بعث سورية لم يَعُد الحزب الحاكم

Source: Getty
مقال تحليلي
ملخّص
سيكون من الصعب على حزب البعث أن يضطلع بدور مهم في نظام سياسي مستقبلي في سورية، بعد أن فَقَدَ الكثير من سلطته وقيادته وقاعدة الدعم التي كان يحظى بها.
مواضيع ذات صلة
موارد إعلامية وأدوات ذات الصلة
 

سيكون من الصعب على حزب البعث أن يضطلع بدور مهم في نظام سياسي مستقبلي في سورية، بعد أن فَقَدَ الكثير من سلطته وقيادته وقاعدة الدعم التي كان يحظى بها.
 منح تعديل دستوري أُجري في العام 1973 حزب البعث وضعاً استثنائياً بوصفه "قائد الدولة والمجتمع" في سورية، إلى أن طُرِح الدستور السوري الجديد في شباط/فبراير 2012. بيد أن هذا الحزب، الذي يُعَدّ الدعامة الأساسية للنظام السوري، والذي بلغ عدد أعضائه الرسمي 2.5 ملايين عضو في كانون الثاني/يناير 2011، يمرّ في مرحلة من التفكّك البطيء منذ اندلاع الانتفاضة في آذار/مارس من ذلك العام. فالعزلة التدريجية لكوادر الحزب وأعضائه في ظل تصاعد أعمال العنف، فضلاً عن ازدياد تدخّل الأجهزة الأمنية للدولة في توجيهه، أفشلا محاولاته قيادةَ هجوم سياسي مضاد واستعادة الدعم الشعبي للنظام على مدى العام التالي. ويعكس عدم اهتمام الناخبين بالانتخابات العامة التي أُجريَت في أيار/مايو 2012، والتي أعقبها انشقاق العديد من كبار مسؤولي الحزب منذ تموز/يوليو، حالةَ الشلل المتقدمة التي يعيشها الحزب. وقد ساهم هذا بدوره في انهيار الإدارة في البلاد، التي ترتبط ارتباطاً وثيقاً بحزب البعث، الأمر الذي أضعف قاعدة سلطة نظام الرئيس بشار الأسد أكثر.

هياكل الدولة البعثية والدور الوطني لـ"القيادة القطرية"

نفّذ النظام استراتيجيته المضادة للثورة من خلال هياكل قيادة حزب البعث على المستوى الوطني وعلى مستوى المحافظات والمناطق، وعبر مؤسّسات الدولة المشابهة، أي الوزارات والمحافظات والبلديات الرئيسة.
 
تحدّد "القيادة القطرية" لحزب البعث في أعلى مستوى في الدولة، الخطوطَ العريضة للسياسة الوطنية السورية، وتحشد مناضلي الحزب لضمان الحصول على الدعم الشعبي. وتشرف على تنفيذ الحكومة تلك الخطوط العريضة وتحويلها إلى سياسات فعلية. ويُعَدّ قادة "القيادة القطرية" (مجموعهم 14 عضواً) أعلى المسؤولين في الدولة. فالرئيس الأسد ورئيس الوزراء ورئيس البرلمان هم أعضاء بحكم مناصبهم، وكذلك نائب الرئيس (وهو حالياً فاروق الشرع) ووزير الدفاع.
 
تجري المصادقة على تعيين أعضاء القيادة القطرية من اللجنة المركزية لحزب البعث التي تضم حالياً 96 عضواً ينتخبهم في العادة مؤتمر الحزب مرة كل خمس سنوات. وتضمن اللجنة المركزية تماشي خطوط سياسة "القيادة القطرية" مع قرارات مؤتمر الحزب. يتولّى أعضاء اللجنة المركزية المناصب العليا في الجهاز الإداري للدولة والسلك الدبلوماسي والنقابات العمالية وغيرها من اتحادات الطبقة العاملة (اتحاد الصحافيين واتحاد طلبة سورية)، إضافة إلى الجيش وأجهزة الأمن والمخابرات. تضمّ اللجنة المركزية أكثر من عشرة من كبار الضباط، بينهم شقيق الرئيس، ماهر الأسد. ويشكّل الشخص الأكثر نفوذاً من هؤلاء الضباط اللجنة العسكرية، وهي هيئة سرّية تم حلّها رسمياً في نيسان/أبريل 1965، ولكنها في الواقع لاتزال ناشطة وتضطلع بدور رئيس في القرارات السياسية الاستراتيجية وفي التعيينات رفيعة المستوى.
 
أما على مستوى المحافظات والمناطق، فدُمِج حزب البعث في الدولة السورية من خلال فروع الحزب، والوحدات التابعة لها المتمثّلة بالشعب والفرق والحلقات. وتتأكد الفروع من تنفيذ الجهاز الإداري قرارات الحزب في كل واحدة من المحافظات الأربع عشرة في البلاد، وهي تتولّى الإشراف على عملية تعبئة الشُعَب والفرق والحلقات. وتنسّق الفروع أيضاً الإجراءات التي يقوم بها الحزب والحكومة على مستوى المحافظة، إذ تشارك في المناقشات الخاصة بالميزانية والسياسات العامة، وتقدّم ترشيحاتها إلى المحافظ لمناصب مسؤولي المناطق والنواحي، الذين يعملون، بصورة إضافية، وسطاء بين الحكومة المركزية والزعماء المحليين التقليديين. ويتولى الرئيس الأسد تعيين المحافظ، وهو عضو في قيادة فرع الحزب في المحافظة بحكم منصبه، ويجري اختياره في الغالب من كوادر الحزب.
 
وبالمثل، يجري اختيار غالبية الأعضاء المنتخبين في المجالس البلدية من حزب البعث. وللجيش أيضاً فروعه وشُعَبه وفرقه وحلقاته الحزبية الخاصة، وهو ينظّم انتخابات لاختيار الضباط الذين سيمثلونه داخل الحزب. وأخيراً، ترتبط النقابات والمنظمات المحلية أيضاً بحزب البعث. وتشرف "القيادة القطرية" على "مكتب نقابات العمال" الذي يعمل بوصفه مظلة لأنشطة الاتحاد في جميع أنحاء البلاد.

الجيش وأجهزة المخابرات يتجاوزان القيادة القطرية

ينبغي من حيث المبدأ أن تكون القيادة القطرية، بوصفها الجهاز الأعلى في الحزب، هي المسؤولة عن وضع السياسات للتعامل مع الانتفاضة. لكنها وجدت بدلاً من ذلك أنها أُبعِدَت للعب دور ثانوي من جانب أجهزة المخابرات وضباط الجيش، الذين فرضوا على البلاد، جنباً إلى جنب مع اللجنة المركزية واللجنة العسكرية للحزب، استراتيجيتهم العنيفة المناهضة للاحتجاجات. وبالتالي، فقدت القيادة القطرية سلطتها على الجهاز المدني لحزب البعث، جزئياً، لصالح أجهزة المخابرات والجيش. وقد بدا هذا واضحاً، على سبيل المثال، في الانتخابات الداخلية للحزب التي أُجريَت في العام 2011 وأوائل العام 2012. فقد اختار رؤساء أجهزة المخابرات المندوبين الذين يمثّلون المحافظات، بما في ذلك دمشق والسويداء والحسكة وحلب وحماة إلى المؤتمر القطري الحادي عشر للحزب (الذي جرى تأجيله إلى أَجَل غير مسمّى منذ شباط/فبراير 2012).
 
ارتبطت خسارة القيادة القطرية لتأثيرها بشكل مباشر، ومعها الجناح المدني في حزب البعث، بعدم قدرتها على القيام بدورها الأساسي المنوط بها والمتمثّل في تعبئة مناضلي الحزب وطمأنة الدعم الشعبي المحلي. ومع ضعف القيادة القطرية، تمكّنت أجهزة الأمن والجيش من التدخّل والاضطلاع بدورها، ولاسيّما في المحافظات المُتنازَع عليها، مثل حوران وحماه وحمص وريف دمشق ودير الزور وحلب، حيث لايزال النظام والمعارضة يخوضان صراعاً على السلطة. من بين الأعضاء المدنيين في القيادة القطرية، احتفظ سعيد بخيتان، الذي كان مسؤولاً عن التنسيق بين الأجهزة الأمنية في جميع أنحاء البلاد، بنفوذه داخل الحكومة السورية.

قيادة البعث تفقد نفوذها على مستوى المحافظات

أصبحت جميع فروع حزب البعث معطّلة اليوم، باستثناء فرع الحزب في قوى الأمن، سواء على مستوى المحافظة أو المنطقة. فهي لم تَعُد قادرة على قيادة العملية السياسية وتقديم تقارير إلى القيادة القطرية بشأن الوضع على الأرض، ولا على توفير المعلومات الاقتصادية والاجتماعية. وقد شهد قادة القيادة القطرية ابتعاد، لابل انشقاق، أمناء الفروع الذين يُعَدّون أكبر ممثّلي حزب البعث في المحافظات.
 
كانت ظاهرة الانشقاق الحزبي ملحوظة ولاسيما في المناطق التي حدث فيها قمع شرس للتظاهرات، مثل حوران واللاذقية وحماة وحمص. في آذار/مارس 2011، أمكن في درعا ملاحظة انشقاق قادة محليين وأعضاء عاملين في الحزب في وقت مبكر جداً. حاول فرع الحزب، في الواقع، تنظيم اجتماع سياسي جماهيري كبير، ودعا مابين ثلاثة وأربعة آلاف من أعضاء الحزب وأنصاره من أنحاء المحافظة. ومع ذلك، لم يحضر سوى أقل من مئة شخص، الأمر الذي اضطر أمين الفرع في نهاية المطاف إلى عقد اجتماع متواضع. وشيئاً فشيئاً، نأى أعضاء الفروع المختلفة بأنفسهم عن العمليات التي تقوم بها قوات الأمن في مناطق مختلفة في المحافظات الأربع عشرة كافة. وفي حين أحجم الكثيرون عن الانشقاق رسمياً، أوقفوا أي تعامل مع حزب البعث.
 
لايزال بعض المسؤولين يقسمون الولاء للحزب، ويتجاهلون التهديدات بالانتقام التي تعرّضوا إليها. فقد اختار عبد الحميد الطه، وهو شخصية بعثية معروفة في حوران، الاستمرار في الترشّح للانتخابات، الأمر الذي أدّى إلى مقتله على يد الميليشيات المناهضة للنظام في أيار/مايو 2012. لكن عموماً، لم تَعُد فروع الحزب ذات الصلة قادرة على الإشراف على سير عمل الإدارات في المحافظات. فلم يَعُد بالإمكان تنظيم خدمات الدولة وتأمينها بكفاءة في المحافظات (المحاكم ووسائل النقل العام والمدارس والصحة والطرق)، التي تضرّرت بشدّة من الوضع الأمني الدقيق.

تراجع قاعدة حزب البعث وسلطته السياسية في المناطق الريفية

مع أن حزب البحث يتمتّع بحضور شامل في كل الأراضي السورية، لايمكنه أن يعتمد على "وحداته الريفية" (الشُّعَب والفِرَق والحلقات). فقد تخلّى أعضاء هذه الوحدات عنها في المحافظات الأكثر تضرّراً من القتال، ولاسيما في حوران وحماه وإدلب وحمص ودير الزور. انشقّ العديد من نشطاء الحزب، سواء للانضمام إلى المتظاهرين، أو خوفاً من الانتقام، أو لأنهم يعارضون سياسات النظام. ونتيجة لذلك، جرى "إفراغ" الحزب تماماً تقريباً من العضوية العاملة في المناطق الريفية، التي شكّلت قاعدته الاجتماعية على مدى السنوات الأربعين الماضية.
 
في أواخر كانون الثاني/يناير 2011، زعم الحزب رسمياً أن لديه 2.5 ملايين عضو، بيد أن مسؤولين سابقين في حزب البعث قدّروا أن أكثر من نصف هذا العدد ترك الحزب منذ ذلك الحين. كان عدد أعضاء الحزب يُقدَّر بنحو 70 ألفاً في درعا قبل بدء الانتفاضة، على سبيل المثال، أما الآن فلا يضمّ الحزب سوى عدد قليل جداً من الأعضاء العاملين هناك. وبالمثل، اجتذب الحزب آلافاً عدة من الأعضاء الشباب في السنوات السابقة - بما في ذلك في مدينة حماة على الرغم من تاريخها المناهض للنظام – غير أن عمليات التعبئة الضخمة ضد النظام في أوساط الشباب السوريين اعتباراً من آذار/مارس 2011، تجعل من المرجّح أن يكون معظم هؤلاء الشباب قد أداروا ظهورهم لحزب البعث منذ ذلك الحين. فتدمير مكاتب الحزب في الأماكن التي كان وجوده راسخاً فيها في السابق - على سبيل المثال في ضواحي حمص أو في درعا - يعكس مدى الاستياء العام.
 
إذا كان هيكل الحزب قد انهار تدريجياً على مستوى المحافظات (إدارة الفرع والمحافظة)، فالأمر نفسه ينطبق على مستوى المنطقة. فالمجالس البلدية التي تتألف عموماً من مسؤولين بعثيين مُنتَخَبين، تعاني من حالة من الفوضى. وصحيح أن بعض الخدمات لاتزال تُقدَّم، إلا أنها لاتتجاوز الاحتياجات الأساسية للسكان مثل المياه والكهرباء، وهي تخضع إلى سيطرة الجيش.

نظام جديد من دون حزب البعث؟

نظراً إلى التفكّك وضعف المعنويات، لم تَعُد لدى حزب البعث السوري القدرة على توجيه العملية السياسية وضمان السير العادي للدولة. ومن غير المرجح أن ينقلب هذا الاتجاه، إذ استُبدِلَت قيادة الحزب بالجيش وأجهزة المخابرات؛ وخرج منه الكثير من المسؤولين المدنيين الذين ينتمون إليه في المؤسسات على مستوى المحافظة والبلدية في المحافظات؛ وانخفضت عضويته في المناطق الريفية بشكل ملحوظ. ونتيجة لذلك، شكّل السكان المحليون في المناطق الرئيسة المحاصرة في الشمال، مجالس قروية ولجاناً لملء الفراغ الذي تركته الحكومة البعثية المركزية.
 
وعلى الرغم من انشقاق رئيس الوزراء السابق رياض حجاب ودبلوماسيين وضباط كبار في الجيش وقوات الأمن، مثل السفير نواف الفارس والعميد مناف طلاس، لاتزال أجهزة الحزب في الوقت الحالي صامدة على أعلى مستوى. مع ذلك، سيكون من الصعب على حزب البعث، بعد أن فَقَدَ دعم قاعدته وهياكل السلطة التي بناها في العقود الماضية، الاضطلاع بدور مهم في النظام السياسي في المستقبل، خصوصاً إذا عمدت الحكومة في مرحلة مابعد الأسد إلى حلّ الحزب الحاكم السابق، وهو ماتعهّدت به المعارضة السورية في اجتماع القاهرة في 3 تموز/يوليو. غير أن حزب البعث يرتبط ارتباطاً وثيقاً بإدارة الدولة والجيش وأجهزة المخابرات، فضلاً عن المنظمات العمالية، الأمر الذي يعني أن القيام بعملية تطهير سياسي كامل أمر غير محتمل، إن لم يكن مستحيلاً.
 
سهيل بلحاج هو مؤلف كتاب "تركيبة الدولة البعثية السلطوية في سورية" Anatomy of Ba’athist Authoritarian State in Syria (يصدر في العام 2013).
End of document
Source: http://carnegie-mec.orghttp://www.carnegie-mec.org/2012/12/05/بعث-سورية-لم-ي-ع-د-الحزب-الحاكم/exfx

الأزمة السورية

المزيد من مركز الأبحاث العالمي

Publication Resources

ابقوا على اطلاع

تسجّل للحصول على أحدث التحليلات من كارنيغي عبر البريد الإلكتروني! الخانات التي تحمل العلامة (*) إلزامية.

معلومات شخصية
 
 
Carnegie Middle East Center
 
شارع الأمير بشير، برج العازارية بناية 20261210، ط5 وسط بيروت ص.ب 1061 -11 رياض الصلح, لبنان
هاتف: +961 1 99 12 91 فاكس: +961 1 99 15 91
ملاحظة...

أنتم تخرجون الآن من موقع مركز كارنيغي-تسينغوا للسياسة العالمية وتدخلون موقعاً عالمياً آخر لكارنيغي.

请注意...

你将离开清华—卡内基中心网站,进入卡内基其他全球中心的网站。