحلي، عانت الحركات والأحزاب السياسية الإسلامية من فترات طويلة من القمع، حيث ُنفي أو سُجن العديد من قادتها مراراً أو لفترات طويلة. على سبيل المثال، في مصر، سُجِن خيرت الشاطر، نائب رئيس جماعة الإخوان المسلمين، ما مجموعه أكثر من اثنتي عشرة سنة بين عامي 1992 و 2011، في حين قضى نائب رئيس حزب الحرية والعدالة عصام العريان مايعادل ثماني سنوات في السجن بين عامي 1981 و 2010. وفي تونس، أمضى رئيس الوزراء الحالي، حمادي الجبالي، ما مجموعه 16 سنة في السجن بعد العام 1990، عشر منها في الحبس الانفرادي. وسُجن رئيس النهضة راشد الغنوشي في العام 1981، ومرة أخرى في العام 1987 أي ما مجموعه أربع سنوات، وأمضى آخر 22 سنة في المنفى.

يمثّل حزب العدالة والتنمية في المغرب الاستثناء من هذا التاريخ من القمع والعزلة، حيث سمح له الملك بأن يصبح حزباً سياسياً مسجّلاً رسمياً في العام 1992، وعمل بصورة قانونية وعلنيّة منذ ذلك الحين، واكتسب شهرة في بقية المجتمع المغربي والعالم. لكن لم تُمنح جماعة الإخوان المسلمين المصرية اعترافاً رسمياً كهذا أبداً، كما لم يُسمح لها بتشكيل حزب سياسي حتى بعد إطاحة الرئيس حسني مبارك. وفي حين وجدت الجماعة سبلاً للمشاركة في الانتخابات من خلال عقد صفقات مع الأحزاب السياسية الأخرى أو من خلال تقديم مرشّحين مستقلين، لم يكن في وسعها أن تعمل كتنظيم سياسي عادي. وفي تونس، سعت حركة النهضة، التي كانت تسمّى آنذاك "حركة الاتجاه الإسلامي"، إلى الحصول على الاعتراف بها كحزب سياسي في العام 1981 لكنها قوبلت بالرفض. وردّاً على شعبيّتها المتنامية، نُفي العديد من قادتها أو سُجنوا. ولم تبدأ الحركة العمل بشكل طبيعي إلا بعد إطاحة الرئيس زين العابدين بن علي، لتصبح حزباً مسجّلاً بصورة قانونية في آذار/مارس 2011.

العزلة القسريّة التي فُرضت على الأحزاب الإسلامية في الماضي تجعل من العسير تفسير ما إذا كانت بعض المواقف التي تزعج أكثر من سواها العلمانيين في هذه البلدان والأطراف الخارجية، هي حقاً تصريحات متطرّفة ينبغي أن تؤخذ على عواهنها، أم أنها نتيجة السذاجة حول الكيفية التي تجد فيها تصريحات معيّنة صدىً لها خارج حدود المجتمع الإسلامي. الأمثلة كثيرة: رئيس الوزراء الجبالي، وفي محاولة منه على مايبدو، لطمأنة جمهوره بأن تونس ستتحرّك نحو مستقبل مشرق، تحدّث عن مجيء الخليفة السادس، مادفع الكثيرين إلى التشكيك في اعتدال النهضة والتزامه بالدولة التونسية. وأشار بعض المسؤولين في جماعة الإخوان المسلمين وفي حزب النهضة في مرحلة ما إلى أن على السيّاح الالتزام بقواعد أكثر صرامة حيال الملابس واستهلاك الكحول، لكنهم سرعان ماتراجعوا على عجل بعد أن أوضح لهم القائمون على السياحة حقائق هذه الصناعة.

من مصلحة المجتمع الدولي، وكذلك العلمانيين في الدول العربية، بذل كلّ جهد ممكن لفقأ الفقاعة التي مازالت تغشى جزءًا من القيادات الإسلامية. الإسلاميون في حاجة إلى الاندماج قدر الإمكان في جميع المحافل المحلّية والدولية لفهم ما هو مقبول أو غير مقبول في الأماكن الأخرى. القضية هنا لاتتعلّق بتعليم الإسلاميين إخفاء آرائهم الحقيقيّة، بل بمساعدتهم على مواجهة حقيقة الخيارات المطروحة عليهم، وأيضاً مواجهة واقع العمل كأحزاب سياسية في العالم الحقيقي. قد يختارون تحدّي الأفكار السائدة عن عمد وعلى سبيل المبدأ، لكن عملية المشاركة هذه ستوفّر على الأقلّ قدراً أكبر من الوضوح في شأن خياراتهم.

تختلف الأحزاب الإسلامية عن بعضها البعض، لكن الخلافات العقيدية ليست أهمّ العوامل التي تميّزها عن بعضها. بالأحرى، ما يُحدد هذه الأحزاب هي الظروف التي تعمل في سياقها: الدّعم الذي يحظون به، وردّ فعل الأحزاب السياسية العلمانية تجاههم، وما إذا كانت لديهم مسؤوليات حكومية.

على المستوى العقائدي، الأحزاب الثلاثة متشابهة، وهي رفضت صراحة فكرة استخدام القوّة للوصول إلى السلطة، وتؤكد التزامها الآن بالمشاركة السياسية. النتيجة الطبيعية للمشاركة السياسية هي قبول التعدّدية والعملية الديمقراطية مع أن النقّاد يؤكّدون أن هذا القبول يمثّل انتهازيّة بحتة، وأن الإسلاميين سيتراجعون عن التعدّدية والديمقراطية حالما يصلون إلى السلطة. وثمّة بديهية أخرى، كما تمت الإشارة أنفاً، تتمثّل في أن هذه الأحزاب وافقت على واقع تقسيم العالم الإسلامي إلى دول وطنية، وأنها أصبحت أحزاباً وطنية.

مع ذلك، من الناحية السياسية، ثمّة اختلافات، وخصوصاً في شأن العلاقة بين حزب سياسي معيّن والتنظيم الديني الذي ولد من رحمه. في المغرب، حزب العدالة والتنمية منفصل تماماً عن التنظيم (حركة التوحيد والإصلاح)، وقد كان كذلك لسنوات عديدة. وفي الواقع، بذل الحزب قصارى جهده ليكون تنظيماً سياسياً عادياً.

حركة النهضة لها أصول تضرب جذورها عميقاً في الحركة الدينية والثقافية المسمّاة "الجماعة الإسلامية"، لكن بحلول العام 1981 حاولت تشكيل حزب سياسي، من دون جدوى، هو "حركة الاتّجاه الإسلامي"، والذي تم تغيير اسمه فيما بعد إلى النهضة. تلقّى التنظيم ضربة خطيرة بعد أن حاول تقديم مرشحين مستقلّين في الانتخابات التي أجريت العام 1989، وتصاعد القمع الحكومي ضدّها. وجرى إحياء حركة النهضة بسرعة كبيرة بعد خلع زين العابدين بن علي، وهي لاتزال كذلك كقوة سياسية.

الوضع في مصر عكس ذلك. فوجود جماعة الإخوان المسلمين كحركة دينية سبق بفترة طويلة حزب الحرية والعدالة الذي تأسّس في آذار/مارس 2011، ولم يحصل حتى الآن على هويّة منفصلة عن التنظيم الديني.

لا بل ثمة اختلافات أكثر وضوحاً بين الأحزاب الإسلامية تتعلّق بتركيزها على قضايا السياسة العامة. فحزب العدالة والتنمية وحزب النهضة يحكمان بلديهما، على الرغم من أن ذلك يتم بالتحالف مع أحزاب أخرى. ويركّز حزب العدالة والتنمية على كيفية ترجمة المبادئ الواردة في الدستور الجديد إلى سياسات، وكيفية الحفاظ على دعمه السياسي من خلال القيام بذلك. ويركّز حزب النهضة على تأمين الموافقة على الدستور، ووضع سياسة اقتصادية لمعالجة مشكلتي الفقر والبطالة الملحّتين. ولذا فإن اهتمامات الحزبين مباشرة وعمليّة.

على النقيض من ذلك، لم تبدأ جماعة الإخوان المسلمين وحزب الحرية والعدالة بعد التّركيز حقاً على قضايا السياسة العامة، وهو مايعكس الوضع السياسي في مصر، حيث لاتزال القضية الأساسية المتعلقة بتوزيع السلطة بين الجيش وبين البرلمان الذي يهيمن عليه الإسلاميون، والرئيس الذي سيتم انتخابه قريباً، بلا حلّ.

تواجه الأحزاب الإسلامية كلاً من السكان المستَنفَرين في بلدانها، والحاجة إلى أخذ آراء الجمهور في الاعتبار. ويبدو أن احتمال أن تلغي الأحزاب الإسلامية، ببساطة، الانتخابات في المستقبل لإدامة مكانتها وتأبيدها لا أساس له، وهو افتراض ناجم عن الخوف وليس احتمالاً واقعياً.

يدّعي المعارضون أن الأحزاب الإسلامية سوف تستخدم العملية الديمقراطية للاستيلاء على السلطة، لكنها لن تسمح بأن تُجرى الانتخابات مرة أخرى: شخص واحد وصوت واحد لمرة واحدة. لكن الواقع أن الأحزاب الإسلامية في تونس والمغرب ومصر تفترض أنها ستواجه الناخبين مرّة أخرى، وأنها تحتاج إلى الحفاظ على دعم الناخبين، الذين أصبحوا، في ضوء الأحداث التي وقعت في العام 2011، أكثر وعياً من الناحية السياسية وأكثر استعداداً للعمل.

سيواجه حزب النهضة في تونس انتخابات في آذار/مارس 2013 لأن الجمعية التأسيسية صُمِّمت كي تكون ولايتها قصيرة. وقد حُدد بالفعل تاريخ عقد تلك الانتخابات. وفي ظل الظروف الراهنة، من غير المعقول تقريباً أن تلغى الانتخابات، إذ سيكون ردّ الفعل الشعبي سريعاً وسيضعِفُ الحزب نفسه. وفي الواقع، يحرص حزب النهضة على عدم إعطاء الانطباع بأنه ينوي البقاء بعد انتهاء الولاية الأصلية، حيث قسّم، على سبيل المثال، خططه الاقتصادية إلى أهداف قصيرة الأجل لهذه السنة - تفاصيلها مبيّنة في طلب الموازنة التكميلية - ووضع برنامجاً على المدى الطويل يحدّد فيه ما سيفعل إذا ما أعيد انتخابه.

في المغرب، عُقدت الانتخابات بانتظام على مدى عقود، مع أنها لم تكن حرّة دوماً. ونظراً إلى التقاليد الراسخة والقوة المستمرّة للقصر، فإن إجراء انتخابات جديدة أمر مؤكّد. كما يدرك حزب العدالة والتنمية تماماً أن أداءه الآن سوف يؤثّر على الانتخابات المقبلة، بعد أن خَبِرَ في السابق كم من السهل أن يخسر الأصوات. في انتخابات العام 2007، حصل الحزب على أصوات تقلّ بواقع مليون صوت عما حصل عليه في العام 2002 لأن عدداً كبيراً من الناخبين، الذين أحسّوا بالاشمئزاز من عدم قدرة البرلمان على معالجة المشاكل، لزموا منازلهم، أو فعلوا ما هو أسوأ، حيث ألقوا في صناديق الاقتراع، بشكل متعمّد، بطاقات احتجاجية فاسدة.

تبدو صورة مصر أكثر تعقيداً. إذ ليس لدى الإسلاميين حتى الآن سوى القليل من القوّة مع أن أغلبيتهم كبيرة في البرلمان. فالسلطة في يد الجيش ومؤسّسات الدولة، بما في ذلك السلطة القضائية التي يسيطر عليها أفراد النظام القديم. وحتى لو فاز مرشّح الإخوان المسلمين في الانتخابات الرئاسية، فإن الإسلاميين، مع ذلك، سيخوضون صراعات على السلطة مع الجيش.

لكن، ربّما لايفوز مرشّح الإخوان في الانتخابات الرئاسية. ويبدو محمد مرسي متخلّفاً عن كل من عمرو موسى، وزير الخارجية الأسبق في ظل مبارك والأمين العام لجامعة الدول العربية فيما بعد، وعبدالمنعم أبو الفتوح الذي تم طرده من جماعة الإخوان المسلمين عندما قرّر ترشيح نفسه للرئاسة بعد أن أعلن التنظيم أنه لن يقدّم مرشحاً. وبالتالي ربما من المرجّح أن يكون لزاماً على البرلمان، الذي يهيمن عليه الإسلاميون، أن يتقاسم السلطة ليس مع القوات المسلحة فقط بل أيضاً مع الرئيس الذي ليس جزءاً من التنظيم. في ظل هذه الظروف، سيكون الإسلاميون المصريون في حاجة إلى الدعم الذي يمكن أن يحصلوا عليه في الانتخابات لتعزيز نفوذهم. الدّعم الانتخابي هو كلّ ما لديهم، لأنهم لايسيطرون على الجيش، ولهم حضور متواضع في مؤسسات الدولة.

أخيراً، هل هذه الأحزاب الإسلامية معتدلة؟

إذا جاز لنا أن نحكم عليها من خلال ما تقول، وقبل كل شيء من خلال ما فعلت حتى الآن، وليس عن طريق ما يخشى البعض من أنها قد تفعل، فإن أحزاب العدالة والتنمية، والحرية والعدالة، والنهضة معتدلة. هذا هو واقع الحال لأسباب عدّة:

  • لاتروّج هذه الأحزاب للعنف.
  • تعترف بشرعية التنظيمات التي تدافع عن وجهات نظر مختلفة.
  • قبلت هذه الأحزاب جميعها حقوق المرأة، وكما هو واقع الأمر، فإنها لم تفعل أكثر مما فعلت الأحزاب العلمانية لتعزيز وضع المرأة في المناصب السياسية.
  • لم يُصرِّ حزب العدالة والتنمية ولاحزب النهضة على إعلان أن الشريعة الإسلامية أساس التشريع، في حين تطالب جماعة الإخوان المسلمين المصرية بإعلان الشريعة مصدر التشريع، كما تفعل كل الأحزاب العلمانية.
  • ليس من بين هذه الأحزاب من ينادي بتطبيق الحدود، وهي العقوبات الثابتة المنصوص عليها في الشريعة والتي تشمل بتر أطراف السارقين ورجم الزانيات.
  • لم يَدْعُ أي منها لفرض الزي الإسلامي على النساء، مع أنها تنظر إليه بالتأكيد بعين العطف.

مع أن هذه الأحزاب لم تفعل أي شيء يشير إلى وجود برنامج اجتماعي أو سياسي متطرّف، إلا أن أسباب القلق لاتزال قائمة: هذه التنظيمات إسلامية، وبالتالي فإن الإسلام هو إطارها المرجعي، وهي جزء من مجتمعات ذات تقاليد استبدادية مديدة لاتمتلك وسائل ديمقراطية راسخة. في مصر وتونس، وإلى حد ما في المغرب، لاتزال الحلول الاستبدادية للمشاكل هي الوضع الافتراضي بالنسبة للأحزاب الإسلامية والعلمانية على حدّ سواء.

ثمّة توتّر متأصّل في كل هذه الأحزاب بين احترام مبادئ الشريعة الإسلامية والتقاليد وبين الالتزام بالديمقراطية. إنه التوتّر المألوف بين المبادئ المطلقة للدين، والفضاءات الواقعيّة للديمقراطية التي توجد في جميع البلدان، حيث لايزال الدين مرجعاً في الحياة السياسية، كما هو الحال في الولايات المتحدة أو في أجزاء من أوروبا التي توجد فيها أحزاب ديمقراطية مسيحية قويّة. قد يكون التوتّر أكبر حتى على مستوى عامة الناس منه على مستوى القادة والمنظّرين الذين مازالوا يفكّرون منذ سنوات حول كيفيّة التوفيق بين مبادئ الشريعة الإسلامية وبين مبادئ الديمقراطية. يصبح التوتّر واضحاً تماماً في بعض الأحيان، ولاسيّما في مصر، حيث لاتزال هناك مقاومة في جماعة الإخوان المسلمين لفكرة إمكانية تولّي امرأة أو قبطي منصب الرئيس. وبالمثل، تعاود الظهور الآن الفكرة القائلة أن السلطات الدينية هي التي يجب أن تقضي حول ما إذا كانت قوانين معيّنة تتوافق مع أحكام الشريعة.

سوف تبقى الثقافة أيضاً عقبة في بعض القضايا، على سبيل المثال، في مايتعلّق بحقوق المرأة. تونس هي الأكثر علمانية بين البلدان الثلاثة، لكن الرجال مازالوا يهيمنون على السياسة، حيث يبذل حزب النهضة وحده جهداً كبيراً لزيادة تمثيل المرأة في الحياة السياسية. وتبقى هناك تساؤلات حول مدى التزام هذه الأحزاب الإسلامية بالحقوق الشخصية. ويبدو أنها لاتزال تفتقر إلى موقف قطعيّ ضد أي تدخّل في الحقوق الشخصية، مع أن حزبي النهضة والعدالة والتنمية يبدوان أقرب إلى مثل هذا الالتزام من حزب الحرية والعدالة.

في التقليد السّلطوي، كانت تتم على الدوام عرقلة حريّة وسائل الإعلام في هذه البلدان من خلال القوانين التي تجرّم انتقاد الرئيس والقوات المسلحة والسلطات بشكل عام. من السهل جداً الاستنباط من هذه التقاليد لتجريم الأفعال التي يمكن أن تعتبر مهينة للدين. وإذا كان من الممكن اعتقال الصحافيين لتقديم تقارير عن صحة الرئيس، كما هو الحال في مصر، فإن من الصعب القول أنه ينبغي السماح لهم بإهانة النبي وأن يتمتّعوا بالحصانة.

وبالمثل، كان طيف الآراء المقبولة مقيّداً على الدوام، ولم يكن هناك سوى القليل من الاحترام للتعدّدية في هذه البلدان. وليس ثمّة مايدعو إلى الاعتقاد بأن الأحزاب الإسلامية ستكون بمنأى عن هذه التقاليد الراسخة أكثر من الأحزاب والساسة العلمانيين. فقد شهدت مصر للتوّ نوبة غضب من جانب رئيس لجنة الانتخابات الرئاسية، الذي علّق أعمال اللجنة لأن البرلمان تجرّأ على مناقشة مشروع قانون من شأنه أن يسمح باستئناف قرار اللجنة - وهي بالكاد جريمة في بلد ديمقراطي - ولكنه حظي بالترحيب من لجنة الانتخابات.

لايزال الطريق إلى الديمقراطية طويلاً جداً ووعراً في هذه البلدان، وليست الأحزاب الإسلامية هي من زرع كل العقبات في مساره. أخيراً، النخبة الحاكمة والأحزاب العلمانية في الشرق الأوسط لم تلتزم بالديمقراطية أيضاً. إذ لم تكن الأنظمة الناصرية والبعثية والقومية والملكية في المنطقة ديمقراطية، ولم يتجاوز حضور المرأة في الأحزاب السياسية العلمانية في العالم العربي حضورها في الأحزاب الإسلامية. وما من شكّ في أنه من دون الالتزام بالتعدّدية، لايمكن للمجتمعات في الشرق الأوسط أن تأمل بالتّجديد المتواصل، والتنمية المستدامة، وحقوق الفرد والجماعة. ومع ذلك، ينبغي توقُّع هذا الالتزام من الجميع على قدم المساواة، سواء أكانوا إسلاميين أو علمانيين.

End of document
Source: http://www.carnegie-mec.org/2012/05/23/الأحزاب-الإسلامية-في-السلطة-عمل-لم-ا-يكتمل-بعد/b76t

المزيد من مركز الأبحاث العالمي

Publication Resources

ابقوا على اطلاع

تسجّل للحصول على أحدث التحليلات من كارنيغي عبر البريد الإلكتروني! الخانات التي تحمل العلامة (*) إلزامية.

معلومات شخصية
 
 
Carnegie Middle East Center
 
شارع الأمير بشير، برج العازارية بناية 20261210، ط5 وسط بيروت ص.ب 1061 -11 رياض الصلح, لبنان
هاتف: +961 1 99 12 91 فاكس: +961 1 99 15 91
ملاحظة...

أنتم تخرجون الآن من موقع مركز كارنيغي-تسينغوا للسياسة العالمية وتدخلون موقعاً عالمياً آخر لكارنيغي.

请注意...

你将离开清华—卡内基中心网站,进入卡内基其他全球中心的网站。