الانتخابات المصرية: انتكاسة للعملية الانتقالية

Source: Getty
مقال تحليلي
ملخّص
تبدو نتائج الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية في مصر مقدّمةً لمواجهةٍ مباشرةٍ بين النظام القديم وبين الإخوان المسلمين.
مواضيع ذات صلة
موارد إعلامية وأدوات ذات الصلة
 

أسفرت الجولة الأولى من الانتخابات المصرية عن نتائج تترتّب عليها آثار وخيمة على نجاح العملية الانتقالية في البلاد. فقد حصل محمد مرسي مرشح الإخوان المسلمين، وأحمد شفيق، وهو ضابط سابق في الجيش، فضلاً عن أنه كان وزيراً ورئيساً للوزراء في عهد حسني مبارك، على أعلى عدد من الأصوات. وتفوّق مرسي الذي حصل على 24.9 في المئة من الأصوات قليلاً على شفيق الذي حصل على 24.5 في المئة، وفقاً لنتائج غير رسمية.

كانت هذه أسوأ نتيجة ممكنة للانتخابات: فهي تمثّل مقدّمة إلى مواجهة مباشرة بين النظام السابق وبين جماعة الإخوان المسلمين التي حذّر منها مبارك واستخدمها لتبرير قبول دولي ضمني لسياساته السلطويّة وللحصول عليه.

ستُخاض المعركة في صناديق الاقتراع في الجولة الثانية من الانتخابات يومي 16 و17 حزيران/يونيو، بيد أن الصراع سوف يمتد أيضاً إلى الدستور الجديد، وإلى قرار المحكمة الدستورية العليا حول ما إذا كان قانون الانتخابات الذي انتُخِب بموجبه البرلمان دستورياً أم لا، وإلى المزيد من التظاهرات الجماهيرية ومعارك الشوارع التي من المرجّح جداً أن تؤدّي إلى العنف.

في أحد جانبي المعركة سيكون الجيش ومؤسّسات الدولة بما فيها المحاكم، التي لاتزال خاضعة إلى سيطرة موظفين من عهد مبارك، ومجتمع الأعمال، وأشخاص آخرون نجحوا في ظلّ النظام السابق، والمصريون العاديون الذين يريدون استعادة النظام. وفي الجانب الآخر سيكون الإخوان المسلمون ومعظم الإسلاميين والمصريون الذين انتفضوا في كانون الثاني/يناير 2011 ولايريدون أن يروا عودة النظام الذي ظنوا أنهم قد هزمموه.

في الوسط سوف يقف بقلق وخوف أكثر من 50 في المئة من المصريين الذين لم يصوّتوا لمرسي أو شفيق، ولكن لثلاثة مرشّحين يمثّلون البديل، بطريقتهم المختلفة جداً: حمدين صباحي، وهو مرشح علماني من يسار الوسط فاجأ الجميع، بما في ذلك ربما نفسه، من خلال الفوز بنسبة 21.1 في المئة من الأصوات، متقدّماً في الأسبوعين الماضيين بعد أن صُرِف النظر عنه كمرشّح جدّي في وقت سابق؛ وعبد المنعم أبو الفتوح، وهو القيادي السابق في جماعة الإخوان المسلمين الذي كان طُرِد من التنظيم عندما أعلن نيّته الترشّح لرئاسة الجمهورية ضد رغبة التنظيم، والذي فاز بنسبة 17.8 فى المائة من الأصوات؛ وعمرو موسى، وزير الخارجية الأسبق ومن ثم الأمين العام للجامعة العربية، الذي حصل على 11.3 في المئة من الأصوات بعد أن اعتبر الأوفر حظّاً لأشهر عدة. من الواضح أن هناك العديد من المصريين الذين يعتقدون أن ثمة خيارات أفضل من قبول حركات الإسلام السياسي باسم التغيير أو استعادة النظام القديم باسم الاستقرار.

من المستحيل التنبّؤ بالخيار الذي سيلجأ إليه المصريون الذين رفضوا مرسي وشفيق على حدّ سواء، عندما يكون الاثنان المرشّحين الوحيدين. وقد ألمح حمدين صّاحي وعبد المنعم أبو الفتوح في البداية إلى أنهما سيشجّعان أتباعهما على التصويت لصالح مرسي لمنع على النظام القديم من فرض نفسه، لكنهما تراجعا منذ ذلك الحين ويقولان الآن أنهما لن يتبنّيا أي شخص. على أي حال، ليس ثمة طريقة لمعرفة كيف سيردّ الناخبون. فهذه أول مرة على الإطلاق يصوّت فيها المصريون بحرية في انتخابات رئاسية بخيارات حقيقية، وبالتالي ليس ثمة أنماط تصويت يمكن أن تبنى عليها التنبؤات.

على أي حال، التصويت في حدّ ذاته لايقرّر أي فئة ستنتصر، لأن العديد من المعارك ستُخاض خارج الساحة الانتخابية. وبالفعل بعض المعارك يُخاض الآن. إحداها هي المعركة حول الدستور، والأخرى هي المعركة حول صلاحيات رئيس الجمهورية. في كلتا المعركتين، المجلس الأعلى للقوات المسلحة ومؤسّسات الدولة، ولاسيما السلطة القضائية، هما اللاعبان الرئيسان.

وفقاً للإعلان الدستوري الصادر عن المجلس الأعلى للقوات المسلحة بعد إطاحة الرئيس حسني مبارك، ينبغي أن تكتب الدستور جمعية تأسيسية مكوّنة من 100 عضو ينتخبهم البرلمان. ومع ذلك، لايذكر الإعلان الدستوري، وعلى نحو يصعب تفسيره، شيئاً على الإطلاق حول معايير الأهلية أو حتى، على نحو أكثر تناقضاً، حول ما إذا كان الدستور يحتاج إلى موافقة أغلبية بسيطة أو خاصة في هذه الهيئة. عندما فاز الإخوان المسلمون والسلفيون في الانتخابات البرلمانية، وانتخبوا على نحو غير مستغرب الجمعية التأسيسية التي تعكس تركيبة البرلمان، صاحت الأحزاب العلمانية والمنظمات الأخرى احتجاجاً، وهو مايحقّ لها القيام به في ظلّ نظام ديمقراطي. أعلنت المحاكم بطلان انتخاب الجمعية التأسيسية، وأمرت بوقف التنفيذ، في قرار ربما لم يكن من حقها اتّخاذه لأنه يبدو أنه اتُّخِذ بدوافع سياسية لاقضائية.

ونتيجة لذلك، لايوجد أي دستور لمصر حتى الآن ولا أحد يعرف مدى السلطة التي سيتمتّع بها الرئيس الجديد أو الكيفية التي سيتم بها تقاسم المسؤوليات بينه وبين البرلمان. من المتوقّع أن يتنحّى المجلس الأعلى للقوات المسلحة في نهاية حزيران/يونيو بعد أن يتم انتخاب الرئيس، وهو يحاول الآن إصدار إعلان دستوري جديد في آخر لحظة لتحديد صلاحيات الرئيس، وقطع الطريق أمام قرار الجمعية التأسيسيّة وصلاحيات البرلمان المُنتخَب لاختيار مَن سيتولّى صوغ الدستور.

المعركة الثانية بالفعل تتعلّق بصحّة الانتخابات البرلمانية، وهنا، أيضاً، المحاكم هي السلاح الذي اختاره النظام السابق. المحكمة الدستورية العليا (التي يتولّى رئيسها أيضاً، وليس من قبيل الصدفة، رئاسة لجنة الانتخابات الرئاسية) سوف تصدر حكمها قريباً في ما إذا كان قانون الانتخاب المُستخدَم في الانتخابات البرلمانية دستورياً. إذا ماقرّرت أنه لم يكن دستورياً، فمن الممكن للمحكمة أن تحلّ البرلمان، مايحرم جماعة الإخوان المسلمين من المركز الوحيد للقوة، بدلاً من النظام السابق الذي تسيطر عليه.

ليس لدى الأحزاب الإسلامية، مع أنها نجحت في الانتخابات، أسلحة مؤسّسية أو قانونية في هذه المعركة البرلمانية غير العادية حيث أن جميع المؤسسات باستثناء البرلمان لاتزال تخضع إلى سيطرة النظام السابق. وإذا مافازَ أحمد شفيق في الانتخابات الرئاسية، وتبيّن للمحكمة أن البرلمان انتخب بشكل غير دستوري، فسيكون الإسلاميون قد خسروا المعركة مع النظام السابق. والسؤال هو ما إذا كانوا سيتقبّلون الهزيمة ويعيدون تنظيم صفوفهم للقتال مرة أخرى في حدود العملية الانتخابية، كما فعل الإسلاميون في تركيا، أم سيشجّعون أنصارهم على النزول إلى الشوارع. ربما يتوقّف الجواب على ماستقرّر فعله نسبة 50 في المئة من المصريين الذين لم يريدوا أن يكون الإخوان المسلمون أو أحد أفراد النظام السابق رئيساً.

الأشهر المقبلة ستكون صعبة للغاية في مصر، وعدم الاستقرار السياسي سيؤدّي إلى مواصلة إهمال المشاكل الاقتصادية، إذ إن الكثير يعتمد على نتائج الانتخابات الرئاسية، والدعوى القضائية ضد البرلمان، وصياغة الدستور. في المدى القصير، هذه المعارك هي التي ستحدّد الفائزين، والنظام القديم يبدو أفضل استعداداً، إذ يسيطر على المؤسسات وقوات الأمن. في المدى البعيد، النتيجة أقل قابليّة للتنبؤ بها، لأن الغالبية العظمى من المصريين رفضت المرشّح الإسلامي ومرشّح النظام السابق.

هذا أمر يجب أن تضعه إدارة أوباما والكونغرس في اعتبارهما في الأشهر المقبلة عندما يصلان إلى الاختيار الصعب حول كيفية الردّ على الأزمة في مصر. وأياً كان مَن يفوز في المدى القصير، لن يحظى بالدعم الحقيقي سوى من أقليّة، وفي أحسن الأحوال بالقبول على مضض من شريحة أخرى من السكان. نتائج هذه المعارك الاستثنائية، على غرار نتيجة معركة إطاحة الرئيس حسني مبارك، لن تكون نهائية، بل جزءاً من حرب طويلة. ولن يكون من الحكمة بالنسبة إلى الولايات المتحدة أن تتّخذ موقفاً أو تنحاز الآن.

End of document
Source: http://www.carnegie-mec.org/2012/05/27/الانتخابات-المصرية-انتكاسة-للعملية-الانتقالية/b76u

المزيد من مركز الأبحاث العالمي

ابقوا على اطلاع

تسجّل للحصول على أحدث التحليلات من كارنيغي عبر البريد الإلكتروني! الخانات التي تحمل العلامة (*) إلزامية.

معلومات شخصية
 
 
Carnegie Middle East Center
 
شارع الأمير بشير، برج العازارية بناية 20261210، ط5 وسط بيروت ص.ب 1061 -11 رياض الصلح, لبنان
هاتف: +961 1 99 12 91 فاكس: +961 1 99 15 91
ملاحظة...

أنتم تخرجون الآن من موقع مركز كارنيغي-تسينغوا للسياسة العالمية وتدخلون موقعاً عالمياً آخر لكارنيغي.

请注意...

你将离开清华—卡内基中心网站,进入卡内基其他全球中心的网站。