انتخاب ليبيا جديدة

Source: Getty
سؤال وجواب
ملخّص
في وقتٍ لا تزال ليبيا تواجه تحديات كبيرة إضافةً إلى الحاجة لمعالجة مسائل أساسية حول دور الدين والحكم الذاتي الإقليمي، إلا أنه يبقى هناك مجال للتفاؤل بشأن مستقبل البلاد.
مواضيع ذات صلة
موارد إعلامية وأدوات ذات الصلة
 

يتجه الليبيون إلى صناديق الاقتراع خلال هذا الشهر في أول انتخابات محلية منذ إطاحة بمعمر القذافي. لكن في ظل وجود جيوب ينعدم فيها الأمن والقانون وتفتقر الحكومة فيها إلى السيطرة، تبقى هناك شكوك حول ما إذا كانت ليبيا ستتخلص من أربعة عقود من الحكم الاستبدادي.

في "سؤال وجواب"، يُحلل فريدريك ويري، المتواجد حالياً في ليبيا لمتابعة الانتخابات البرلمانية، بتحليل عملية التحوُّل نحو الديمقراطية في البلاد، ويرى أن الانتخابات حدث تاريخي بالنسبة إلى ليبيا. وفي الوقت الذي لاتزال فيه البلاد تواجه تحديات كبرى. يتعيّن عليها الإجابة عن أسئلة جوهرية حول دور الدين والحكم الذاتي للأقاليم. وبينما يعكف قادتها الجدد على كتابة الدستور، من الأضمن التزام جانب التفاؤل النسبي حيال مستقبلها.

ما مدى أهمية الانتخابات المحلية المقبلة في ليبيا؟

تشكِّل هذه الانتخابات خطوة غاية في الأهمية بالنسبة لليبيا. فعلى مدى اثنين وأربعين عاماً، كان المجتمع الليبي غير منخرط في سياسات بلاده. كان القذافي يمنع أي نوع من المشاركة السياسة، وفرض حظراً على المجتمع المدني والأحزاب السياسية. في ظل هذا النظام المُغرق في المركزية، لم يكن للناس أي صوت حتى على المستوى المحلي.

إنه إنجاز كبير بالنسبة إلى دولة لاتزال تنفض عنها غبار الدكتاتورية في خضم الربيع العربي. وتشكِّل هذه الانتخابات أرضية للتفاؤل حيال هذا التحول.

ثمة أمور كثيرة على المحكّ في هذه الانتخابات، مثل المسار المستقبلي لليبيا ومن سيقود البلاد نحو المستقبل. كما أنها تشير إلى النهاية الفعلية للسلطة التشريعية الانتقالية في البلاد، والمتمثلة بالمجلس الوطني الانتقالي. لقد أدى هذا المجلس عملاً جيداً إلى حدٍّ ما عبر قيادته للسفينة في غياب القذافي، لكن وُجِّهت إليه انتقادات تتعلق بالشرعية والافتقار إلى الشفافية.

ومع ذلك ، تبقى ثمّة علامات استفهام حول قدرة الحكومة على توفير الأمن في مراكز الاقتراع. إذ "انتدبت" الحكومة عدداً من الميليشيات في المدن الكبرى كجزء من خطتها الأمنية. وكانت هناك بعض الدعوات الصريحة لمقاطعة الانتخابات في المنطقة الشرقية من قبل قادة إسلاميين ومؤيدين للفيدرالية، فضلاً عن شن هجمات على المكاتب الانتخابية. وتشير التقارير إلى وجود خطة لدى الحكومة لـ"تجميد" الانتخابات في مراكز الاقتراع التي يوجد فيها عنف أو فوضى، ما قد يؤدّي إلى إبطال النتائج بحكم الأمر الواقع.

ويشكل عددٌ من المدن الموالية، مثل سرت وبني وليد، مصدر قلق أيضاً، حيث لم تنشر المنظمات غير الحكومية مراقبين في هذه المناطق بسبب المخاوف الأمنية. فأعداد المسجلين للاقتراع في هذه الأماكن متدنية جداً مقارنةً مع المناطق الأخرى من البلاد، مايشير إلى أن الكثير من الناس لايعتبرون هذه الانتخابات شرعية.

خلال الأسابيع التي تفصلهم عن الانتخابات، شارف الليبيون على الشعور بخيبة الأمل، بما لذلك من آثار تبعث على القلق. فالكثير من الأمور لم تكن تُنجز في ليبيا لأن الجميع مدركون بأن المجلس الوطني الانتقالي هو هيئة انتقالية، وقد حان الوقت كي يرحل.

لماذا أُجِّلت الانتخابات؟

تأجيل الانتخابات لبضعة أسابيع كان لأسباب فنية بحتة. فقد تأخرت السلطات الانتقالية الليبية في تسجيل الناخبين والقيام بالتحضيرات الأخرى اللازمة للانتخابات. ووفق استنتاجات الأمم المتحدة والعديد من المراقبين التابعين للمنظمات غير الحكومية، كان لهذا التأجيل مايبرره تماماً ولم يكن تعسّفياً بأي شكلٍ من الأشكال.

وعلى أي حال، وعلى الرغم من هذا التأجيل البسيط، نجد أن الحكومة تسير حقيقةً وفقاً لجدولها الزمني. ويُعتبر مجرّد انطلاق الحملات الانتخابية إنجازاً بالنسبة إلى دولة تتمتع بهذا التاريخ من القمع والاضطهاد. العديد من المراقبين في الخارج يقولون إن الأمور سارت بمنتهى السلاسة حتى الآن. فقد تم تسجيل أكثر من 80 في المائة من السكان، وهو ماينبئ بنسبة مشاركة عالية جداً.

ما النتائج المرتقبة لهذه الانتخابات؟

من دون وجود استطلاع الآراء، من الصعب تحديد ذلك في هذه المرحلة.
الجواب الافتراضي هو أن الإسلاميين سيحققون نتائج جيدة؛ وهم يضمون حزب العدالة والبناء التابع لجماعة الإخوان المسلمين، وحزب الوطن، بزعامة عبد الحكيم بلحاج القائد السابق للجماعة الإسلامية الليبية المقاتلة. عندما أُعلن عن الجدول الزمني للانتخابات للمرة الأولى منذ أشهر عدة ، كان الإسلاميون الأفضل تنظيماً ولا زالوا كذلك حتى اليوم. وخلال انتخابات المجالس المحلية التي شهدتها بنغازي خلال أيار/ مايو، حصل حزب العدالة والبناء في الحقيقة على نسبةٍ عالية من الأصوات. ومع ذلك يتّسم الإسلاميون بالتنوُّع المتزايد، وتوجد بينهم انقسامات قائمة على أساس المناطق والتوجهات العقائدية والطبائع الشخصية.

يتمثَّل الثقل الموازن للإسلاميين في تحالف القوى الوطنية، وهو ائتلاف جامع يتزعمه محمود جبريل، الرئيس السابق للمكتب التنفيذي للمجلس الوطني الانتقالي. وبما أن هذا التحالف يضم أكثر من 40 جماعة سياسية و200 منظمة مجتمع مدني، فإنه يُعتبر قوة وطنية تحظى بالثقة.

من المهم ملاحظة أنه بالنسبة إلى معظم الأحزاب الرئيسة، تُعتبر تجربة تنظيم الحملات الانتخابية والإفصاح عن البرنامج السياسي للحزب تجربة جديدة كلياً. وللعديد من هذه الأحزاب، يتمثَّل مقياس دعم الناخبين بعدد الملصقات التي يتم لصقها أو الإعلانات التي تُبث عبر التلفزيون.

فضلاً عن ذلك، يُعتبر طيف التنوُّع الأيديولوجي حتى بين الإسلاميين والأحزاب الوطنية ضيقاً تماماً، فالوطنيون لاينفكون يشيرون إلى الإسلام باعتباره أساساً للشريعة والحكم، في حين يجاهر الإسلاميون بمؤهلاتهم الوطنية. وهناك حالات تظهر فيها الملصقات الانتخابية مرشحات عن أحد الأحزاب الإسلامية الكبيرة من دون حجاب، وذلك في محاولة من الحزب لتلطيف صورته وجذب أصوات الناخبات. كل هذا يبشّر بالخير على صعيد بناء توافق في الآراء والوحدة الوطنية بعد تشكيل البرلمان.

لكن، وكما هو الحال في بنغازي، كان الموضوع الرئيس في انتخابات المجالس المحلية الأخرى التي جرت منذ قيام الثورة، هو أن المرشحين المناهضين للمجلس الوطني الانتقالي أبلوا بلاءً حسناً. إذ لا تزال هناك تساؤلات حول حول العلاقات بين المجلس والنظام السابق، والأشخاص الذين ترشّحوا ضد النظام السابق جاءوا على رأس القائمة عموماً. ومن المعقول أن نفترض أن هذا الاتجاه سيستمر.

تُعتبر قدرة المرشحين على النأي بأنفسهم عن النظام القديم من جوانب عدة مؤشراً، أهم من العلاقات التي تجمعهم بالإسلاميين أو بالأحزاب القوية الأخرى. يمكن اعتبار هذه الانتخابات من نواحٍ عدة بمثابة الموجة الثانية للثورة. والسبب في أن بعض مناطق ليبيا لاتزال تشهد صدامات يعود في جزء منه إلى أن عملية تطهير فلول النظام القديم لم تكتمل بعد. ويُحتمل أن يستقر اختيار عدد كبير من الليبيين على الوجوه الجديدة.

لكن، في نهاية المطاف، من المرجّح أن تكون الكلمة الفصل للأجندات المحلية. فانجذاب الناخبين إلى المرشحين سيكون قائماً على أساس القبيلة والروابط المحلية والعلاقات التجارية وليس على أساس الإيديولوجيا أو البرامج السياسية ذات القاعدة العريضة. وتلعب المكانة التي تتمتع بها شخصية القائد دوراً هاماً مهما أيضا، فالليبيون لايشيرون إلى الأحزاب باسمها بقدر ما يشيرون إليها باسم رئيس أو مؤسس الحزب.

ما الخطوات التالية بعد الانتخابات؟

سوف يقوم الليبيون بانتخاب برلمان يضم 200 شخص ليحل محل المجلس الوطني الانتقالي، وسيتعين على المجلس الجديد اختيار رئيسه وتعيين رئيس للوزراء خلال الشهر الأول من بدئه بالعمل. أما المهمة الحقيقية التالية فتتمثل في تشكيل هيئة لكتابة الدستور الجديد لليبيا، حيث يتعين تقديم مسودته في غضون 120 يوماً وبعد ذلك يجب الموافقة عليها عبر استفتاء شعبي.

يتمثل الاختبار الرئيسي للبرلمان في ما إذا كان يستطيع تمرير الدستور. وسيتناول الجدل حول الدستور الجديد جميع القضايا الكبرى التي تلوح في الأفق الليبي، مثل ماهو دور الإسلام في الحياة السياسية وأي دور سيلعبه الحكم الذاتي في ليبيا الجديدة. وسيتعين على الدستور أن يصف بدقة تطبيق الشريعة الإسلامية والسلطات التي تتمتع بها الحكومة المركزية على الإدارات المحلية، وأيضاً نظام فرض الضرائب والخدمات البلدية والعديد من المواضيع الهامة الأخرى.

هل تشهد ليبيا تحوُّلاً حقيقياً؟

أعتقد أنه من الأضمن التزام جانب التفاؤل الحذر حيال العملية الانتقالية في ليبيا. فمن ناحية، ليبيا تشهد تحولاً حقيقياً بمجرد إقامة الانتخابات. ومن ناحية أخرى، هناك إنتاج النفط الذي فاق التوقعات عبر تخطيه المعدلات التي كان عليها في مرحلة ما قبل الحرب، وهذا يوفر الأموال اللازمة لاستقرار الاقتصاد والدولة.

وتتمثَّل أوجه القصور الفاضحة في العملية الانتقالية في عدم تطوير القطاع الأمني واستمرار نشاط الميليشيات القوية. للوهلة الأولى قد ينساق المرء إلى رؤية الوضع على الأرض على أنه فوضوي ومقلق في ظل وجود مسلحين يجوبون الشوارع. لكن الأمور ليست على هذه الدرجة من السوء. ففي حالات كثيرة تحافظ الميليشيات حقيقةً على درجة معينة من النظام وتوفر الأمن تمهيداً للانتخابات وتعمل مع الحكومة لضبط المناطق التابعة لها. وبالتالي فإن ثمة إجراءات للسيطرة على الأوضاع على الأقل في الوقت الراهن. السؤال الرئيس هو كيف سيكون ردّ فعل هذه الميليشيات إزاء نتائج الانتخابات وما سيترتب عليها من توزيع للسلطة بين القبائل والبلدات.

اضطر المجلس الوطني الانتقالي في الحقيقة إلى تفويض الميليشيات. وهناك ائتلاف من الميليشيات التابعة للمنطقة الشرقية والزنتان ومصراتة ويُعرف بـ "قوات درع ليبيا"، حيث يتدخل ويقوم بدور الجيش الليبي، فينتقل إلى جنوب البلاد لقمع الاضطرابات هناك. وفي حالات أخرى تقوم الميليشيات المرتبطة اسمياً بوزارة الدفاع بتوفير الأمن للحدود ومنشآت النفط. وهناك أيضاً قوة أمن داخلي تابعة لوزراة الداخلية تُعرف بـ "اللجنة الأمنية العليا" وتتكون من الميليشيات. ظاهرياً يُفترض أن تكون هذه الميليشيات بمثابة قوة انتقالية مؤقتة، لكن ثمة علامات استفهام حول ما إذا كانت ستُحل وكيف سيتم ذلك.

تعمل الحكومة بما هو متوفر لديها وترسم خطواتها بعناية فائقة. وهي تعلم أنه سيتحتم عليها تسريح هذه الميليشيات ودمجها في المجتمع، ولذلك هناك عدد من الخطط لتسجيل المقاتلين وتقديم خيارات جذابة لهم، مثل بدء مشاريع تجارية صغيرة أو مواصلة دراستهم أو الالتحاق بالشرطة أو الجيش. من غير الواضح ما إذا كان سيتم تنفيذ هذه الخطط، لكن يبدو أن الحفاظ على الاستقرار الداخلي سيمثل تحدياً طويل الأجل.

أين هي الجيوب الرئيسة لعدم الاستقرار في البلاد؟

لا تزال هناك قضايا جوهرية غير محسومة في المحافظات الجنوبية والشرقية والغربية. وقد تعرَّضت هذه المناطق إلى إهمال شديد أثناء حكم القذافي، ونجح في التلاعب بالنزاعات طويلة الأمد حول الأراضي والموارد بهدف إلهاء البلدات والقبائل في المواجهات في ما بينها.

تشهد البلدات الحدودية في الجنوب صدامات ذات طابع قبلي عرقي. وثمة حراك مماثل تتكشّف فصوله في الغرب، في كلٍّ من الزنتان والمشاشية، حيث قُتل مئات الأشخاص خلال الأسابيع القليلة الماضية. إنه صراع قبلي بين قبيلة كانت تلقى حظوة عند القذافي في السنوات الأخيرة من حكمه وبين قبيلة أخرى لعبت دوراً في الإطاحة به.
في الشرق، هناك مطالبات بالفيدرالية وبحصة أكبر من المقاعد البرلمانية. وقام المتظاهرون مؤخراً بإغلاق الطريق الرئيس المؤدي إلى المنطقة الشرقية ومهاجمة مقرّ مفوضية الانتخابات في بنغازي وطبرق. ويخشى بعض المراقبين أن يؤدي تشكيل حكومة جديدة إلى تكريس هذه الظاهرة، حيث يجري تجريد المنطقة من مواردها وتوجيهها نحو طرابلس. ومع وجود مثل هذا المزاج العام، يصبح هناك احتمال حقيقي لأن تزداد الفوضى خلال المرحلة التمهيدية للانتخابات.

هناك أيضاً الحركة الإسلامية التي بدأت تطل برأسها في الشرق. كانت هناك دائماً جيوب من الجماعات الإسلامية المحافظة في درنة وبنغازي، لكن هذه الجماعات بدأت تفرض نفسها بقوة أكبر. ففي درنة وبنغازي نشأت جماعة سلفية تُعرف باسم "أنصار الشريعة"،  قامت مؤخراً بإرسال مسلحين إلى الساحة الرئيسة في بنغازي للمطالبة بتطبيق الشريعة. وقد أعلن زعيمها بأن الانتخابات غير إسلامية. كما شُنَّت هجمات على القنصليتين الأميركية والبريطانية واللجنة الدولية للصليب الأحمر.

وفي حين أن من المهم عدم التقليل من شأن هذه القضايا، كونها تكشف عن ضعف لدى الحكومة والجيش في إدارة الأمن الداخلي لليبيا، تبقى هذه المشاكل محدودة النطاق ولا يبدو أن الدولة على وشك الانهيار. ولذلك فإن إجراء مقارنات مع الصومال أو البوسنة أو العراق هو أمر غير مبرر ومبالغ فيه، حيث إن الانقسامات الداخلية ليست بالقوة التي يراها  العديد من المراقبين.

هل ليبيا مهددة بخطر الانقسام إلى أقاليم تتمتع بحكم ذاتي؟

يجب بحث قضايا الفيدرالية والحكم الذاتي للأقاليم بعد الانتخابات، بيد أن إحساسي يقول إن ليبيا لن تسلك هذا الطريق.
حتى في المنطقة الشرقية، التي تشهد أقوى الدعوات لمقاطعة الانتخابات والتي تتمتع الفيدرالية فيها بأعلى درجة من التأييد، لايزال تسجيل الناخبين يجري بوتيرة عالية. هذا يشير إلى أن الجدل حول هذا الموضوع سوف يحدث ضمن إطار البرلمان وفي كتابة دستور جديد للبلاد. في حالات عديدة، لايبدو أن الناس يدركون معنى الفيدرالية والحكم الذاتي؛ فالقضية الحقيقية التي هي على المحك في الانتخابات تتمثل بقدر أكبر من التمثيل النسبي في المقاعد.

الدعوات التي تخرج من بنغازي عن مجلس برقة الانتقالي يروِّجها أشخاص يتمتعون بعلاقات بالنظام الملكي الذي كان موجوداً في السلطة قبل حكم القذافي، والذي يبدو واضحاً أن لديه مصلحة خاصة في الدفاع عن هيمنة الإقليم الشرقي. كنتُ موجوداً في ليبيا عندما أعلنت هذه المجموعة عن رغبتها بالحصول على حكم ذاتي للمنطقة الشرقية. وبينما كانت تنظِّم المظاهرات بنجاح، كانت هناك مظاهرات مضادة لها في كل من بنغازي وطرابلس. مع ذلك، لايزال هناك احتمال أن يقوم المنادون بمقاطعة الانتخابات بمحاولة تعطيل الانتخابات المقبلة.

الناس لايريدون أن تتفكك الدولة، لكنهم لايريدون أيضاً العودة إلى مرحلة السيطرة المركزية الكاملة التي تميز بها عهد القذافي.

هل ينتهز الإسلاميون فرصة غياب القانون في البلاد؟

يشكِّل هذا الأمر مصدر قلق. ففي بعض مناطق ليبيا نشهد تزايداً هائلاً في ضعف سيطرة الدولة، حيث أصبحت هناك مناطق تقليدية للتهريب والإجرام وانتشار الأسلحة والسخط القبلي والاضطرابات العرقية، أما الجماعات الإسلامية فهي تتحرك للاستفادة من هذه الأوضاع.

ومن خلال بعض الأحاديث الأخيرة يتبيَّن لدينا أن عين القاعدة هي على المناطق الجنوبية قرب الحدود مع الجزائر، مايعني أن الافتقار العام للأمن عند الحدود يمثل مشكلة مهمة ينبغي التعامل معها عاجلاً وليس آجلاً.

لكن هذا ليس إلا أحد أبعاد المشكلة. فإلى جانب خطر الإرهاب العابر لحدود الدول، هناك أيضاً إرهابيو الداخل الذين يجب أن يُحسب حسابهم. إنها الجماعات التي عُرف عنها تقليدياً بأنها تتمركز في المنطقة الشرقية في الجبل الأخضر وبنغازي ودرنة، وهي البلدة التي كانت تمثل معقلاً مهماً للسلفية الليبية ونقطة تجنيد رئيسية للمقاتلين الليبيين المتجهين إلى العراق. وتنتشر في البلدة ثقافة الجهاد والمقاومة بسبب ماتعرضت له من إهمال في عهد القذافي وأيضاً بسبب تضاريسها الجبلية والتركة المتمثلة في محاربة الاحتلال الإيطالي والتي لاتزال حاضرة.

لكن ثمة عوامل عديدة تشكل ثقلاً موازناً للتطرف الذي تشهده ليبيا. فسلطة القبيلة والانتماء الطبقي يتمتعان بقوة بالغة في بعض المناطق الرئيسة، وهذا يخفف من حدة التطرف الإسلامي. كما تلعب جماعة الإخوان المسلمين والحركة الصوفية دوراً في ذلك. فالإخوان المسلمون، بصفتهم حزباً سياسياً براغماتياً، ينبذون العنف ويقولون إنهم سيقبلون بنتائج الانتخابات. وقد كانت ليبيا تاريخياً مجتمعاً يتمتع بمكوِّن صوفي قوي يرفض الرؤى المتطرفة التي تعبِّر عنها بعض التيارات السلفية.

حتى بين التيارات السلفية التي يُزعم أنها متشددة توجد جدالات وانقسامات بين جيل الكبار وجيل الشباب وأيضاً بين أولئك الذين يقبلون بالمشاركة في مؤسسات الدولة وأولئك الذين يرفضونها.

ما الذي يتعيّضن على المجتمع الدولي فعله ليساعد ليبيا في التحول نحو الديمقراطية؟

هناك عمل ضخم تقوم به حالياً المنظمات غير الحكومية والمؤسسات متعددة الأطراف، بما في ذلك الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي، لتقديم المساعدة التقنية والاستشارات فيما يتعلق بالانتخابات وإنشاء مؤسسات فاعلة.

هناك أيضاً قدر كبير من الدعم الذي يُقدَّم للقطاع الأمني. فالناتو والولايات المتحدة منخرطان في تدريب الشرطة والجيش. وقد حظي تدريب قوات الشرطة بدعم من الأردن وقطر وتركيا ومصر.

أعلنت القيادة الأميركية في أفريقيا ومؤخراً أنها ستقيم شراكة مع الجيش الليبي. حتى قبل الثورة، كانت الولايات المتحدة قد أدركت أهمية الدور الجيو-إستراتيجي الذي تلعبه ليبيا في شمال أفريقيا، وأن بناء أمن الحدود والشرطة والجيش الوطني سيتطلب مساعدةً خارجية.

لكن الليبيين يتوجّسون من فتح أبواب بلادهم على مصراعيها لتلقي المساعدة الخارجية. إذ تتمثل التركة التي خلفتها حقبة القذافي- إلى جانب الدروس المستفادة من الاحتلال الأميركي للعراق- في الارتياب بوجود دوافع خفية للأجانب والتشكيك العميق بأنهم يسعون إلى الحصول على نفط البلاد أو استغلال الوضع الأمني الهش فيها. على سبيل المثال، وافق المجلس الوطني الانتقالي مؤخراً على قانون يمنع الشركات العسكرية الخاصة من العمل داخل البلاد.

بالنسبة للكثيرين في ليبيا، يجب أن تكون المساعدة الخارجية تدريجية وتركز على توفير حلول حقيقية وقابلة للتنفيذ. ثمة شعور قوي بأن البلاد تحتاج لأن تقرر مصيرها بنفسها.

End of document
Source: http://www.carnegie-mec.org/2012/07/02/انتخاب-ليبيا-جديدة/cn5q

المزيد من مركز الأبحاث العالمي

ابقوا على اطلاع

تسجّل للحصول على أحدث التحليلات من كارنيغي عبر البريد الإلكتروني! الخانات التي تحمل العلامة (*) إلزامية.

معلومات شخصية
 
 
Carnegie Middle East Center
 
شارع الأمير بشير، برج العازارية بناية 20261210، ط5 وسط بيروت ص.ب 1061 -11 رياض الصلح, لبنان
هاتف: +961 1 99 12 91 فاكس: +961 1 99 15 91
ملاحظة...

أنتم تخرجون الآن من موقع مركز كارنيغي-تسينغوا للسياسة العالمية وتدخلون موقعاً عالمياً آخر لكارنيغي.

请注意...

你将离开清华—卡内基中心网站,进入卡内基其他全球中心的网站。